لطالما حاول المستعمر أن يقنع المستعمَر بأنه طبيبٌ يوجه من أجل أن يشفيه، وكانت هذه كذبةً صدقها الاستعمار، وغفل عن أن المستعمَر لم يصدّقها. وهذا هو سر دحر الاستعمار علي يد جميع الشعوب وعلي مدار التاريخ الاستعماري الحديث.
إذن فبمجرّد النظر إلي الكلمة ومعناها، نستطيع أن نلاحظ مستوي الخبث الذي يشوبها. فالذي يريد أن يستعمر أرضاً ما، فيجب أن تكون بالضرورة أرضاً لا معمِّرَ لها ولا خادمَ يخدمها ويحميها. مع العلم بأن تاريخ الاستعمار الذي بدأ منذ نصف ألفية من الزمن ـ بمفهومه الحديث ـ لم يلج أرضاً بوراً ولم تطأ قدماه منطقةً لا شعبَ فيها يخدم أرضه ويذود عنها بالغالي قبل الرخيص.
وكانت بريطانيا السباقة لاستعمار الشعوب، بل فإنها هي التي جلبت كلمة الاستعمار إلي الوجود ونادت بها بمفهومها الاصطلاحي الخبيث. وبما أن الدهرَ ذو دولٍ، فقد لعب مفهوم توازن القوي دوراً هاماً في الحطّ من قوة بريطانيا، ورفع قدر أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن أمريكا ـ التي هي بالأساس مستعمرةٌ بريطانية، إذ أن الفايكنغ جاسوا أرض القارة الأمريكية ليستولوا علي خيرات الهنود الحمر ـ لم تتّعظ مما حدث لبريطانيا في مستعمراتها بل انتعلت حذاء الاستعمار البالي الذي خلعته بريطانيا، التي غدت تركب ذيل الأمريكان في الفترة الأخيرة. وبالرغم من أنه من المثير للعجب أن تغامر بريطانيا بكرامتها وتركب الذيل الأمريكي، إلا أن المصلحة السياسية قد تجعل البراغماتيين يتنازلون عما هو أنفس من ذلك. ونستطيع أن نري هذا في التحالف الأنكلو ـ أمريكي الذي احتلّ العراق عام 2003. ولعلّ التاريخ لا يسمح بالتزييف وإن حاول المزيفون ذلك. فمجرد التسمية التحالف الأنكلو ـ أمريكي والتي يظهر فيها اسم بريطانيا في أول المصطلح، لعل هذه التسمية تشهد بأن بريطانيا هي السباقة للاستعمار. وكان الاستعمار حذاءً انتعلته بريطانيا إلي أن بلي في قدميها، فأرادت أن تخلعه لتجدّده بحذاء آخر. ولعلّ أسباباً كثيرةً حملت بريطانيا علي خلع حذاء الاستعمار الملوث بدماء أبنائها ودم أبناء الشعوب الأخري أذكر منها: أن بريطانيا أيقنت أنها سقطت في مستنقع يصعب الخروج منه، هو مستنقع المقاومة التي واجهتها في مستعمراتها، لذلك أرادت أن تترك هذه المستعمرات. وقد حدث ذلك في كثير من مستعمراتها كالهند والوطن العربي.
أما أمريكا التي فرحت بالحذاء الممزق البريطاني، فقد أرادت أن تعتمد طريقة جديدة للاستعمار، انتعلتها حذاءً جديداً في قدميها، وهي طريقة الاستعمار من الخارج، واستطاعت ـ مدعومة بالغرب الذي لحق بركبها بما في ذلك بريطانيا ـ أن تصدّر لكثير من أقطار العالم ثقافةً رخيصةً تقتل مفاهيم الثقافة والأخلاق والأصول في كل شيء، ولعلّ ذلك ساعدها علي ترويج بضائعها في الأسواق العالمية، وعلي ترويج بضائعها غير الأخلاقية لدي الشعوب. وأضيف إلي ذلك أنها بنت قوّتها بعقول استعمرتها واشترتها بأموالها، فكانت سباقة هي الأخري في إيجاد أشكال جديدة للاستعمار، استطاعت في بعضها أن تغيّر من تقليدية المصطلح، بعدم الحاجة إلي الجيوش والخبرات العسكرية في بعض أشكال الاستعمار.
وخلاصة القول: إن بريطانيا وأمريكيا كمحتكرتين للاستعمار في مفاهيمه وأشكاله المختلفة، إنما حاولتا تطبيق مفهوم جديد للاستفادة من الآخر. فما خلق الإنسان إلا ليؤدّي دورا في حياته، والجميع بحاجة إلي الجميع وجميع الخبرات قد تتجمع من أجل صنع شيء بسيط، كما يذكر ابن خلدون في مقدمته. ولكن شكل الفائدة التي بحثت عنه بريطانيا وأمريكا، إنما كان شكلاً انتهازيا ينفع طرفاً دون الآخر، وهذا تحايل علي القوانين الطبيعية التي خلقها الله في البشر، وهو تحريف للحقيقة الإنسانية وإشعال لروح الشحناء والبغضاء في العالم. ومهما يكن من أمر، فإن المستعمر وإن طالت حياة حذاء الاستعمار في قدميه، فلا بد أن يخلعه في يوم ما، وأن لم يفعل، فلسوف تنزعه الشعوب عن قدميه لتلطمه به علي رأسه ووجهه. مسلم محاميدخبير عسكري واستراتيجي6