حرب أوكرانيا تشعل أسعار الغذاء مرة أخرى

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

يتأهب العالم لمواجهة موجة جديدة من ارتفاع أسعار الحبوب والسلع الغذائية، بعد قرار روسيا ربط تجديد مبادرة تصدير الحبوب عبر البحر الأسود، بتنفيذ الشق الثاني من الاتفاق الذي تم توقيعه قبل عام، المتعلق بالسماح بتصدير الأمونيا والأسمدة الروسية ضمن المبادرة. وكانت المبادرة التي تمت بوساطة بين كل من تركيا والأمم المتحدة والدولتين المتحاربتين تنص على إطلاق تصدير الحبوب والسلع الزراعية الغذائية والأسمدة، وليس الحبوب فقط. وطبقا للجدول التنفيذي للاتفاق، فإن فترة سريانه انتهت في 18 من الشهر الحالي، على خلفية النزاع بشأن صادرات الأمونيا والأسمدة الروسية، التي تمر عبر أوكرانيا. ومنذ قامت روسيا بإبلاغ الأمم المتحدة وتركيا بالقرار في 13 من الشهر الحالي، ارتفعت أسعار القمح والحبوب في بورصة شيكاغو والبورصات العالمية للسلع حتى يوم 20 من الشهر بما يتراوح بين 11 إلى 15 في المئة في المتوسط.

روسيا تعاني من صعوبات

على الرغم من أن روسيا استطاعت حتى الآن أن تتكيف مع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وأن تبتكر سلة من الأدوات التي تساعدها على تخفيف آثارها، فإنها بدأت تعاني فعلا من عضة العقوبات المستمرة والمؤلمة، وهو ما أدى إلى تخفيض إنتاج النفط والغاز بسبب نقص المشترين، وتوتر العلاقات مع الهند، بسبب تراكم مدفوعات ضخمة بالروبية الهندية لدى البنك المركزي الروسي، لا يجد تصريفا لها، وهو ما أدى إلى تخفيض قيمة الخصم الذي كانت تتمتع بها الهند في أسعار النفط الروسي المستورد. ومن ثم فإن واردات الهند من النفط الروسي بدأت تنخفض.
ونظرا لوفرة محصول القمح الروسي في الموسم الأخير 22/23 وتوقعات أن يكون الموسم الجديد 23/24 وفيرا أيضا، فإن المزارعين الروس يحاولون التخلص من المخزون الفائض بأسعار أقل من الحد الأدنى الذي أعلنته الحكومة. وهو ما كشفت عنه مناقصة أخيرة لصالح وزارة التموين المصرية، حيث أثار السعر المطلوب ضجة في أوساط تجارة القمح، بسبب انخفاضه عن الحد الأدنى المحدد. وهناك تكهنات في الوقت الحالي بأن الحكومة الروسية قد تلجأ إلى زيادة ضريبة الصادرات التي يتم تحصيلها على القمح، كوسيلة للحد من لجوء المزارعين إلى تخفيض الأسعار. كما هددت الحكومة مزارعيها بأنها قد تلجأ أيضا إلى عدم إصدار شهادة الصلاحية الفنية الضرورية للتصدير، في حال مخالفة الحد الأدنى للأسعار. وقد انخفضت الأسعار فعلا في الشهر الماضي إلى حوالي 230 دولارا للطن، على الرغم من أن الحكومة كانت قد خفضت الحد الأدنى إلى 240 من 275 دولارا للطن.

ماذا يعني وقف الاتفاق؟

تتمثل الخطورة الرئيسية في قرار روسيا وقف العمل بمبادرة البحر الأسود لتصدير الحبوب، في سحب الضمانات الأمنية الروسية لسلامة الملاحة التجارية في البحر الأسود، وعدم الالتزام بوقف الهجمات على موانئ ومرافق التصدير على الساحل الأوكراني، وأهمها ميناء «أوديسا». ويؤدي سحب الضمانات الأمنية تلقائيا إلى حدوث ارتفاع صاروخي في تكلفة التأمين على شحنات القمح المحمولة عبر البحر الأسود، على التوازي مع ارتفاع تكلفة التأمين على السفن الناقلة وطواقمها. كما يؤثر القرار سلبا على سلامة مرافق النقل والتخزين في الموانئ. هذه النتائج المترتبة على سحب الضمانات الأمنية تسبب ارتفاعا هائلا في أسعار تصدير القمح والحبوب عموما والمواد الزراعية الغذائية مثل فول الصويا وزيوت الفول وعباد الشمس. وكانت الأسابيع الأولى من الحرب في مارس عام 2022 قد أدت إلى ارتفاع الأسعار بنسبة تجاوزت 50 في المئة.
ومع إعلان وقف العمل بالمبادرة، فإن شركات التأمين تقوم حاليا بمراجعة ما إذا كانت ستوقف تغطيتها التأمينية للسفن التي ترغب في الإبحار إلى أوكرانيا. وقال نيل روبرتس، رئيس قسم البحرية والطيران في رابطة سوق «لويدز» التي تمثل مصالح جميع شركات التأمين في سوق «لويدز أوف لندن»: «لا يزال الغطاء السنوي ساريا، ولكن ستخضع الرحلات المتجهة للمناطق المدرجة على القوائم للتقييم كل حالة بمفردها». كما يجب تجديد أقساط التأمين الإضافية ضد مخاطر الحروب، التي تسدد عند دخول منطقة البحر الأسود كل سبعة أيام. وتبلغ قيمة هذه الأقساط آلاف الدولارات ومن المتوقع أن ترتفع كثيرا، في حين أن مالكي السفن قد يرفضون السماح لسفنهم بدخول منطقة الحرب بدون موافقة روسيا.

المطالب الروسية

تشمل المطالب الروسية ضرورة إعادة ربط البنك الزراعي الروسي بنظام «سويفت» لتسوية المعاملات المالية، الذي قرر الاتحاد الأوروبي حظر استخدامه في أي تسويات مالية مع البنوك الروسية منذ حزيران/يونيو من العام الماضي. وعلى الرغم من استثناء السلع الغذائية والأسمدة الروسية من حظر التصدير، إلا أن استمرار العقوبات المالية، يؤدي عمليا إلى إعاقة الخدمات المالية المرتبطة بالتصدير، مثل فتح خطابات الائتمان، والتأمين على الصادرات، وتأجير السفن والتأمين عليها، وتسوية المدفوعات. ويعمل الأمين العام للأمم المتحدة مع كل من الاتحاد الأوروبي والإدارة الأمريكية على إيجاد حل عملي للمشاكل المتعلقة بالخدمات المالية، منها تخصيص نافذة تتعامل حصريا مع البنك الزراعي الروسي سواء من خلال نظام «سويفت» أو غيره، لإنقاذ الاتفاق وإعادة العمل به.
وقد حققت روسيا في الموسم الزراعي 22/23 صادرات قياسية من القمح بلغت 45.5 مليون طن، على خلفية واحد من أكبر المحاصيل الوفيرة. ومن المتوقع أن ترتفع كمية الصادرات في الموسم الجديد 23/24 إلى 47.5 مليون طن، طبقا لبيانات وزارة الزراعة الأمريكية، التي تراقب حركة إنتاج وتجارة المحاصيل الزراعية حول العالم. ومن ثم فإن إعاقة صادرات القمح الروسية يمكن أن يترك آثارا مؤلمة على العالم، خصوصا على الدول الفقيرة. لكنها قد تفشل في تحقيق ذلك إذا استمر حرمان الصادرات من الخدمات المالية واللوجستية الضرورية.
وقد استفاد العالم كثيرا منذ توقيع الاتفاق وبدء تنفيذ المبادرة في تموز/يوليو الماضي. وتقدر الأمم المتحدة أن المبادرة سمحت بتصدير حوالي 32 مليون طن من الحبوب والمواد الغذائية عبر البحر الأسود إلى 45 دولة في كل أنحاء العالم. ولهذا فإن الأمين العام للأمم المتحدة يعتبر أن الاتفاق يلعب دورا أساسيا لا يمكن الاستغناء عنه في تحقيق الأمن الغذائي العالمي، خصوصا للدول الفقيرة. ومن ثم فإن الأمم المتحدة ترى ضرورة استمراره، لتخفيف حدة أزمة الغذاء لما يقرب من 258 مليون إنسان يعانون من الجوع في 58 دولة حول العالم. وطبقا لتقارير برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة ومنظمة الأغذية والزراعة العالمية فإن مبادرة الحبوب أسهمت في تخفيض أسعار السلع الغذائية عموما على المستوى العالمي بنسبة تتجاوز 20 في المئة. واستفادت من انخفاض الأسعار وانتظام وصول الإمدادات دول شديدة الفقر تعاني من نزاعات سياسية مثل اليمن والصومال وافغانستان. وكذلك الدول التي تعاني من الجفاف في القرن الأفريقي مثل إثيوبيا وإريتريا وكينيا.
ومن الصعب جدا ضمان تحقيق الحد الأدنى من الأمن الغذائي في العالم بدون الإمدادات الروسية والأوكرانية. وكان الاتفاق قد ساعد العالم كله، خصوصا الدول الفقيرة في أفريقيا وجنوب آسيا على توفير إمدادات غذائية أساسية كافية للحد من الجوع، كما ساعد على تخفيض الأسعار وكبح جماح التضخم، بعد القفزة الكبيرة التي حدثت مع وقوع الحرب، وتحقيق درجة عالية من الاستقرار في النطاق السعري للحبوب، مع استقرار الإمدادات والقضاء على النقص في العرض. وتعتبر دول الشرق الأوسط وأفريقيا هي أكبر ضحايا عدم تجديد الاتفاق حسب تقديرات الخبراء، لأنها الأكثر اعتمادا في العالم على الغلال المستوردة عبر البحر الأسود من كل من روسيا وأوكرانيا.

التداعيات على الأمن الغذائي العربي

يعتبر تحقيق الأمن الغذائي من أهم متطلبات التنمية وتحقيق الاستقرار في العالم العربي ككل، لا يختلف ذلك في الدول النفطية الغنية مثل الإمارات عن الدول غير النفطية الفقيرة مثل اليمن. وتصل نسبة الاعتماد على الخارج لتوفير الاحتياجات الغذائية في العالم العربي ككل إلى حوالي 90 في المئة، طبقا لتقرير مؤسسة الأبحاث والاستشارة «ألبين كابيتال» عام 2021. وتعتمد الدول العربية عموما على استيراد الحبوب وزيوت الطعام من روسيا وأوكرانيا. كل هذه الدول ستتأثر من ارتفاع الأسعار، وبينما سيتمكن بعضها مثل السعودية والكويت والإمارات على الاستمرار في الاستيراد بدون متاعب، فإن دولا أخرى ستواجه صعوبات بسبب تداعيات ارتفاع الأسعار، وعدم انتظام مواعيد التسليم، بما قد يسبب اللجوء إلى مصادر أخرى، مثل رومانيا أو بلغاريا، كليا أو جزئيا. ونظرا لأن مصر تعاني مصر تعاني من شحة الأرصدة الدولارية، فإنها ستظل مرتبطة إلى حد كبير بالإمدادات الروسية. كذلك فإن الجزائر، خامس أكبر مستورد للقمح في العالم، تحصل على نسبة يمكن أن تصل إلى 40 في المئة من احتياجاتها من روسيا. لكن دولا أخرى تعتمد أكثر على القمح الفرنسي مثل لبنان وتونس، ستواجه صعوبات في تمويل الواردات مع ارتفاع الأسعار. أما اليمن والسودان والصومال فإنها قد تعاني فعلا من الجوع، أولا لارتفاع الأسعار، وثانيا للانخفاض المتوقع في تدفقات المعونة الدولية بسبب نقص المخصصات.
وفي الوقت الحاضر تجري مشاورات مكثفة بين الأمم المتحدة وكل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من أجل إيجاد وسيلة لحل مشكلة التسويات المالية لصادرات الحبوب والمواد الغذائية والأسمدة الروسية، إما عن طريق إعادة ربط البنك الزراعي الروسي بنظام «سويفت» فيما يتعلق بتسويات صفقات تصدير الحبوب والمواد الغذائية والأسمدة، أو عن طريق قيام واحد من البنوك الأمريكية (يجري التشاور مع بنك جى بي مورغان) للقيام بعمليات التسوية المالية، مع ضمانات صريحة من الولايات المتحدة بعدم الخضوع للعقوبات الثانوية. كما تعمل الأمم المتحدة أيضا على إقناع أوكرانيا بفتح خط تصدير الأمونيا الروسي، بما يحقق الشق الثاني من الاتفاق، ويسمح بتخفيض تكلفة الإنتاج الزراعي في العالم أجمع.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية