يستثمر العقل في الرّؤية التي تخدم مسار الحقيقة الدائر في رحى الواقع، ومن ثمّة كان لزاما على الوعي في ملاحظاته ومتابعاته لما يجري على أرض الواقع، أن يكون متأمّلا الحركة على مستويي الرّاهن والتاريخي، بمعنى ربط ما يجري بما هو تأمّلي على مستوى العقل، كي لا تنفرط عرى العملية التسجيلية والتحليلية والتفسيرية، ويتأسّس الموقف على اشتراطات العملي المنفصل عن التأملي، وهو ما يعني حضور المثقف كشرط أولي لما ستتأثث به المشهدية الواقعية، سواء في راهنها أم في مستقبلها، ذلك أنّ «العقل والحرية لا ينفصلان»، كما يثبت برهان غليون في نهاية كتابه «اغتيال العقل».
أجمع العالم على أنّ الحراك الشعبي في الجزائر شكّل صدمة للوعي، لانخراطه في سلمية المسلك، رغم تداعيات الوعي السّابق وحضور المأساة السورية والعراقية والليبية، ولكن كيف استطاع الشارع أن ينتظم في مثل هذا الحراك، رغم أنّه كان مشوبا قبل ذلك بالتخوّف المبرّر من المآلات الهدمية للحراك، التي قد تفرضها اندفاعية السلطة ومحاولات حماية ذاتها؟ لا شك في أنّ وعي الحراك المؤسّس ليس فقط على الوعي العملي، وإنّما التراكم الثقافي الناتج عن حركة مجتمع اعتملت في لاوعيه انبثاقات الفعل العملي الواقعي، التي أطّر لها في جانب كبير الفضاء التواصلي الإلكتروني، حيث ما وفّرته التكنولوجيا من عملية تواصل وحوار، وطرح الرأي ونقاشية الرأي الآخر، كل ذلك أسهم فيه العقل المثقف بدون أن تعي الفعالية الشعبية ذلك، أو قد تتجاهله، لأنّها بطبيعتها عملياتية ليس لديها الوقت للتأمل، وهو ما تعيبه على المثقف، باعتباره يضيّع الوقت في «التفلسف» والنّظر، ولكن ذاك هو مجاله، فـ»المثقف مهمّته في ما يكتب وفي ما ينتج من مقاربات؟ وليست وظيفته سياسية» كما حلّل ذلك عميقا الإعلامي سعيد خطيبي.
هناك دوما ذلك الفارق بين السلوكات، وطبيعة مصادرها، فهي لا محالة تنبع من جهات مختلفة تحكمها مستويات من الثقافة والتربية والقيم، وبطبيعة الحال فإنّ ما هو عملي يختلف عمّا هو تأمّلي، ولذلك تظهر الفعالية العملية كمستوى مهرجاني يكون محطّ أنظار المتلقين الذين تستهويهم غبطة الفعل وبهجة الحركة، وهنا القصد يعود على الفعل والحركة المفعمين بدلالات التّغيير والقصد الهادف إلى ابتعاث البدائل، وبالضرورة فإنّ الفاعل الجماهيري يستهويه اللسان وتدمغه الرّغبة في مسرحة الواقع، كي يكون له أكبر الأثر في نفوس المتلقين، وهو الاتجاه الذي انساق خلفه فصيل من المثقفين، «فقد تزحزح بعض المثقفين الجزائريين، من زمان، من مكانهم الأصلي، وفضّلوا أن يمتلكوا الحق في الكلام، الذي تحول في ما بعد، إلى رغبة في امتلاك الحقيقة، في تماه مع نموذج المثقف الفرنسي الجديد»، كما ذهب إلى ذلك سعيد خطيبي، وهو ما يجعل العملي يضع التأملي موضع الشك والتهكم، لكن هذا لا يمنع من التأكيد على أن فضاء العقل ومجال الثقافي هو البنية الأساس للفعل والحركة على مستوى العملي في حراك الشعوب.
«البطل المجهول» في وعي ميشال دو سارتو، يمثل «جوقة الممثلين الصّامتين المتجمّعين على الجوانب، ومن ثمّ التركيز على الحشد من الجمهور»، هؤلاء هم المبادرون إلى الفعل، يرتكز نشاطهم على التأثيث للمشهدية المجتمعية.
«البطل المجهول» في وعي ميشال دو سارتو، يمثل «جوقة الممثلين الصّامتين المتجمّعين على الجوانب، ومن ثمّ التركيز على الحشد من الجمهور»، هؤلاء هم المبادرون إلى الفعل، يرتكز نشاطهم على التأثيث للمشهدية المجتمعية، من خلال التركيز على ما يحرّك المجتمع ويجعله في الواجهة منافحا عن حرّية وكرامة الجماعة الاجتماعية، ومن ثمة يكتسب الحراك شرعيته القائدة، كنمط عيني ظاهر على الواجهة المجتمعية، باعتباره «يستدرك النصوص. فهو لا ينتظرها، بل يتهكّم عليها» بتعبير ميشال دو سارتو، ومن هنا يكتسب اليومي في وجودية الحراك، مسارا جادا حافلا بالإنجاز الواقعي العملي، الذي تلمسه الكيانية الاجتماعية عن قرب، ووجدانية طاغية على أساس الفرح الذي تتقاسمه الفعاليات وهي تنشد في حراكها الانعتاق من أسر القيد الوجودي النابع من الامتثال للعجز.
عندما نبادر إلى نقد المثقف، فلا يعني ذلك الوسم السلبي لحراكه التأمّلي، ولكن دوما تستحضر الفعالية النقدية لحظة المفاجأة التي ينجز الحراك خلال مجاليتها، أفقا لتكسير أنماط التابعية لمسارات السلطة وإملاءاتها وتمظهراتها اللعبية المخاتلة للوعي الوطني والوجودي، فلحظة إدراك هذا النّمط من الوعي، مرافَقا بمهرجانية فاعلة مبرّرة شعبيا، هي لحظة المفاجأة التي تضع فعالية التأمّل موضع السلبية، لا بمنطق التصنيف، ولكن بواقع الفعل، لكنّها في سياق الدلالة المعرفية والعلمية والواقعية أيضا هي لحظة قراءة في المتاح الثقافي بمعيارية النقد، وتتم العملية كما هي مفاهيم «نقد المثقف» أو «نقد الثقافة» باعتبارها حالة عابرة للوعي لها تداعياتها وتجلياتها التي تنعكس بطرق مختلفة على الحركية الإنسانية والمجتمعية والحضارية.
وما يقع على التأملي باعتباره آلية ثقافية بطيئة المسلك، يقع أيضا على العملي، باعتباره منجزا شعبيا، ففي خضم الحراك الشّعبي الهادف إلى التغيير، تتكثف عملية الكشف والفضح ومتابعة أدوات وعوامل ورموز الفساد، وفي أثناء هذه العملية تنساق الحشود خلف هذا الفعل المبرّر متماهية مع اللحظة الفاعلة في شأن الحراك بالنّداء والشّعار، وفي الوقت ذاته فهي على مستوى اللاشعور تتمادى في شكل من أشكال الاغتراب عن الواقع، باعتبار أنّ الحراك وما يستتبعه من فضح وكشف لمظاهر الفساد، إنّما هو حالة عبور خيالي نحو المستقبل المتحرّر من أشكال هيمنة السلطة وفسادها وتغوّلها، وبالتالي تصبح لحظة الحراك ذاته في غفلة من أمر الفعالية الشعبية، أي بتعبير آخر تصبح لحظة الرّاهن متجاوزة بفعل الفرح بحلم التّغيير، وهكذا تمشي الفعالية الشعبية برجلين حافيتين على سطح المستقبل، لأنّه في غمرة نشوة التحقّقات المطلبية قد يحدث خلل ما، فتتعثر الأرجل الحافية على أتربة السّطح المستقبلي.
إنّ النقد الموجّه للمثقف هو من قبيل الالتحاق المتأخر بفعل العمل العقلي، بركب الجماهير والحشود المتقدّمة، بفعل سهولة انطلاق الحراك، وذلك يكشف عن بنيتين مختلفتين تتأسّسان على طبيعتين متوازيتين، طبيعة العقل ومساره المضني والطويل في تحقيق الرّؤية، وطبيعة الحراك في خفّته وسهولة انبثاق آلياته ودوران دواليبه، وعند هذا المفصل لعلنا نستبين العلاقة التكاملية بين البنيتين العملية والتأملية على أساس أنّ الثقافة في تعريفها التايلوري الشائع هي: «هذا الكل المعقد الذي يتضمن المعرفة والاعتقاد والفن والحقوق والأخلاق والعادات وكل قدرات وأعراف أخرى اكتسبها الإنسان كفرد في مجتمع».
فالتداخل بين التأمّلي والعملي شديد الارتباط بالتفاعلات الخفيّة، التي تسري بينهما في غياب الإثبات لها ضمن أنطولوجيا تعرّف الفعل الثقافي، ضمن أنساق الحراك الشّعبي، باعتبار أنّ الشرارة التي تفعّل التوجّه الشّعبي تجد انبثقاتها الأولى والمبدئية في التأمّل الثقافي وتواصلاته مختلفة الأنماط مع الوجدان الشّعبي.
٭ كاتب جزائري