حذارِ من السيناريو السعودي ضد الاخوان

حجم الخط
0

بسام البدارينلا يمكن اعتماد معايير دول خليجية محددة في استراتيجة اردنية تستهدف جماعة الاخوان المسلمين، فالظروف والمعطيات والاعتبارات الاجتماعية مختلفة تماما، مما يؤشر الى ان الالتزام باجندة سعودية معادية لحركات الاخوان المسلمين مكلف جدا وثمنه باهظ في بلد كالاردن.الاخوان المسلمون في دول مثل السعودية والخليج (تسربوا) للواقع الاجتماعي بهدوء ونعومة وباقرار من مؤسسات القرار التي اعتمدت على الخطاب الديني في تخدير المجتمعات التي لم تعايش اي تجربة للعمل المدني او الحزبي من اي نوع.الاخوان في السعودية والكويت والامارات ليسوا محليين في هذه البلدان من حيث النشأة، بل تأسسوا عبر حلقات من الهاربين من نظام الرئيس جمال عبد الناصر واستضافتهم مجتمعات دول الخليج كغرباء ووفرت لهم وظائف خالية من الاجندات السياسية، في مجالات التربية والتعليم والقضاء الشرعي، ولاحقا نطاق الوعظ والائمة.لذلك كان التعبير الاخواني في دول الخليج خاليا من الخطاب السياسي ومكتفيا بالدور الوعظي والتربوي الملازم لمظاهر الرخاء التي يوفرها النفط. في الحالة الاردنية الاخوان المسلمون اردنيون من الطراز (كامل الدسم) على حد تعبير الدكتور انيس القاسم، وهم جزء حيوي وفاعل من المجتمع عمل لستين عاما تحت الاضواء وبعلم السلطات واصبح بالتالي اطارا سياسيا مهما ليس من السهولة التلاعب بمعادلاته اليوم مهما كانت الحجة. في منظومة الخليج تعبيرات الاخوان المسلمين فردية او شخصية وليست مرتبطة بشعبة مستقلة من شعب التنظيم الدولي، الامر الذي يفسر التبعية لجبل المقطم في القاهرة، حيث المرشد العام للحركة الاخوانية. في الاردن القصة تختلف ايضا فشعبة الاخوان المسلمين مستقلة تماما وليست تابعة لمكتب المرشد العام، والانظمة واللوائح الاخوانية تجعلها على علاقة (ندية) مع مكتب الارشاد الدولي، وليس علاقة تبعية. وشعبة الاردن تتبع لها فلسطين وتعتبر مرجعية في تنظيم بلاد الشام، وهي بهذا المعنى تختلف عن نكهة ونوعية النسخة الخليجية من الاخوان المسلمين.في الخليج تعبيرات الاخوان المسلمين بسيطة واجتماعية ووظيفية وتسترشد بمكاتب المقطم، وفي الساحة الاردنية الامر يختلف فالتنظيم مستقل وموحد ولديه مطابخ ومؤسسات تقرأ سياسة واستخبارات واقتصاد مع شبكة اجتماعية تمثل امبراطورية العمل الخيري، فشلت الدولة الاردنية باحتوائها رغم السيطرة عليها لثلاثة اعوام.رموز الاخوان المسلمين في السعودية مثلا على قلتهم يطالبون بالاصلاح وبما تيسر من الديمقراطية، اما رموز الاخوان في عمان فيفاوضون النظام حاليا على صلاحيات القصر الملكي مما يعني انهم تجاوزا تماما (احلام الاصلاح) عند رفاقهم من مشايخ الاخوان المسلمين.طوال عقود كان اخوان الاردن جزءا لا يتجزأ وحيويا من النظام السياسي وشركاء لهم. وكادر الاخوان في منتصف الخمسينيات كان يخرج للشارع ويطارد اليساريين وتظاهراتهم بالسلاسل، كما قال الوزير الاسبق محمد داوودية، وكانوا (اداة) القمع الرئيسية لليساريين والشيوعيين، كما قال وزير البرلمان الحالي بسام حدادين، بمعنى شركاء للنظام وجزءا منه وهو امر غير متاح في دول مثل الامارات والسعودية. يذكر الاردنيون جيدا كيف قرر الملك الراحل حسين بن طلال منح القيادي الاخواني البارز عبد اللطيف عربيات لقب (معالي) بلا حقيبة وزارية. ويتذكر الساسة والصحافيون موقف القيادي الاخواني السابق بسام العموش في احد الاجتماعات في عمان عندما هدد احد البعثيين بـ(حرق عمان) نكاية بالنظام، فرد عليه العموش قائلا: سنحرق قلب من يفكر بحرق عمان.هذا الموقف تحديدا ردده الملك حسين شخصيا في خطاب شهير له في مدينة الزرقاء، ولاحقا اصبح العموش وزيرا قبل ان يقدم اسهامات حيوية في الافراج عن المعتقلين الامنيين، وتقليص القبضة الامنية وفي تفعيل دور وطني وسطي حاول اعاقته احد رؤساء الحكومات عندما استدعى العموش وقال له حرفيا: وافق الان على الذهاب لتل ابيب سفيرا وسأباشر في تعيينك فورا، وهو خيار رفض العموش حتى مناقشته، بل وسخر منه وفضل وقتها الجلوس في بيته على العمل. التراث السياسي الاردني مليء بقصص العلاقة الحكيمة والمنتجة بين قيادات الاخوان المسلمين واعمدة ورموز النظام، الذي وفر له الاسلاميون (مساعدة فعالة) في استقرار المجتمع ومناصرة حيوية في تحولات مفصلية، منها احداث معان الحساسة 89 واحداث الخبز 96.لا يوجد في منظومة الخليج تراث مماثل من اي نوع، والاخوان المسلمون- ان وجدوا- في هذه المظومة فخلف الاضواء وبدون برنامج سياسي وبتواطؤ مع انظمة الحكم في هذه المنظومة تحت عنوان الرخاء الاقتصادي للمواطن الخليجي.قد تتوفر لدى السعودية مثلا مبررات جوهرية تدفعها للخوف من تنامي تأثير الاخوان المسلمين بعدما حصل في تونس ومصر، خصوصا عبر منابر التواصل الالكتروني، فالسعودية تعاني من الكثير من المشاكل وتحتاط في ابعاد شبح الاخوان المسلمين لاسباب تخصها.الامارات ايضا لديها نظام استثمار ورخاء اجتماعي تدافع عنه في وجه اي طموح سياسي للاخوان المسلمين او غيرهم، وقد يحاجج اهلها بان من حقهم ان يحتاطوا ما دام المواطن الاماراتي مرتاحا وغير مقموع وغير مهتم اصلا بالبرامج السياسية . في هذه الدول وغيرها في منظومة الخليج مخاوف منطقية يمكن ان تناقش بعد الربيع العربي الاخواني الذي يتوقف حاليا.لكن في الاردن لا مبرر اطلاقا لاي مخاوف من اي نوع، فخبرة النظام مع الاخوان المسلمين كبيرة جدا، والتراث المشترك يمنع الصدام مهما تصاعدت الخلافات ومكانة الاخوان العملاقة في وجدان الشارع الاردني لا يمكن هزيمتها بأية وسائل، بما فيها تلك الوسائل المستوردة من اشقاء الخليج او المصنوعة في غرفهم الامنية .فوق ذلك انشقاق الاخوان المسلمين في الاردن خيار بائس وخطير وحمال اوجه، ونتائج الهجوم عليهم من بوابة الديكتاتورية الدينية موقف يتسبب بالتباس وقد يؤذي لاحقا اللافتة الدينية التي تبرر شرعية الدولة والنظام في الاردن اصلا.التعامل مع نسخة الاردن من الاخوان المسلمين لا يحتاج لمليارات تضخ في قنوات فضائية او مواقع الكترونية معادية لهم، ولا يحتاج لمواصفات امنية. المسألة بسيطة جدا ويمكن حل اي خلاف مع الاسلاميين على الطريقة الاردنية عبر استدعاء عقلاء التنظيم الاخواني للجلوس مع عقلاء النظام والاتفاق على كل شيء وبالتفصيل، كما كان يحصل في الماضي تماما، بما في ذلك الاتفاق على المعارضة وعلى عدد من سينزلون للشارع. اخوان الاردن تركوا وحدهم لستين عاما في ميدان التعبير سياسيا عن مكون اساسي في المجتمع يتعرض منذ عقود للتهميش والاقصاء.. ليس ذنب المواطن الاردني ان الفساد يستشري في مؤسساته، وان البرامج تفشل في كل الاتجاهات والمشاريع لا تكتمل، وليس ذنبه ان بعض المؤسسات الرسمية تحرض على الوحدة الوطنية وتعزز الانقسام وجدل الهويات قصدا في بعض الاحيان.المواطن الذي يمشي طويلا في درب الالام الوطني لا يجد، خصوصا في الانتخابات، امامه الا حافلة واحدة مستعدة للحركة هي حافلة الاخوان المسلمين. مؤسسة النظام نجحت في (تأنيث) التمثيل الفلسطيني في الاردن واخفقت تماما في السماح للمكون الفلسطيني الاردني بانتاج مؤسسات ورموز مستقلة تمثله وتشترك مع النظام في التخطيط للمستقبل، وطاردت وتطارد كل المبادرات النبيلة في الاتجاه، وفشلت في تجنب خيارات ضرب الوحدة الوطنية بين الحين والاخر لاغراض امنية بائسة، فلم يكن امام مئات المواطنين الا التصويت في الانتخابات لحافلة الاخوان المسلمين وركوبها، خصوصا بعدما عم وطم الفساد.الفشل في ادارة العلاقة مع الاسلاميين تتحمله الدولة الاردنية وبعض رموز الاخوان (يراهقون) كبعض رموز الدولة في التصرف والموقف والخطاب، لكن ذلك لا يعني ان الطريق مسدودة تماما امام الحوار والتفاهم، وان الطريق الوحيدة السالكة حاليا هي الاجندة الانقلابية الخليجية على الاخوان المسلمين.حذار من التورط في الخيار او السيناريو السعودي.’ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردنqraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية