حراثــة البــحر

حجم الخط
0

حراثــة البــحر

فــاروق واديحراثــة البــحرأحزنني يوسف شاهين، الذي كنا نحسب انه سيبقي شاباً ولو بلغ من العُمر ألف عام. أحزنني، وهو يتأمّل بشيخوخة مفاجئة حطّت علي قلبه، القتامة المحيطة به، وحجم الأخطاء من حوله، والكمّ الكبير من الهزائم والانكسارات المرتسمة علي وجوه البشر في الشوارع. قال إنه بات عاجزاً عن فعل أي شيء لهؤلاء الناس من خلال أفلامه، مضيفاً: أشعر أن عُمري الذي بذلته في إقناع الجماهير بقيمة الحريّة قد ضاع هباءً.. وأنني كنت بالفعل أحرث في البحر!عُمرٌ من الإبداع بحثاً عن الحريّة والقيم الجميلة يضيع سدي، ويغدو نوعاً من الحراثة في البحر، هو الإحساس الذي يتلبّسنا نحن أيضاً، جيل المثقفين الفلسطينيين الذين وُلدنا، ثقافياً وإبداعياً، مع ولادة البندقيّة الفلسطينيّة، إن لم يكن مع رصاصتها السريّة الأولي في الفاتح من كانون الثاني/ يناير 1965، فمع رصاصتها العلنيّة بعد معركة الكرامة ربيع 1968، التي أنجبت مثقفين عضويين ملتزمين بالثورة، نموا وترعرعوا في زمنٍ أمدهم بالفعل وأمدوه بالإبداع.كان ذلك ـ واسمحوا لنا بقليلٍ أو كثير من بثّ الحنين ـ هو الزمن الفدائي.. قبل أن يحلّ زمن آخر تحوّلت فيه تلك الكلمة، التي تصف رجل المقاومة، من فدائي إلي ناشط ، وهي الإهانة المعولمة التي يبدو أنها لا تُزعج، للأسف، ناشطي هذه الأيّام من حملة البنادق، الذين لا يتورّع بعضهم عن توجيه بندقيته إلي صدر أخيه.كنّا آنذاك، نحن الجيل الذي عاش في كنف الفعل الفدائي، نستمد مادتنا الثقافيّة والإبداعيّة من قواعد المقاتلين، ونعيدها إليهم أعمالاً إبداعيّة، مُحققين، ندري أو لا ندري، مقولة سيرجي إيزنشتاين: من الثورة إلي الفن ومن الفن إلي الثورة.الآن، وبعد نحو أربعة عقود من الفن والكتابة والإبداع، وإذ نتأمّل ما آلت إليه أحوالنا السياسيّة، والجهات التي انحرفت إليها فوهات بنادقنا، ونتابع حروب الأخوة الأعداء، نشعر حقيقة أن أعمارنا، ونزف أقلامنا، قد ضاعت.. في حراثة البحر! ہہہالنداء المُخلص الذي أطلقه الكاتب الفلسطيني الصديق رشاد أبو شاور تحت عنوان أيها المثقفون الفلسطينيون ( القدس العربي 31/1/2007)، ومناشدتهم لأخذ دورهم في وقف اقتتال الأخوة الدائر حول كراسي الوهم، يبدو لي نوعاً من التعويل علي من لا يُعوَّل عليه.فنحن نعلم، ويعلم الصديق رشاد، أن المثقفين الفلسطينيين، كغيرهم من المثقفين في كلّ مكان، ليسوا من جنس الملائكة، كما أنهم ليسوا كتلة متجانسة، سياسياً وأيديولوجياً، يمكن توجيهها وتسييرها في خطّ واحد، مهما بدا واضحاً وصائباً. فهم أكثر الكائنات البشريّة اختلافاً وأنانيّة ونرجسيّة. قلما نجد منهم من يمارس القناعة بأن رأيه صواب يحتمل الخطأ ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب. إنه يحسب نفسه المالك الوحيد للحقيقة، وغيره إمّا جاهل، أو أعمي، أو خائن!ونعلم، ويعلم الصديق رشاد، أن فعالية المثقف الأساسيّة هي فعالية ثقافيّة بالدرجة الأولي، وأن الفعالية الثقافيّة لا تُحقق جدواها بين ليلة وضحاها، وإنما تظل بحاجة إلي تراكم زمني لا يتوقف ولا يبلغ النهاية. ولذلك، فإن تراكم هذه الفعاليّة علي مدي العقود الماضية، يبدو أنه لم يُفلح في درء الأخطار الذي تحبل بها لحظتنا المريضة هذه.ولا يجد رشاد مناصاً من مطالبة المثقفين بممارسات ثقافيّة أخلاقيّة، إن جاز التعبير: الحرص علي نزاهة الضمير؛ وشجاعة قول الحق؛ ورفع الصوت الشريف للتنديد بالاقتتال. ذلك إلي جانب إطلاق الدعوة الصادقة إلي التواصل من أجل توحيد الكلمة والعمل علي تشخيص الحال من أجل تجاوز الأزمة، وتشكيل قوّة ثقافيّة فاعلة وضاغطة تفرض رؤيتها الوطنيّة، في ساحة تضاءل فيها القلم ولعلع الرصاص.والحقيقة أن قلّة من المثقفين الفلسطينيين هم الذين تعالوا، أو استنكفوا، فلم يكتبوا أو يمارسوا نوعاً من الخطاب الثقافي السياسي الذي قال كلمته في هذا الاقتتال وأدانه دون تردد، إلي جانب المشاركة في نوع من الفعاليات الاحتجاجيّة، كالاعتصامات والاجتماعات وكتابة البيانات والعرائض. غير أن المسألة لا تكمن هنا، وإنما بوجود خلل في المشروع السياسي والثقافي الفلسطيني الذي قادنا إلي مثل هذا الاقتتال. فلا بدّ من الاعتراف بأننا قد أخفقنا في استشراف لحظة الصراع علي السلطة، بما يعني أننا أسهمنا، بشكل آو بآخر، في التأسيس لحرب داحس والغبراء الفلسطينيّة ـ الفلسطينيّة. في هذه الأوضاع المتفجرة، يبدو العمل الثقافي الجمعي للمثقفين الفلسطينيين غائباً، بعد أن استسلمنا، بسلبيّة مُطلقة، لحالة الشلل، إن لم يكن الموات، التي أصابت مؤسساتنا وأطرها الثقافيّة الجمعيّة، وفي مقدمتها اتحاد الكتاب الفلسطينيين، الذي نحتفل هذه الأيام بمرور الذكري العشرين لانعقاد مؤتمره الأخير في الجزائر! ہہہمرتبكون، نعم، مُحبطون ومتعبون وعاجزون وتداهمنا الكآبة، حقيقة لا بدّ من الإقرار بها. ونشعر بأننا طوال أربعين عاماً من الكفاح والكتابة والإبداع، كنّا نحرث في البحر، نعم. غير أن ذلك لا يعني أننا أصبحنا دون نفع، علي الأقل، فنحن ما زلنا نمتلك أجساداً يمكن استخدامها عند الضرورة، دروعاً بشريّة بين المتقاتلين علي كراسي الوهم. فنداء يوسف شاهين إلينا يستحق ذلك: أنتم أجمل ما فينا، فلا تفسدوا الحلم وتضيعوا القضيّة !كاتب من فلسطينQMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية