دفترُ عائلتي القديمُ، هو دفترُ عائلتي الجديدُ، لَم يزِد موتاً وحريقاً، وزادَ تشظياً وعناقاً للجهات، كلّ الجهات، أطلَّ من نافذة الحياةِ، مدَّ لسانَهُ الطويلَ للريح فأخذتهُ الريحُ وحركتهُ كحريق يُرى من السماءْ.
الأمُّ في كتابي الأول (ثمار العاصفة) أمضَت زواجها بعشرين عاماً أو أكثرَ من الحياة الثانيةِ، حياتها الجديدة، هي تحضرُ اليوم أكثر من ذي قبل، بعد ثلاث وثلاثين عاماً من غير أن يتغيّر شيء سوى الحرب. نعم الحربُ التي أكلَتْ أولادَها وأولادَ العالم.
الأبُ حصانٌ، كانَ يجولُ ويصولُ كحصان
الأبُ المقعدُ عن واجباته تجاهنا حينَ كُنا صغاراً وحرائقَ صغيرة في كوخنا، كوخِ المستقبل. منذُ عشرين عاماً قبلَ أن نغادرَ رغبتنا في شيء، أي شيء، (هنا) وبعدَ ثلاث وثلاثين عاماً أيضا أبي صارَ مشلولاً ومسكيناً أكثر مما يجب، يُحبّ الأكلَ والدفء ومشاهدةَ التلفاز أكثر. أبي القوي فيما مضى بقلبهِ الحديد، صارَ يستجدي منا، نحنُ أبناءه، جيرانهُ في الحياةِ الجديدةِ والمتحولةِ كالحيوان، نظرةَ العطف، وصحنَ الطعامِ المفضَّل، أبي يشبهُ حيوانا أليفاً ولا يشبهُ نفسهُ. الحربُ تُغيرُ!.
أخي الذي كانَ في كتابي الأول مريضاً بالربو وكثيرَ الشجار معي، وصغيراً كثيراً، يتطاولُ بعمرهِ على السابعةِ والثلاثين، صارَ شرطياً، يحملُ مسدساً أسودَ، وما زالَ شرطياً، يقول: ‘لَمْ أقتلَ أحداً سورياً ولا أصدِّقُ البشرَ الذين يدفعونني إلى الحرب’ مازالَ شرطياً لهُ من الأطفال أربعة ولمْ ينشقَّ بعد.
أخي طلاع الذي كنا نحملُ مسدسين(خلبيين) ونتخندّقُ في حفرٍ صنعَها المطر، هو ليسَ طلاع الذي يحفر خندقهُ على أطراف المدينة، غير أنه لمْ يقل أنّه يتربصُّ بي وسيوجهُ لسانَ حرائقهِ إليَّ. الحربُ عمياء ولا ترحَم.
الأخُ غير الشقيق، صارَ يشبهُ أبي كثيراً، وصار بعدَ أنْ تقدَّمَ بهِ العمر، يبحثُ عن أبناءَ يستمعون إليه، وأخوةً أصغرَ منهُ يعوضونَهُ عن أبناءٍ كبروا فجأة في بلدٍ غير البلَد، أخي الأكبر يابدءَ نزوح الأسماء من دفترِ العائلة: جوعُنا القديمُ مثل حربنا الجديدة، وللحروب أسماءٌ كثيرةٌ منها: الأبناءُ الأعداءُ.
الأخواتُ الإناثُ غير الشقيقات، تناثرنَّ في الأرضِ موتاً أو زواجاً، ورحنَّ في كلّ يومٍ يتدربنَّ على البكاء، فالأخوةُ الذكورُ مشاريعُ قَتلى أو سُجناء.
بعدَ هذا العمر الطويلِ (كلسان حريق يظهر في دفتر العائلة) رجلٌ يشبهُ حياةً عجوزاً، عجوزاً تشبهُ صوتاً بعيداً من بئرٍ عميقٍ، بئراً يشبهُ رجلاً كانَ قوياً وغامضاً وحنوناً كشجرةِ كرزٍ باردة، مغلقاً على سِرّه، مُحكمَ الأحلامِ كُصرة العجوز نفسِها، تلكَ التي تشبهُ حرباً ضروساً. رجلٌ يضحكُ ولا يضحكُ ويركلُ بقيةَ الأيامِ أمامهُ مرةً بالصلاة ومرةً بالخمر الرديء كما يجيءُ في الرواياتِ.
أحظىَ بعائلةٍ صغيرة، موهوماً بالخلودِ ومتحسساً منَ الخطيئةِ، أقودُ لهم قطيعَ السعادة إلى أوقاتِ فراغِهم فيلعبونَ بها، يمرقونها بينهم كجمجمةٍ بشريةٍ، يركلونَها بأقدامِهم الطريةِ وقلوبهم البيضاء، وإذا ما تعبوا ارتاحوا، وارتاحتْ ما رأيتهُ أنا: جمجمة. أنظرُ في عينيها المتعبتين/ المعاتبتين/ وأعتذرُ مِنها. إنها الحرب يا صديقتي الجمجمة!.
وحيثُ الأخضرُ ـ هنا ـ صادمٌ بما يكفي في بلدي الجديدِ بعدَ الحرب، مثلهُ مثلُ النار التي هناكَ، تبدو الحياةُ ثقيلةً وتشبهُ حرباً عجوزاً. وما زالتْ الحربُ تفتكُ بنا حتى صارتْ أحلامنا معدنيةً تَتدرجُ بين الآلاتِ العسكريةِ من الثقيلةِ إلى المتوسطةِ فالخفيفة، والخفيفة جداً، والأكثر إيلاما كأن تكونَ السكينُ مثلومةً وميتةَ قلب.
‘ شاعر وناقد سوري