حرائق مصر

حجم الخط
0

عناية جابر

حتى حلول هذه اللحظة، لم يكن تفجير الكنائس وإحراقها في مصر قد توقف. في الهواء العربي سديم حريق كبير يمنع أن نرى الأفق. سديم لا يمكنك رصد كثافته إذا كنت أنت نفسك طيّهُ. كلنّا يحسّ طعم الدخان، ويشّم رائحتهُ. توّهج واسع، أحمر اللون، عميقُهُ. كربٌ بين المسلمين والمسيحيين وما من عناق يلوح. أكثر من ذلك، تراءى لي في الحلم، ان النار شبّت في ثيابي، وأن شرارة شيطانة إستكانت الى صدري، إلتهمتني. هذا، على الرغم من أنني في الحلم، كنت واثقة أن مصر ستواصل الدوران، وأنها تبقى على قيد الحياة. كنت أعرف أنني في الحلم وكنت أعرف أنني خارجه. وفي الحلم، عرفت أن النار- رغم أنها إلتهمتني حتى قلبي- ليست على هذا القدر من الخطورة، وفي الحلم نفسهُ لم أكن أريد أن أفهم، بالطبع، ما الذي يعنيه ألآ تبقى مصر على قيد الحياة!

في النهاية، ليس بمقدور مثل هذه الحرائق، ان تقصف الحلم، تُيبّسهُ. يسود شعور مرتاب في مصر، شعور ما، يُشبهُ بشكل عام تثبيط العزائم. تتردّد أنباء في الصحف، وبين الناس، وعلى التلفزيونات، أنباء شديدة الغرابة عن ناس مصريين مسيحيين ومسلمين. بعد الثورة، لابد أن يتراكم الكثير من سوء الحظ بإتجاه واحد. النار العالية ليست أكثر من سوء حظ، مع انها بالنهاية، وبشكل منطقي، بوسعها استدعاء المطر. الحرائق في مصر طالت مع ذلك، تجاوزت حافة الحظ السيىء، واندفعت تعيث اضطراماً في أكثر من حيطان كنيسة في القديسين وإمبابة، كنائس في أكثر من بلدة ومدينة ونجع، وفي أمكنة ما كنّا نظنّ انها تندلع فيها. بعد الثورة تتسابق الأمور الخيّرة والأمور السيئة معاً. تنطلق بسرعة الصاروخ في حياة المصريين. تغيرّت الحياة التي دأبت عليها مصر لفترة طويلة سابقة. تغيّر العالم. الأهرامات تغيّرت، النكات، الإبتسامات، الكورنيش تغيّر، الحب، معاني الأشياء كافة.

عندما تكون غير مصري، فأنت بالضرورة لا تعرف ما يعرفه المصريون. لا تعرف الكثير عن معاناتهم، لا تعرف حتى أبجدية حزنهم، لا تعرف مكائد الطبيعة ضدهم، وتعرف قدراً أقلّ عمّا في قلوبهم. هذه المعرفة الضئيلة قد تنقذك من أن تصبح يائساً قبل الأوان.

أفكرّ كم تبدو مصر خجلى من هذه الحرائق، كم حزينة وقد تعرّى جسمها، وتفحمت فكرتها في الحريق. أفكرّ كيف ان هذا النوع من الحرائق تحديداً، مدمّر ويتركها غير ذات قوة وتأثير. مصر حزينة مما يحصل، أكثر من كل مسلمي الدنيا ومسيحييها.

كانت مصر لتلفظ أنفاسها بسبب من بطش وفساد حكامها. ناس الثورة وحدهم، ليس العرب، ناس ثورة مصر فقط، راهنوا عليها، وعرفوا كم بدنها لا يزال دافئاً، وكم بوسعها تحّدي الموت. قد تكون الخطوط العريضة لأسطورة قيامة مصر، صحيحة حقاً، أمّا في ما يتعلق بالتشكك في أنه ما من بلد، حتى مصر، يمكن ان يصاب بكل لعنة ذلك الفساد، بكل العدد الهائل من الجراح السّامة، ثم يُعاود الحياة، فذلك من قبيل الإضافة البديعة للقوة الأسطورية للإنسان المصري، واستجابة لتلهّف البشرية الى المعجزات.

الحرائق الآخذة بالكنائس وبغيرها في مصر، جزء من الأذى الكبير الذي لحق بها على أيدي حاكميها وزبانيتهم من مشعلي الحرائق من داخل سجونهم. الأمر ليس بهذه الأوتوماتيكية والمباشرة والبساطة، لكنه بكل تأكيد تركتهم الباهظة. هل هناك شيء في بهاء مصر، مُقّدر لهُ ان يلقى الأذى؟ هذا قدر الفتنة والسحر، والبهاء لا يمكن أن يُرثى له، شامخاً بالأحرى ومأساوياً. كل شهيد سقط في مصر لابدّ أنه قد تنبأ وعرف، وإن على نحو غامض، بأن الدرب بعدهُ، الدرب الموصل الى هناءة مصر، أطول من الإستشهاد وأكثر ألماً.

إن كان من أحد يجد في وصف مصر بالجميلة، وصفاً بالغ التعتيم والتجريد، فهذا رأيه، وحق له. من جهتي، لم أعتزم تقديم أوصاف مسهبة وفريدة في جمالها، لا تختلف في جوانبها الخارجية بحال، عن جوانب أيّ بلد آخر جميل. الأمر نحسّهُ في داخلنا أكثر ممّا نراه، كالحب تماماً. مصر فاتنة بصورة طيّبة، يساورها فضول غير عادي للعيش، وتتمتّع بشهوة إستثنائية للحياة، ولا تفتقر الى الثقة التي تنبع من تمتّعها بما تتمتّع به، منهحضارتها الوارفة، ظللّت على العالم بحضاراته كافة.

النار الآن تتقّد في هامة مصر، والعالم الذي ظللّته، يتفرج، وكيف أنه يؤلمني أن يعيش المصريون عذابهم الإضافي جرّاء الحريق، أن يحجب دخانه زهو لحظتهم العالية، لصالح لحظة حرجة، وفارقة بالفعل.

أصبحت الحرائق اكثر تواتراً، وعلى كل المصريين، مسلمين ومسيحيين أن يرهبوها على نحو جدّي، وأن يعملوا على إطفائها بصبر لا يكّل، وبتوّقع عذب بأنها تنطفىء أخيراً.

اللبنانيون أدرى بماهية هذه الحرائق وانعكاساتها على معنى الوطن ككل. من هذه المعرفة نخشى على مصر، ومن حبنا تساورنا شبهة مستقبل منذر وثقيل، وتُبهظنا هذه الحرائق بإحساس ضاغط بخسارة كل شيء. خسارة المعنى الفعلي لمصر الذي استشهد شباب ثورتها لأجله. خسارة عجائبية كما كان الإنتصار عجائبياً. أية حرائق فادحة، تثير الأسى أكثر ممّا تثير الفزع!! أية حرائق، بين المسلمين والمسيحيين، ولا يُقابلها سوى تبادل الخطابات العاطفية الممّلة و:’ ايد واحدة.. وقرف واحد. نريد أجوبة تُذهل كما الثورة تماماً، واضحة وخاطفة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية