يبدو منذ الوهلة الأولى أن عنوان هذا اللقاء حول ” على قدر من الوضوح إلى درجة البداهة، فمنذ وجود ما يسمّى بـ ‘الواقع’ إلاّ وكان ولازال على حراك لا يفتر.
في وعينا به أو في لاوعينا، أما أسئلة التخييل فإجابتها تسكن دوما في السرديات التي باشرت التخييل عبر نصوص استلهمت روح حركة الواقع وساهمت أيضا في إبداع الحراك، والإخبار عنه، وتجاوزت حراكه للاستقرار في مجرى الزمن، وسكنت في النصوص، بل صارت زمنا يُستدعى في كل حين. وذلك شأن النصوص التخييلية المرجعية الكبرى في الكثير من اللغات، قديما وحديثا، والمنسوبة إلى أصحابها عن استحقاق.
لذلك فما الدّاعي إلى طرح موضوع ” في مثل هذا اللقاء، وخصوصا في مثل هذا الواقع وهذا الظرف، فهل يُضمر الموضوع نوعا من إحراج الخيال والعبث به مقابل حراك الواقع الإعجازي، باعتبار أن الواقع في أشدّ لحظاته بلوغ الذرى في الحراك، أي أن الواقع حين يبالغ في حراكه ويصل إلى الذرى يدخل في دائرة الغرابة وربّما الإبداع، وربّما ما لم يخطر على البال ولا على الخيال، وحينئذ نحن حيال حيرة التخييل مقابل ما يفوقها من خيال في الواقع، حين صار الواقع خيالا يعربد في الواقع، مكتفيا بذاته، وليس في حاجة إلى ما يلهمه، والواقع إذا افتقد ما يلهمه يغدو فظيعا وجنونا ولا يٌحتمل، كما نعيش في الكثير من الأحيان من حراك الواقع الراهن، الذي يعدنا بالإبداع ولكن كأنه عقيم لا يبدع ويكتفي بالسمسرة كما هو شأنه حاليا. وهكذا فإن الأسئلة التي يشير لها موضوع اللقاء يمكن اختزالها في سؤال واحد هو:
ـ كيف نعيد، بعملية غوص عتيدة لأعماق الأغوار البعيدة، قلب الهرم من ذراه إلى قاعدته، لنتعرّف على المسار الذي اتخذه الواقع ليتحرك مثل هذا الحراك ويصل إلى ما وصل إليه من تحديات للمخيلة الفردية والجماعية، حيث يطير السؤال في عملية معكوسة من أعلى إلى أسفل، مخترقا الطبقات باحثا عن اللحظات التي جمح فيها الواقع بشكل تفوّق فيه على الخيال، ليتعرّف السؤال عن كيف يسود الواقع ويشرع في إبداع ما هو فيه من واقع مخصوص بلا مثيل.
لكن ذلك لا يمنعنا بداية من التمييز بين الخيال والفلكلور المتطفل على الخيال وما ينطوي عليه من سخرية.
كانت الثورة حدثا من الخيال النادر الأصيل ومطالبها واضحة ناصعة لا ثرثرة فيها لخّصته في شعارها الذي هو شعار روح الحياة والثورات، ‘شغل حريّة كرامة وطنية’، وكان مسعاها، غير المسبوق، سلميا مدنيا وفاتنا، إلى درجة أغوت عموم الناس وخصوصهم فالتحقوا بها وانتسبوا إليها وهتفوا باسمها بحماس، خصوصا عند أكثر من مسّتهم لوثة الثورة.
كانت حلما لم يخطر على بال الخيال فأبدعه الواقع الثائر فجأة وأعلن بشائره بما يماثل الخيال النادر الأصيل الذي يستحقّ أن يكون خيالا في ‘حضرة الخيال’، ومن سحر الثورة الساحرة أنها دوّخت العالم بفتنتها بانبعاثها المزمجرة الذي سمعتها الكثير من الشعوب فخفقت له قلوبهم، فالثورة التونسية اللعوب أغوت القلوب، وجعلتها تتذكّر القيم الإنسانية السمحاء: شغل، حريّة، كرامة وطنية، وأصابتها برغبة التمرّد على قيود الواقع الأليم، فحصلت محظورات هنا وهناك، ثم أعقبت الدورة الأولى للثورة دورة الفلكلوريات أو الكراكوزيات التي تجلت هنالك وهنيك في العقليات والسلوكيا، وفي الرئاسيات وفي النواب والنائبات والنوائب، وكذا الوزراء والوزيرات، والإعلاميين والإعلاميات والماليين والماليات.
استعمل هنا مصطلح الفلكلور عوض كلمة التهريج، لما يحتوي عليه الفلكلور من رغبة في مداعبة الخيال العتيق وما ينطوي عليه من وداعة ونزوع للتباهي بما انقضى عهده والمبالغة في الإعلان عن ذلك بتبجح رسمي وبلاهة شعبية، في أغلب الأحيان، والذنب هنا ليس ذنب الفلكلور وإنما ذنب أصحاب الأذواق الفلكلورية… أما التهريج ففيه الكثير من الهرج والمرج، رغم ظُرفه إذا كان تمثيلا، ومن أصيب بالتهريج غير الفنيّ يصير لا يميّز بين الأدوار ومقتضياتها وتوقيت تقمصها والكيفيات، ولا أقصد طبعا رئيس جمهوريتنا بعد الثورة ذلك المناضل الجذري والحقوقي الشرس الذي لا يشقّ له غبار عالميا تقريبا، وكان العدوّ اللدود لبن علي وهو من قال قولته الحاسمة الثاقبة التي أذهلت الجميع لجرأتها وقسوتها وكأن المسألة تتنزّل عليه من السماء: ‘بن علي لا يَصلح ولا يُصلح’ في زمن عتوّ بن علي… ولم يكن يخطر في بال أحد من عموم القوم، بعقلائهم وسفهائهم، حتّى في الكوابيس، أن يسكن ذلك الرمز الثوري المشتعل قصر الرئاسة رئيسا لتونس، يا لحظ البلاد الرائع!
وصرنا نشاهد الرئيس وكيف يلوذ بفلكلور النضال حين عُرض عليه النضال الحقوقي العالمي والنداء الوطني على أرض الميدان، فأطلق العصافير ورمى الورود في البحر ومدّ يده للمواطنين لتقبيلها، وسافر كثيرا وعيّن واستقبل ووسّم واعتمد وفاوض، كل ذلك بعد أن خلع ربطة العنق الرسميّة من عنقه، ولعلّه في ذلك يتشبّه بأزياء رئيس الصين أو إيران أو أفغانستان أو قادة الإخوان الروحيين، ولبس برنسا أشخم عوض بدلة الرئاسة، وفي أول خطاب له رمى نص الخطاب الذي أتى به في جيب سترته مدسوسا من قبل أهل الصياغة، وشاء أن يبهر شعبه بقدرته على الكلام المرتجل، خلاف سلفه الذي لم يكن له لسان يرتجل به، ولكن دبلوماسية القصر أعادته للقراءة من ورقة الخطاب، ولكنها لم تقدر أبدا على التدخّل في لحظاته السماوية في الأوقات غير المناسبة لتحول بين دور الرئيس وشرود الرئيس وتلفّته وتطلعه لجهات غير معلومة في محافل رسمية ودولية. كأن الرجل الرئيس ما زال يسمع ذلك الصوت الخفي البعيد الذي نبع من أعماقه يبشره برئاسة تونس، ومازال يأخذ بلبّه حتّى وهو يباشر رئاسة مؤقتة غير مصدّق بوقتها الثمين الزائل. وتلك من الفلكلوريات التي يخالطها المكر والدهاء، يخالطها الغرور، يخالطها جنون العظمة، ويخالطها أيضا التهريج، مع أن الرجل من البديهيات أنه يعقل صفته كرئيس مؤقت لتونس لا مثيل له بين الرؤساء، إلا إذا كانت المصيبة في العقل، وما شروده في الحقيقة سوى حدس لما سيسمعه من أصوات مبهمة المصدر في قادم الأيام، أعظم على ما يبدو، ونسأل الله اللطف بعباده.
ومن سوابق الثورة التونسية فلكلوريات مرحة على مسرح الكوميديا نالت الإعجاب، في الداخل والخارجي، تسلّم فيها الشيوخ من بعض الأعيان مقاليد ثورة الشباب الثائر في كل الجهات، ولم يقصّروا في الاجتهاد، حسب الخبرة في الدهاء السياسي والعمر الطويل، والله أعلم.
الفلكلوريات الوزارية وغيرها كثير، دون أن نتحدث عن فلكلوريات فلسفية لفيلسوف الزمان الذي يحسب أن الفلسفة جهد فردي، ومقاطعة خاصة، لكن فيما يخصّنا تحديدا في مثل هذا اللقاء، أن وزيرا قُذفت بيضة الفلكلور على جمجمته المتجمجمة، في فترة تعاسة الشعب وسعادة الوزراء، فلم يبد الوزير سعادته للثقافة والفنون التي سكتت عن توليه السيادة عليها في زمن الثورة، تلك الثورة التي لم يخطر له أن يحلم قبلها بقلب دجاجة الفلكلور، التي تبيض ذهبا وأشياء أخرى، تنقر بمنقارها الحاد ملفاته وإدارياته وأبحاثه وتحالفاته الثورية وسكوته، وإبداعاته، إذا شاء، كلّما تذكّر التوانسة بيضة الوزير، وبالدارجة التونسية:
ـ الوزير بعظمته.
ثم ذلك الوزير الذي امتشق الدّين وتقدّم في ثوب الورع الشفّاف الذي يكشف ما تحته، وتم تكليفه بصحّة الشعب التونسي فأفتى، وهو الذي ينضح صحة وعافية وشباب متألق تربّى في عزّ النظام المخلوع، وهولا يدخّن بطبيعة الحال، لذلك أفتى عن علم وبقرار وزاري، وبصوت جهوري ـ ولم يرفّ جفنه الضنين على الجفن في كاميرا التلفزات وأفاد باسمه: السجائر التي تباع في الأسواق الموازية تضرّ بصحة المواطنين، وعلى طريقة ‘ويل للمصلين’ سكتت الفتوى عن الدخان الذي يباع في المحلات العمومية بالمدينة والأرياف، وعلى قارعة الطريق في الكثير من الأحيان…
أما عن حذاء زوجة الرئيس الفار ـ ليس حافيا على ما نعلم ـ من معروضات القصر المستباح، فقد تصوّرت وزيرة المرأة مع ذلك الحذاء زمن حكومة ترفع شعار محاربة الثورة المضادة، فما كان من نساء تونس المتمدنات الأنيقات الجسورات إلاّ أن قذفن بهو وزارتها بالأحذية القديمة، في أول أنباء الثورة المؤنثة على سلطة ثورة لم يتعرّف قادتها المنتخبون جدّا، بعدُ، على رمزية الحذاء… وهي تعني أحينا عند أهل الشرق: حطّ من الأقدار التي لم ترفعها القدم.
ذلك وغيره من الحراك الفائق للواقع الذي يعيشه الشعب التونسي على المباشر بما يفوق أي وصف وتجويد وحذلقة فنية. إذن، لا يحقّ لخيال أشعب الطفيلي أو خيال جحا الفضولي اللئيم أن يقتات من وليمة الشعب الكريم، الوليمة التي أعدّها بعرقه ودمه. وما على الخيال الطفيلي أو الفضولي، أقصد السمسرة تحديدا، إلاّ أن يثوب إلى ما نسيه من رشده الخلاّق، ليمتحن قدرته على الخلق والخلود، حيث الفتنة الباقية، ربّة كل الفتن السابقات واللاحقات، تجترح كنهها من قاعدة الوجود، حتّى لا يبقى الخيال يبحلق في الذرى، ولا يريد من العزيمة أن تسعي به للعثور على جوهر ما في حراك البلاد من طاقة تمكّن من ثورة للخيال الحائر، بعد أن ثار الواقع على طمأنينة الواقع الجائر، حتى نظفر بدهشة ترحّب بها الغرابة.
وهكذا تظل أسئلة التخييل محتارة في كيفية تلقي إلهام يساعدها على خلق الدهشة مقابل الغرابة، قبل أن تُرفع أسئلة التخييل ممن لا يعترفون بالخيال ولا بالواقع، ويزدهرون في حراك أهوج لا شيء يعقِله.
متى يقول الخيال، ربّ السؤال، أدافع عن مسألة غير شخصية وغير تخييلية، عن الدهشة التي ليست لها غرابة السؤال، ومنتهاي الخيال إذا قبلنا بنا الخيال في مملكة الأحلام.