من خلال إعادة قراءة حوليات القرون الوسطى الإسلامية، تمكّن عدد من المؤرخين، في العقدين الماضيين، نقض الصورة النمطية عن أنس الطاعة الذي عرفته العامة في المدينة الإسلامية، خلال العصور الوسطى. وكان مايكل كوك قد بين في كتابه الماتع «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» أن هذه العبارة وفّرت مدخلاً مناسباً للمسلمين في التجربة الإسلامية الكلاسيكية، للمساهمة في الخير العام، ومواجهة السلطة المحلية عندما تتجاوز حدودها ويعمّ الفساد. ولعل أهم ما استطاع كوك تبيانه هو أن المدينة العربية لم تعش فترة استبداد شرقي مطلق، كما حاولت بعض الكتابات الاستشراقية، أو العربية قوله في العقود الماضية، جراء تأثّرها بما كان يعيشه الواقع العربي المعاصر من «تضخّم للدولة»، وفق تعبير نزيه أيوبي، وغياب حراك شعبي واسع في فترة الثمانينيات والستعينيات.
ولعل من بين الجهود المهمة الأخيرة في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى كتاب المؤرخة المصرية أمينة البنداري «عوام وسلاطين: الاحتجاجات الحضرية في أواخر العصور الوسطى في مصر والشام». وفيه حاولت المؤلفة القول بأن قراءة حوليات وتواريخ أواخر العصر المملوكي، تكشف لنا عن تزايد الحديث عن أحداث الاحتجاج الشعبي، خاصة في المراكز الحضرية.
وعادة ما تُتناول هذه الأحداث والحوادث على أنها أمثلة لانحدار وفساد نظام مملوكي، بينما تراها المؤلفة علامات تدل على وعي مديني جديد، وحيوية أتاحت للعامة، أو ما تدعوه بـ»اللانخبة» بلعب أدوار متزايدة في إدارة مدنهم وشؤونهم. إذ لم تتحمل هذه اللانخبةُ الظلمَ الواقع عليها من المماليك في صمت، بل كثيراً ما احتجّت وتفاوضت للحصول على نتائج أفضل، ورغم أن هذه التوجهات الجديدة لم تتبلور في شكل مؤسسات سياسية، فإن السرديات التي وصلتنا تشي بنوع من العقد الاجتماعي الضمني، الذي جرى التفاوض عليه والتمسك به. فبدلاً من صورة اللانخبة الحضرية بوصفها كتلة بشرية صامتة، نجحت البنداري في قراءة سرديات الاحتجاج، بوصفها تعكس حراكاً وتفاوضاً مستمراً بين العامة والسلطة داخل المدينة.
■ هل كانت العامة عاجزة في القرون الوسطى؟
ترى البنداري أن عمليات التفاوض كانت تُدار من مختلف الفاعلين الحضريين، بمن فيهم العلماء بمختلف أطيافهم، غير أنهم لم يمثلوا شريحة متجانسة أو متماسكة، أو طبقة بالمعنى الجدّي للمصطلح.
□ قبل أن تخوض البنداري في سرديات العامة في القرون الوسطى، تعود بنا لمراجعة بعض الأعمال الغربية التي حاولت دراسة دور العامة. ففي كتابه الرائد «المدن المسلمة العصور الوسطى الأخيرة»، عنوَن أيرا لابيدوس فصله الأول بـ»العامة: بين العجز والعنف»، لكنه في سياق تذكر العامة في مناقشة السياسات المملوكية، بقوا في كتابات لابيدوس على هامش الدراما الأوسع في ظل محدودية شديدة للخيارات، وعلى الرغم من أن ذلك يعكس، كما ترى بنداري، بعض حقائق واقع الحكم العسكري المملوكي، فيما قبل العصر الحديث، فإنه يعكس أيضاً ميل المصادر التي وصلتنا عن تلك الفترة. كما أن لابيدوس بقي يُرجِع الاحتجاجات الشعبية في مصر العصور الوسطى إلى أسباب اقتصادية مباشرة ومحدودة الأهداف. وقد دار حول هذه المقاربة نفسها تحليلُ عدد آخر من المؤرخين، الذين تبنّوا مصطلح أي بي طومسون «الاقتصاد الأخلاقي»، ليتوصّلوا إلى أن العامل الذي بقي مهيمناً على عوام القاهرة أثناء الاحتجاجات هو الاقتصاد، وأن الهدف منها كان بالأساس إعادة الأمور إلى نصابها التقليدي.
وترى البنداري أنه رغم وجاهة هذه التفسيرات، فإن هناك زوايا أخرى للرؤية، يجب أخذها في الحسبان. إذ لم تؤد المظالم الاقتصادية بشكل تلقائي إلى اندلاع الاحتجاجات، فقد شملت السردياتُ التي وصلتنا عدداً آخر من الأسباب التي أدّت إلى وقوع احتجاجات، كما أن السياسة الشعبية الحضرية كانت تحمل تفاصيل أبعد من ذلك، فالمدن المصرية والشامية كان قد تراكم لديها بحلول القرن الخامس عشر، مخزون من تكتيكات الاحتجاج، الذي مهّد الطريق إلى التفاوض حول السلطة.
■ ولكن من قاد الاحتجاجات والتفاوض آنذاك؟
□ في هذا الشأن، ترى البنداري أن عمليات التفاوض كانت تُدار من مختلف الفاعلين الحضريين، بمن فيهم العلماء بمختلف أطيافهم، غير أنهم لم يمثلوا شريحة متجانسة أو متماسكة، أو طبقة بالمعنى الجدّي للمصطلح. وقد انعكس هذا التباين في ما بينهم كذلك، في الأدوار التي لعبوها في السياسة الحضرية والاحتجاجات الشعبية. أما سكّان المدن العاديين، فقد كان تحالفهم مع العلماء يوفّر لهم فرصة أفضل لمواجهة استغلال الطبقة الحاكمة. فعلى سبيل المثال، عندما فرض ابن شاد بك سعراً إجبارياً للسكر، أعلى من سعره في السوق في سنة1481، لجأ أهل سوق الطواقيين وسوق جقمق في دمشق إلى عدد من الوسائل للتفاوض حول السعر، فشكوا إلى السلطات المحلية، وأثاروا الشغب، وتفاضوا، واستغلوا شبكة علاقات العلماء لدى السلطة في العاصمة للتدخل لمصلحتهم لدى السلطة المعنية، لوقف العمل بالسعر. وفي حادثة أخرى في عام 1501، وقعت فتنة في دمشق إثر فرض مكوس جديدة من قبل نائب دمشق. ومما يذكره ابن طولون في هذه الحادثة، أن أهل حارة ميدان الحصى وأهل حارة الشاغور، وكذلك بعض الزعر، اجتمعوا وتعاهدوا على قتل النائب. واندلع القتال بالفعل، وقُتِل عدد من المماليك، وعُلِّقت صلاة الجمعة، وهو أمر نادراً ما كان يحدث في مدينة تحت الحكم الإسلامي، وأمام استمرار القتال اضطرت السلطة في المدينة إلى إلغاء القرارات والتخلي عن الظلم.
كما لم يقتصر تحالفُ القوى، بين العامة والمؤسسة الدينية، على كبار العلماء فقط، بل شمل كذلك، الأقل شهرة ومكانة منهم. إذ كان بعضهم مجرد رجال صالحين غير معروفين إلا في أحيائهم، وهذا ما يعني، وفقاً لتفسير البنداري، أن الأحياء مثّلت شبكات اجتماعية حضرية، تتمتع بنوع من القيادة المحلية، ربما بصبغة صوفية، يمكن الاستفادة منها في أوقات الأزمات. كما ضمّت شبكات التفاوض مع السلطة أدوار عدد من التجار. وفي سياق التفاوض، تنتبه البنداري أيضاً إلى أن محاولات التفاوض، التي كُلِّلت بنجاح أكبر بين السلطات والشبكات الحضرية، كانت، بطبيعة الحال، تلك التي نبعت من شكاوى جماعية.

فعلى الرغم من عدم وجود أي إشارات واضحة على تشكيل طوائف حرفية في مصر والشام قــــبل العصر العثــــماني، فهناك العديد من الروايات التي تحدثت عن قيام مجموعات من أبناء الحرفة أو التجارة الواحدة بتوحيد جهودهم من أجل القيام بتحرك جماعي في سبيل قضية مشتركة.
وفي السياق نفسه الباحث عن ماهية العامة وطبيعة الشبكات التي قادت الاحتجاجات، تذكر البنداري أن ابن طوق وابن طولون يمدّاننا بتفاصيل لا تتعلق بأسماء بعض المشاركين الرجال فقط، بل يأتيان على ذكر أسماء بعض السيدات اللاتي قدن عمليات التفاوض مع السلطات. فقد تكرّر في المصادر ذكر حوادث لنساء اعترضن موكب أو طريق حاكم أو موظف كبير للشكوى من ظلم وقع عليهن. كما أن البعض ذهب إلى حدّ ادعاء الجنون، لمقاومة قرارات أو أحكام معينة. ففي سنة 438 هـ، تفشّى وباء الطاعون، فأمر السلطان بنصيحة من بعض العملاء بمنع النساء من الخروج إلى الطرقات والأسواق، وكانت حجة العلماء أن الوباء عقاب من الله على انفلات الأخلاق والآداب العامة، وقد روى ابن تغرى بردي كيف واجه المحتسب مقاومة في تطبيقه، إذ روى ظلما للعديد من النساء، حتى همّ في أحد الأيام بضرب امرأة أمسك بها، فجنّ جنونها فزعاً، وحُمِلت إلى بيتها وقد ذهب عقلها، واستمرت على هذه الحال بضعة أشهر.
بيد أنه على الرغم من الانتشار الواسع للاحتجاجات، فمن الجدير بالملاحظة أن نقص الطعام لم يكن يؤدي تلقائياً إلى اندلاع احتجاجات عنيفة، وقد لاحظ جورج وردية اتجاهاً مشابهاً في الاحتجاجات الإنكليزية والفرنسية قبل عصر الصناعة في القرن الثامن عشر، إذ لم تكن الظروف الاقتصادية السيئة محركاً تلقائياً لوقوع الاضطرابات، بل إن الاضطرابات في إنكلترا ونشاط الاتحادات العمالية كانت تحدث في العادة مع مدّ الازدهار، وليس في لحظات الكساد التجاري الشديد. وإلى جانب كون الاحتجاجات على الأعباء والمظالم الاقتصادية أحد سبل تحسين الأوضاع والتفاوض للخروج من ظروف صعبة، فقد كشفت كذلك عن دقائق الصورة التي تخيلتها مجتمعات مصر والشام في تلك الفترة للنظام الاجتماعي الأمثل، لاسيما في مراكزهما الحضرية، من خلال بعض الروايات التي وصلتنا. ترى البنداري أن القضايا نفسها كانت سبباً متكرراً لهبّات الناس الاحتجاجية، ففي عدد من الروايات التي وصلتنا عن القاهرة، وبدرجة أكبر عن دمشق، كان تدمير «المنكرات» من خمر أو حشيش على يد صالحين من الصوفيين، في إطار التزامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمثابة مناسبة للمواجهة المباشرة مع السلطات، خاصة عندما يكون متعاطوها من المماليك والجنود. كما أن مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقي يلعب دوراً في مخيال الأفراد العاديين حيال الفساد الأخلاقي والظلم في المدينة، إذ نعثر على قصص حول قيام أحد الصوفية أو حتى العلماء بالسير إلى الحانات في جمع من المؤيدين والمتحمسين لتدميرها.
كانت هناك شريحة أخرى يصعب علينا الإمساك بكل ملامحها في المصادر، وهي الحرافيش، حيث يصف ابن طولون في «مفاكهة الخلان» موكباً للحرافيش في عام 1489 في دمشق.
مواجهة السلطة بالسخرية والكرنفالات:
في سياق آخر تشير البنداري إلى أن أهل المدن الإقليمية في مصر مثل دمياط والمحلة كانوا يهبّون في احتجاجات عنيفة مشابهة لما يقع في المدن الشامية، في حين كان القاهريون، بحكم مركزية القاهرة، يميلون للأشكال الأقل مباشرة من الاحتجاج؛ مثل رفع الشكاوى، والمماطلة والتهرب الضريبي، وهذا ما تردُّه في الأغلب إلى كون القاهرة مركز السلطة السياسية والعسكرية، ومن ثم فهي في قبضة السلطان الثقلية. كما أنهم قد لجؤوا في بعض الأحيان إلى الاستخفاف بالسلطة ومظاهرها، من خلال إطلاق النكات عليها. بيد أن نبض الشارع نادراً ما كان يجد طريقه إلى صفحات التاريخ، ومن هذا «النادر» ما ذكره المقريزي عن والي القاهرة سنة 1420، ناصر الدين محمد، الذي أطلق عليه العامة تعبير قندوري استهزاء به، كما أنهم كثيراً ما كانوا يصفون زيه بوصف أقرب ما يكون بزي النساء.
وبالمثل، كانت هناك شريحة أخرى يصعب علينا الإمساك بكل ملامحها في المصادر، وهي الحرافيش، حيث يصف ابن طولون في «مفاكهة الخلان» موكباً للحرافيش في عام 1489 في دمشق. لا يشي في حد ذاته بنوع من الاحتجاج المباشر، بيد أنه قد يشير إلى مناهضة محتملة للحكام. فقد دخل، من مصر إلى دمشق، ابن شعبان سلطان الحرافيش، والأوباش حوله، والصفاقات والطبول تضرب بين يديه، والأعلام الصفر عليه، ثم وصوله إلى بيته. ووفقاً للبنداري، فإن هذه المواكب تمثّل محاكاة ساخرة وواضحة للمواكب السلطانية الرسمية بكل تفاصيلها، ربما أشبه بالكرنفالات، حيث يلعب أفراد منهم فيها أدوار السلاطين، فينقلب في موكبهم النظام الاجتماعي رأساً على عقب. وربما كانت مواكب الحرافيش هذه تجري، كما كانت مثيلاتها في العصور الوسطى، بحسب إشارة ميخائيل باختين، خارج حرم أي مؤسسة رسمية أو دينية، وبالتالي وعلى هذا النحو الكرنفالي، فإن الطابع العلني نفسه والاحتفالي بالموكب جعله عرضاً شبه فني، مناهضاً للسلطة، حتى إن لم يقترن بشكل مباشر بفعل احتجاجي. فالحرافيش بمنحهم لقب السلطان لشخص من الطبقات الدنيا، إنما كانوا يسخرون من أبهة وخيلاء سلاطين المماليك.
٭ كاتب من سوريا