حربُ الأدمِغةِ

حجم الخط
0

حربُ الأدمغةِ نعني بها.. الحربُ الألكترونية والجاسوسية، وهذين الوصفين يتمخض عنهما (الحربُ الباردة)، فهيَ أخطرُ من الحربِ التقليدية التي ُتعَرَّف بالجندي والدبّابة، وأكثرُها فتكا إذا ما اختلطتا بها الحربان: النفسية والأعلامية. وقد شهَد العالمُ مرحلة ًعمرها سبعة عقود من الصراع المرير – الحرب الباردة – ما بين الأتحاد السوفيتي الذي يمثل القطب الشيوعي، وبريطانيا ثم أمريكا اللتين تمثلان القطب الرأسمالي الغربي. إستمر هذا اللونُ من الصراع حتى سقط المعسكر الشيوعي على الحلبةِ بضربةٍ قاضيةٍ من خصمهِ الغربي. (من الجدير ذكره أن هذه الضربة أسقطت كذلك المفهوم الشيوعي لحركة التاريخ ونظرية العامل الواحد. فالخسارة التي لحِقت به كانت خسارتين، مرة إسقاط نظام دولة، وأخرى هزيمة ُ فكر، وما بين هذين الخسارتين عادت روسيا الى حاضنتها كالعجوز العرجاء ). كان هذا بفعل حرب الأدمغة وليس بفعل الحرب التقليدية التي خاضها الأتحاد السوفيتي ضد هتلر – الحربُ العالمية الثانية – الذي دخلت قواتهُ ضواحي موسكو العاصمة وتصَدَّعت أحوالُ البلاد بجميع ِ جوانبها، لكنها لم تسقط الى الحضيض كما سقطت في الحرب آنفة الذكر.

ما تشهدهُ دولُ العالم الثالث جميعُها وكذلك روسيا والصين من علاقات صراع دافىء مع أمريكا والغرب تتحرَّك في منهاج حرب الأدمغة. كذلك صراع أمريكا ضد فنزويلا وكوبا وبوليفيا وفيتنام وكوريا الشمالية ولبنان وسورية وحزب الله، وغيرها كل هذه صراعات قائمة على قواعد هذه الحرب المُعقدة. ‘المخابرات الكندية تمارس ضد ضحاياها لونا آخر من حرب الأدمغة كما يسمونه المتخصصون – الحرب الناعمة – الذي يُعد أخطر حروب الأدمغة وأكثرها غموضا. تعمل هذه المخابرات على تصفية الضحايا بأغرب الوسائل وأعقدها، أو تفقيرهم وتعطيل حياتهم وفق برامج معقدة لا تخضع الى نمطٍ ثابتٍ يمكن كشفه. هذا الجهاز يمارس هذا اللون من الحرب بروح صهيونية يصعب على الضحايا كشفها والتقرب الى فهمها وحتى التشكيك بها، فكيف بعامة الناس’! كذلك ما شهدَهُ العراقُ من عملياتٍ ارهابيةٍ ما بعد سقوطِ نظام صدام حسين البائد حتى يومِنا هذا تعَدُّ حربا غيرَ تقليدية، فهي لونٌ آخرَ من حروبِ الأدمغة آنفةِ الذكر، وإن اختلطت فيها بعضُ وسائل ِالحرب التقليديةِ لأن الأرهابَ يدخلُ في سياق الحربِ الألكترونيةِ والمباغتةِ والهروب، بينما الحربُ التقليديةِ تعتمدُ على التموضع وتكرارُ الهجوم والأنسحاب. فالعسكرة ُ ضدَّ الأرهاب في العراق بحربٍ تقليديةٍ يرجعُ الى الضَعف في الكفاءةِ التقنيةِ والمهنيةِ والممارسةِ لدى المؤسساتِ الأمنيةِ العراقيةِ لخوض ِغمارَ حربِ الأدمِغة. إذن: الخوض في غمار هكذا حرب تعتمدُ أولا على توظيفِ الفكر ولياقتهِ في توظيف كلِّ حركةٍ ووسيلةٍ، كذلك الأستعدادُ المَعرفي والمِهني في بلوغ المعلومةِ وكيفيةِ التعامل معها إيذانا منها الى مباغتةِ الهدف. أما عملُ المتاريس، وتحزيم مئاتِ الألوف من الجيش والشرطة، وغلق الطرقات فأنهُ فعلٌ عشوائي لا يَرقى الى مَحاذيرِ عناصرِ الأرهاب، وقد يكونُ مشجعا لها للأستمرار بارتكابِ الجريمةِ تلوَ الأخرى، خصوصا وإن مثل هذه المجاميع تتلقى خبراتٍ من ضباط مخابرات صدام، أو من الدول التي تدعمُها، فهي متقدمة في هذا المِضمار. لقد خسرَ العراقُ الكثيرَ إما بالارواح أو الممتلكاتِ في حربهِ ضد الأرهاب، والأسبابُ عديدةٌ نطرح بعضا منها على عجالة: – صراع الأطراف السياسية في ما بينها، المحسوبة على الدولة والحكومة.- ضَعف في الأدارة ومعالجة الأزمات. – الفشلُ المُزمن في مكوناتِ البرلمان. – عدم تكافىء قدرة وعمل الأجهزة الأمنية مقارنة بمؤسسة الأدمغة الأمريكية التي هي مصنع الأرهاب وتتولى رعايته.. هناك عشرات الأسباب التي أدَّت الى تعطيل حركةِ التقدم في العراق واستفحال الأرهاب. في السنة الأولى ما بعد سقوط نظام صدام وحتى عام 2009 كانت أجهزة الأمن العراقية تحبو في عملها وقد تحسنت بعد تقديم المزيد من الخسائر التي لا تعوَّض، لكنه لا يَرقى الى المطلوب أبدا، فيكون المقصّر هو الحكومة المُهمَّشة من حيث المبدأ وليس المخلصين في هذه المؤسسة الأمنية التي تصارع الأرهاب من جهةٍ وتقصير أداء الحكومة وفوضى البرلمان من جهة أخرى.. لقد خاضَت أمريكا حربَ الأدمغة في العراق وإن تظاهرت بالجندي والدبابة، فصنعت الأرهاب وكافحته، وصنعت ‘أبو مصعب الزرقاوي’ وقتلته، وصنعت مجتمعا عراقيا منقسما الى أجزاء سياسية وفكرية وعقائدية، ولما خرجت منه كانتا يدَيها نظيفتين دون أن تكترث بصراخ من يتحاملَ عليها ويتهمَها، إنه حربُ الأدمغة. قاسم محمد الكفائي[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية