جواد البشيتي
جاء في “فتوي” أعلنها الدكتور محمد المسير، أحد كبار علماء الأزهر والأستاذ في كلية “أُصول الدين والدعوة”: “يجوز (شرعاً) للرجل أنْ يتزوج ابنته غير الشرعية، كما يجوز للابن الشرعي أنْ يتزوج شقيقته غير الشرعية”! بهذه “الفتوي”، وأمثالها، وبهذا النمط من “الشيوخ”، نَدْخُل القرن الحادي والعشرين، أو الألفية الثالثة، ونلحق بركب الحضارة، ونواجه كل التحدِّيات والمخاطر التي تحاصرنا مِن كل حدب وصوب!
لا تستغربوا الأمر، فنحن أبناء مجتمع دمَّروا جهاز المناعة في رأسه وقلبه حتي أنَّ هيفاء وهبي تُعَدُّ “القوَّة المؤثِّرة الأكثر من سواها” في العالم العربي. ومِنْ مِثْلِ هذا “الفن في مسخ الفن” تجيء فتوي “العالِم الأزهري”! لقد ضاقت برجالنا “دنيا النساء” علي رحبها، وضاق بهم “النكاح الشرعي” علي رحبه، فاشتهي بعض رجالنا “بناتهم غير الشرعيات”، ولكنَّهم أرادوا لشهوتهم أنْ تكون “حلالاً خالصاً”، فسألوا عن “شرعية الزواج” منهن، فجاءهم، سريعاً، “جواب الشرع” في تلك “الفتوي” البائسة. أمَّا “سؤال الجهاد”، وأمثاله، فأجابه بعضهم بما يُرضي إسرائيل والولايات المتحدة، بينما فضَّل بعضهم التريُّث والانتظار، فالعجلة من الشيطان ولو كانت في قضايانا القومية!
فلتنظروا، الآن، كيف نشأت واشتدت الحاجة إلي تلك الفتوي. هذا الرجل (المسلم) زني، أي أتي المرأة من غير عقد شرعي، فأنجبت له المرأة التي زني بها بنتاً، فهل يجوز له شرعاً أنْ يتزوج ابنته هذه “غير الشرعية”؟!
هُمْ لم يختلفوا في أمر أنَّ هذه البنت، “غير الشرعية”، مِنْ صلبه، ولكنَّهم اختلفوا، بما يتَّفق كل الاتِّفاق مع المنطق الذي بحسبه يتَّفق العرب ويختلفوا. لقد اختلفوا في أمر “شرعية أنْ يتزوج الرجل ابنته غير الشرعية”، فاتَّفقوا، سريعاً، علي جواز هذا الزواج شرعاً!
الزِّني رذيلة، ليس في حُكم الدين فحسب، وإنَّما في حُكم القيم والأخلاق الإنسانية. وأحسب أنَّ “الفضيلة” تقضي بأنْ يُعامِل الرجل ابنته “غير الشرعية”، وهي الضحية الكبري لفعلته، كما يُعامِل ابنته الشرعية، فرذيلة الزِّني لا يفوقها رذالة إلا رذيلة أنْ يتزوج الرجل ابنته “غير الشرعية”، أو أنْ يتزوج الابن الشرعي شقيقته “غير الشرعية”. هذا الرجل الزاني ينبغي له أنْ يُكفِّر عن ذنبه، فهل يُكفِّر عنه بأنْ يُسْمَح له (شرعاً) بأنْ يتزوج ابنته “غير الشرعية”؟!
إنَّ التكفير عن الذنب لا يكون إلا في الضحية ذاتها، فليُحْسِن معاملة ابنته “غير الشرعية”، وليعاملها كما يُعامِل ابنته “الشرعية” في كل شيء.
وهذه “الابنة غير الشرعية” إنَّما يظلمها المجتـــــــمع أعظم ظُلْمٍ إذا هو رفض نسبها إلي “أبيها الطبيعي”، فما الذنب الذي ارتكبتْ حتي يتضافر والدها “غير الشرعي” والمجتمع علي معاقبتها هذا العقاب؟!
هذا “المفتي” وأمثاله، وبعدما أفتوا بـ “عدم جواز” أنْ تُنْسَب “الابنة غير الشرعية” إلي أبيها ولو تزوَّج (بعد الزِّني) أُمَّها، أفتوا بـ “جواز” أنْ تُنْسَب إلي أُمِّها، ثمَّ أوصوا بوضع “الطفلة غير الشرعية” في “دار للأيتام”! لن نستغرب “فتوي” هذا المفتي وأمثاله، فقد عرفنا كثيراً من “الشيوخ” الذين قضوا حياتهم، واستنفدوا وقتهم وجهدهم، في تحليل كثيرٍ مِن الحرام، وفي تحريم كثيرٍ مِن الحلال، حتي قضايانا القومية أجازوا الزِّني السياسي بها!
عند النظر إلي كثير من المشكلات التي تواجه مجتمعاتنا العربية، والتي لا بدَّ من حلِّها، أو الشروع في حلِّها، بما يؤدِّي إلي تضييق الفجوة الحضارية الواسعة بيننا وبين الغرب، نري ونكتشف أنَّ تقصير رجال الدين ومؤسساتهم عن المساهمة الفكرية الإيجابية في تطوير وجهات نظر الناس ومواقفهم قد عاد بضرر كبير علينا، وشدَّد لدي الأفراد والجماعات الميل إلي مزيد من السلبية حتي في تلك القضايا التي لديها من التأثير القوي في حياتهم ما يجعلها، أو ما ينبغي له أنْ يجعلها، تتحدَّاهم، في استمرار، علي الانتقال من “السلبية” إلي “الديناميَّة”. وأحسب أنَّ الحرص علي التطور الديمقراطي لمجتمعاتنا العربية، والحاجة المتزايدة إلي هذا التطور، يمنعاننا من حل مشكلة هذا “الاغتراب الديني” الضار كما حلَّها “حُرَّاس النظام العلماني” في تركيا، فإعلان “الدولة” عندنا انفصالها عن “الدين”، بحسب طريقة الانفصال التركية، لن يؤدِّي إلا إلي توطيد “الاغتراب السياسي” بين الحاكم والمحكوم، مهما شُحِن هذا الانفصال بالإصلاحات السياسية والديمقراطية، فالدين بالنسبة إلي مجتمعاتنا العربية هو “العين” التي من خلالها ينظرون إلي كل الأمور، وهو “الميزان” الذي يزنون به الأشياء ومواقفهم منها، ويميِّزون “الحلال” فيها من “الحرام”. هذا الذي قلناه إنَّما حملنا علي قوله أنَّ مجتمعنا يميل إلي التدين في كل أوجه حياته حتي في “السياسي” منها، ويحرص، بالتالي، علي معرفة “حُكم الشرع” في كل قضية. علي أنَّ ذلك ظل مقترناً باغتراب رجال الدين ومؤسساتهم، في “الفتاوي”، عن القضايا والمسائل التي يتركَّز فيها اهتمام الناس، فالغالبية العظمي من الفتاوي كانت في شأن أمور لا أهمية تُذكَر لها، ويمكن إدراجها في “الحلال والحرام” من السلوك الفردي، وكأنَّ “الخلاص الفردي” هو الغاية التي ننشد. وأحسب أنَّ من أهم المشكلات الفكرية ـ السياسية التي ينبغي لنا حلها، في الوقت الحاضر، هو التناقض الآتي: لمجتمعاتنا وشعوبنا العربية مصلحة كبري حقيقية في الإصلاح الديمقراطي في كل أوجهه وصوره، ولكنَّها، في الوقت نفسه، تخضع لتأثير فكري مضاد لهذه المصلحة التي لا ريب فيها، فالفكرة السائدة، حتي الآن، هي أنَّ “الديمقراطية”، في “نموذجها الغربي”، مع أنَّ “عالميتها” تكمن فيه، تُخالِف الإسلام، نصَّاً وروحاً، فإذا كان لا بدَّ من “الإصلاح السياسي” فليكن “المستبِدُّ العادل” من الحكام هو “الهدف النهائي”! لقد أنفقوا كثيراً من الوقت والجهد في إنتاج “فتاوي” لا أهمية لها، ولا تتخطي، في مواضيعها وأحكامها، “الخلاص الفردي”، في وقت تشتد حاجة الأُمَّة إلي “الخلاص الجماعي”، فالأسئلة التي توفَّروا علي إجابتها كانت من قبيل: “هل يدخل المسلم الحمَّام برجله اليمني أم اليسري؟”، و”هل تجوز الأضاحي من الدجاج؟”. إنَّ خير خدمة يمكن أنْ يسدوها، الآن، إلي الدين ومجتمعاتهم هي أنْ يتوفَّروا علي إصدار فتوي في شأن “الإصلاح الديمقراطي الشامل”، يقيمون فيها “الدليل الشرعي (“غير النصِّي”)” علي أنَّ الإسلام “يُحلِّل”، و”لا يُحرِّم”، الحقوق والحرِّيات الديمقراطية، الفردية والجماعية، وحقوق الإنسان، والحقوق والحرِّيات المدنية، ووجود “الآخر”، جسداً وفكراً، وقيام “الحكومة التمثيلية” و”المعارَضة” في كل أوجهها. وفي هذه الفتوي التي نحتاج إليها في المقام الأوَّل، يمكنهم، علي الأقل، دعوة “الحُكَّام” إلي أنْ يعامِلوا “معارضيهم” كما عامل الله إبليس، فهذا الشيطان الرجيم، الذي عصي أمر خالِقه، الذي حاوَرَهُ، لم يلقَ من الله العقاب الذي تلقاه “المعارَضة” من “حكوماتنا”، فلم يُسجَن، ولم يُعْدم، وإنَّما تُرِكَ يعيث في الأرض فساداً، فيختبر الله في فساده وشرِّه إيمان المؤمن.
ہ كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8