حرب إسرائيلية على ذوي الاحتياجات الخاصة في قطاع غزة… “جائحة من الإعاقات” وكلف مالية مضاعفة

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

غزة-“القدس العربي”: تخبرنا الأم لطفلين، آلاء الأستاذ، التي كانت تسكن في شمال قطاع غزة، ماذا يعني أن تكون فاقدا للقدرة على السمع أثناء عيشك في ظل حرب الإبادة على القطاع.
وهي كحال غيرها من ذوي الاحتياجات الخاصة في القطاع تعاني الأمرين، مرة لكونها امرأة تعيش في ظل حرب الإبادة، ومرة لكونها تعاني من إعاقة سمعية خُلقية.
لقد كان واقع الأم الأستاذ وأثر إعاقتها السمعية بائنا منذ بدايات الحرب، حيث تصف قائلة: “كانت الحرب في بداياتها، كنا قد انتقلنا من منزلنا إلى منزل أقارب لنا، وفي إحدى المرات أردت الخروج من الباب كي أطلب من أحد الأطفال شراء غرض لي من الدكان، لكني رأيت الطفل يضع يديه على أذنيه، استغربت وما هي إلا لحظات حتى سقط الصارخ قريبا مني.. سقط الباب علي، وكذلك الزجاج، أصبت برجلي وكذلك طفلي الصغير”.
بالنسبة للأم الصماء آلاء فإنها تعاني الأمرين في توفير المقوم الرئيسي الذي يخفف عنها إعاقتها، والمقصود هنا بطاريات خاصة بالسماعة الخاصة بإذنيها، تقول: “بدموع عيناي لما ألاقي البطاريات، بعد بحث طويل هنا وهناك”.
وتتابع في وصف حالتها وتجربتها: “بفعل أصوات القصف الشديد بطلت أسمع منيح حتى بوجود السماعات، يكون القصف قادما من جهة الشمال وأنا أقول إنه من جهة اليمين وهكذا”.
وتختم قائلة: “أنا عندي إعاقة سمعية وأعاني ما أعاني، ماذا عن المعاقين الآخرين؟ ماذا عن الشخص الذي لا يمتلك قدمين مثلا؟ الأمر صعب وفوق التحمل”.
في تجربة المرأة الغزية هبة أبو رزق معاناة مضاعفة أيضا فهي تنتمي إلى أسرة من ذوي الاحتياجات الخاصة، إلى جانب أمها المقعدة وبقية أفراد عائلتها.
تتحرك أبو رزق بين الخيام غير بعيدة عن البحر، وتستعين بحركتها الثقيلة بعكازتين، وتبوح قائلة: “لو صار إخلاء للمنطقة، مش حقدر أتصرف، أكيد رح أعاني نفس المعاناة التي عانيتها في مرات النزوح الأربع الماضية”.
وتتابع حديثها: “الحياة صعبة، والحمد لله، بدي نفس الحياة التي كانت أعيش في ظلها قبل 7 أكتوبر، بدي كرسي متحرك لي، وآخر لأمي المقعدة”.
وتشدد على أنها اضطرت إلى نقل أمها المقعدة في “شنطة” السيارة، فيما انفصلت العائلة أكثر من مرة بفعل نقل أفرادها على مراحل في ظل صعوبات الهرب.
واضطرت أبو رزق إلى تحمل المسؤولية عن كل أفراد أسرتها، فجميع العائلة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتشدد أنها تعيش في خيمة بلا أي مقومات، “فالمكان غير مناسب ولا مقومات للحياة فيه”.
أما سماهر الناجي، وهي زوجة شهيد وأم لطفلين وتعاني من العمى، فتبدو معاناتها امتدادا للتجارب السابقة مع خصوصية فقدانها البصر.
تقول الناجي التي كانت تقيم في إحدى المدارس التي أصبحت ملجأ للاجئين: “أخوتي أيضا يعانون من إعاقة عدم البصر، طلبت من الجهات المعنية جمعي بهم، كي تصبح حياتي أسهل، لكنهم لم يستجيبوا لذلك الطلب البسيط”.
وتكمل أثناء مرورها بين خيم بنيت على عجل فيما يمسك طفلاها بيديها كي يعرفانها على الطريق الرملي الجديد: “بفعل الرياح الشديدة بفقد أواعي أطفالي، التنقل بين الخيم لا يجعلني أحفظ أماكن الأشياء كما أنها تتغير في كل مرة، شغلاتي الخاصة لا تبقى مكانها، لو كنت أعيش في خيمة لوحدي لكان الأمر أصبح أكثر سهولة”.
وتختم: “حياتنا كلها رمل، ننام على رمل، ونأكل طعاما بسيطا لا يكفي وبداخله رمل، وكل شيء رمل في رمل… فيما أطفالي يشعلون لي النار كي أتمكن من الخبيز وتوفير قوت يومنا”.
وإن كانت الأم الناجي ما زالت تعاني ويلات اللجوء والتهجير في ظل إعاقتها الخاصة فإن حالة ي. م. أكثر مأساوية.
المواطن الغزي (ي) هو محامٍ يعمل لدى إحدى المنظمات غير الحكومية، كان يعاني من عاهة بصرية منعته من الفرار من منزله الذي يقع في منطقة تتعرض للاعتداءات والقصف. فقُتل في منزله في 7 كانون الأول/ديسمبر 2023، تاركًا وراءه أربعة أطفال تتراوح أعمارهم بين 2 و3 و8 و10 سنوات.
فيما تعكس قصة الفتاة (م.) والتي تبلغ من العمر 14 عامًا وهي مصابة بشلل دماغي، جانبا مغايرا من المعاناة. والفتاة لاجئة من شرق رفح، فقدت خلال الهجمات العسكرية أجهزة المساعدة الخاصة بها، بما في ذلك كرسيها المتحرك، فاضطر أهلها إلى حملها أثناء فرارهم من شمال غزة إلى جنوبها.
وفي شهادة للفتاة لدى مؤسسة أممية قالت إنها في إحدى المرات بكت وهي منهكة ومعرضة للخطر، حيث صرخت يائسة: “خلص يا ماما. اتركوني هنا واهربوا أنتم.”
ويواجه الأشخاص ذوو الاحتياجات الخاصة على اختلاف فئاتهم: حركية، سمعية، بصرية، ذهنية – صعوبات هائلة في عمليات النزوح القسري المتكررة؛ لصعوبة حركتهم وحاجتهم لمساعدة الآخرين، في وقت يحاول الجميع أن ينجو بنفسه، وقد سجلت عشرات الحالات لمفقودين أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة الذهنية أو مرضى التوحد.
كما يجد الآلاف من هؤلاء صعوبة بالعثور على مأوى ملائم، والحصول على المياه والغذاء والدواء والأجهزة المساعدة مثل الكراسي المتحركة والمشايات وأجهزة السمع والفرشات الطبية الهوائية للمقعدين حركياً التي يحتاجون إليها بشدة. كما أدى انقطاع الكهرباء إلى صعوبات كبيرة في إجلاء الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة من المباني المرتفعة.

نزر يسير

ولا تعكس الشهادات السابقة إلا جانبا يسيرا جدا من معاناة آلاف الفلسطينيين الذين يحملون تصنيف ذوي الاحتياجات الخاصة قبل حرب الإبادة على القطاع، إلى جانب تصنيف ذوي الاحتياجات الخاصة الذي يعتبر أكثر شمولية، فالحرب التي ما زالت قائمة بوحشية مفرطة حتى اللحظة دفعت بالآلاف ليكونوا جزءا من هذه الفئة الأقل حظا والأكثر تأثرا بتعبات الحرب.
وحسب آخر إحصائية خرجت من وزارة الصحة، فإن هناك نحو 4 آلاف حالة بتر وألفي إصابة بالعمود الفقري والدماغ وآلاف الإعاقات البصرية والسمعية جراء استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023.
وكان مدير مجمع الشفاء الطبي الحكومي محمد أبو سلمية قد صرح في مؤتمر صحافي عقد خلال وقفة تضامنية مع ذوي الاحتياجات الخاصة بمناسبة يومهم العالمي والذي وافق 3 كانون الأول/ديسمبر الماضي حيث قال: “بلغ عدد الجرحى من الذين بترت أطرافهم السفلية والعلوية أكثر من 4 آلاف جلهم من الأطفال”.
واستكمل: “ترافق ذلك في ظل تدمير كامل المنظومة الصحية في قطاع غزة، حيث لا توجد أيّة رعاية صحية أو طبية فالاحتلال دمر كل شيء سواء مستشفى حمد الوحيدة للتأهيل أو مركز غزة للأطراف الاصطناعية”.
وأكد أن إسرائيل تمنع “دخول أي مستلزمات لهذه الشريحة من ذوي الاحتياجات الخاصة كما تمنعهم من الخروج للعلاج بالخارج”، وطالب بضرورة الوقف الفوري لحرب الإبادة الجماعية وفتح المعابر جميعها وإدخال المستلزمات الطبية والأدوية ومستلزمات ذوي الاحتياجات الخاصة من كراس متحركة وعكاكيز”.
وحسب أرقام غير نهائية فقد خلفت الحرب في قطاع غزة قرابة مئة ألف جريح من بينهم آلاف أصيبوا بحالات بتر لأطرافهم ومنهم أطفال في ظل شبه انعدام تام للأطراف الاصطناعية أو أدوات ووسائل رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة.
وذكرت الأمم المتحدة مؤخراً أن أكثر من 22 ألفا يعانون من إصابات غيرت حياتهم، منها إصابات في الأطراف تتراوح بين 13 ألفا و17 ألفا.

جائحة إعاقات

وكان المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني، وصف حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، بإنها تسببت في “وباء إصابات فظيعة” بين الفلسطينيين مع غياب خدمات إعادة التأهيل.
وأضاف لازاريني في تصريح صحافي أن جائحة إعاقات تجتاح قطاع غزة بعد الحرب.
وأشار إلى أن غزة تشهد أعلى عدد من الأطفال مبتوري الأطراف للفرد الواحد في العالم، حيث يفقد العديد منهم أطرافهم ويخضعون لعمليات جراحية من دون تخدير.
وأوضح أنه قبل الحرب، كان لدى واحدة من كل خمس أسر شملها الاستطلاع شخص واحد على الأقل من ذوي الاحتياجات الخاصة، ووفق منظمة الصحة العالمية فإن 1 من كل 4 أشخاص أصيبوا في حرب غزة يحتاج إلى خدمات إعادة تأهيل بما فيها الرعاية بعد بتر الأطراف، وإصابات الحبل الشوكي.
وجاء في تقرير سابق صادر عن لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة أنّ الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة في غزة يعيشون في حالة من الكرب الشديد، ويتوقّعون أن يكونوا أول أو لربما ثاني من يُقتل بسبب محدودية فرص الفرار أو المشاركة في عمليات الإخلاء نتيجة عاهاتهم.

تحديد 58,000 شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة في قاعدة البيانات الرسمية للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني

وشددت اللجنة على أن غياب الإنذار المسبق بصيغ ميسّرة، إلى جانب تدمير شبكات الاتصالات، جعل عملية الإخلاء مستحيلة بالنسبة إلى الفلسطينيين من ذوي الاحتياجات الخاصة.
وأكّدت اللجنة أنّ “الدمار الهائل الذي لحق بالمساكن والبنية التحتية المدنية وما نتج عنه من أنقاض قد قلّص من إمكانية التنقل الضرورية للفرار والإخلاء وطلب الحماية.”
وحذرت اللجنة من أن الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة معرضون لخطر الفصل عن الأسرة أكثر من غيرهم، وأن معاناتهم لا تحتمل.
وأعربت اللجنة عن استيائها من أن الأطفال في المخيمات والخيام المكتظة باللاجئين فقدوا فرصتهم في التعليم والتأهيل.
وتشير المعلومات أنه قبل 7 تشرين الأوّل/أكتوبر 2023، أبلغت 21 في المئة من الأسر في غزة عن ضمّها فردًا واحدًا على الأقل من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتم تحديد 58,000 شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة في قاعدة البيانات الرسمية للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
وترى اللجنة الأممية أن هناك قلقا بالغا حيال الآثار غير المتناسبة على الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة بفعل مجمل ما يتعرضون له حيث هناك: تدمير المستشفيات وانقطاع الخدمات الأساسية والقيود المفروضة وعدم القدرة على الوصول إلى أي مساعدات إنسانية، وهو ما يترتب عليه عدم حصول الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة على الرعاية الطبية والأدوية اللازمة لعلاج الأمراض المزمنة، وعدم حصولهم على الدعم النفسي والاجتماعي، وحيال تزايد مخاطر تعرضهم للموت أثناء عمليات تفتيش المستشفيات وقصفها، وكذلك ما يتسبّب به الحصار في أزمة غذائية، ما أدّى إلى تفاقم الوضع بالنسبة إلى الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يواجهون حواجز مادية تعيق الوصول إلى نقاط التوزيع، كما أنّهم لا يستطيعون الحصول على أجهزة مساعدة أو دعم.

من يتحمل الكلفة؟
وفي ورقة بحثية حملت عنوان “التكلفة الاجتماعية والاقتصادية للاحتياجات الخاصة الناتجة عن الحرب على قطاع غزة” جاء فيها أن الحرب تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على أعداد الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتشكل الأسلحة المستخدمة من الاحتلال في حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة دليلاً قاطعاً على تعمد الاحتلال الإسرائيلي إحداث إصابات تتسبب في إعاقات دائمة أو مؤقتة.
وقالت الورقة الصادرة عن جمعية “نجوم الأمل” لتمكين النساء ذوات الاحتياجات الخاصة ومرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية انه يترتب على هذه الإعاقات تكاليف مباشرة وغير مباشرة يتكبدها الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم ما يجعلهم أكثر عرضة للفقر نتيجة لما يواجهونه من صعوبات وتحديات في الحصول على فرص عمل عادلة ومواءمة لاحتياجاتهم ومتطلباتهم.
وقالت الورقة إن الإعاقات الناتجة عن الحرب تتسبب في اضطرار أسر الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة إلى تقليل ساعات عملهم، أو العمل بأجور متدنية مقابل مرونة تسمح لهم بمرافقة الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة من أفراد أسرهم وتقديم الرعاية اللازمة لهم بما يساعدهم على التكيف مع صعوبة الاحتياجات الخاصة والمتطلبات الناتجة عنها.
ورأت الورقة البحثية أن مؤشرات تأثير الحرب على تكلفة الاحتياجات الخاصة تنذر بأوضاع كارثية على الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، لا سيما وأن مستوى المعيشة في القطاع لا يسمح للغالبية العظمى من الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم بتغطية التكاليف الإضافية الناجمة عن متطلباتهم والتي تختلف تبعاً لنوع الاحتياجات الخاصة ودرجتها، ونظراً لمَ ساهمت وتساهم فيه الحرب الحالية من زيادة حالات البتر التي تقدر حتى اللحظة بـ11 ألف حالة فإن متوسط التكلفة التقديرية للبتر من المتوقع أن تصل إلى 2970000 دولار من دون حساب تكلفة أي عمليات جراحية لاحقة أو علاجات دوائية دورية، وبالرجوع إلى العدد الأولي لحالات البتر في القطاع فإن التكلفة الإجمالية للأطراف الاصطناعية اللازمة بسبب الحرب تقدر بحوالي 21511600 دولار حتى الآن.
وقالت الدراسة أنه أمام اتساع حجم العوامل التي تحد من تغطية الأعباء المتعلقة بالتكلفة الضخمة للاحتياجات الخاصة الناجمة عن الحرب، وتزويد الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم بمخصصات لتغطية هذه التكاليف وبما يساهم في دعم قدرتهم على الوصول إلى المستلزمات التأهيلية والعلاجية، والنظافة الشخصية، وخدمات الدعم فإن تغطية هذه التكاليف يجب أن يكون أولوية وزارة التنمية الاجتماعية والحكومة الفلسطينية.

أسئلة وملاحظات

وتقر حلا علي، باحثة في جمعية “نجوم الأمل” فإنه هناك توجها من أجل تضمين قضايا الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وشمولهم، ولكن هناك تساؤلا حول جدية هذه الجهود ومدى أخذها بعين الاعتبار مبادئ الشمول من منحى حقوقي ومبادئ الممارسات الجيدة، وأن تكون هناك شراكات مع مؤسسات فاعلة في مجال الاحتياجات الخاصة أو ممثلة للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة لتمثيل أصواتهم خصوصاً وأنهم الأقدر على تحديد أولوياتهم ومتطلباتهم واحتياجاتهم.
وتضيف: “سياسيا وإعلاميا لا يزال هناك الكثير مما يجب فعله، إعلامياً لا يزال هناك قصور في تسليط الضوء على الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، وسياساً هناك ضعف في البرامج الموجهة لقطاع غزة بشكل عام، بينما تعد ضعيفة جداً فيما يتعلق بالفئات المهمشة ومنها الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة”.
وتشدد في حديث لـ”القدس العربي” يعد الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة من الفئات المهمشة والأكثر تأثراً في الحرب، حيث يواجهون صعوبات مضاعفة في الإخلاء خصوصاً مع اضطرارهم لترك أدواتهم المساندة أو تلفها بالإضافة لتدمير البنية التحتية ما يزيد من فرص فقدانهم لحياتهم، كما يواجهون صعوبة في الوصول إلى مراكز الإيواء، عدا عن كون هذه المراكز غير مواءمة، في نفس الوقت يجد الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة صعوبات كبيرة في الوصول إلى المساعدات الإنسانية، خصوصاً وأن طريقة توزيع المساعدات الإنسانية غير مواءمة أبداً لهم، حيث لا يتمكنون من المزاحمة أو الوقوف في طوابير خصوصاً مع فقدانهم لأدواتهم المساندة وفقدان العديد من مقدمي الرعاية، وتتعرض النساء ذوات الاحتياجات الخاصة لصعوبات مضاعفة في الوصول للمياه ومستلزمات النظافة خصوصاً في فترة الدورة الشهرية، ومعظم الحمامات في مراكز الإيواء غير مواءمة.
وحسب د. إياد كرنز مدير مكتب الجمعية في قطاع غزة: “حالياً معظم السكان يعيشون في خيم، والتي تتواجد فوق أرض ترابية، بينما لا تتواجد الحمامات في مكان قريب من الخيم، مما يضاعف من صعوبة التنقل للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة”.
وحسب المسح التي نفذته جمعية “نجوم الأمل” لتمكين النساء ذوات الاحتياجات الخاصة بالشراكة مع مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية “مرصد” فإن معظمهن اليوم يفتقرن للاحتياجات الأساسية من الماء والغذاء والماء ومراكز الإيواء المناسبة، وكذلك العلاجات التأهيلية والوظيفية والأدوية والأدوات المساندة، حيث يحتاج 68.3 في المئة من الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة إلى مراكز إيواء ملائمة، بينما يحتاج 22.5 في المئة منهم/ن إلى أدوية، بينما يحتاج 20.4 في المئة إلى علاج، كما يحتاج 34.5 في المئة للغذاء، 13.3 في المئة منهم/ن يحتاجون لأدوات مساندة.

تشكل الأسلحة المستخدمة في حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة دليلاً قاطعاً على تعمد الاحتلال إحداث إصابات تتسبب في إعاقات دائمة أو مؤقتة

بينما يتعرض الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة لصعوبات كبيرة كذلك، في مسح يشمل الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة والمصابين عمل عليه الشريكان أيضاً، فإن 32.7 في المئة من الأطفال المشمولين في المسح تعرضوا لإصابات جديدة خلال الحرب، وبلغت نسبة الأطفال المصابين والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يتواجدون في مراكز الإيواء التابعة للأنروا أو المدارس الحكومية 37 في المئة من الأطفال المشمولين في المسح.
ورغم وجود المؤسسات التأهيلية والتي تمتلك قاعدة بيانات كبيرة تتضمن الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وأماكن تواجدهم وآلية التواصل معهم، إلا أنه منذ بدء الحرب، هناك 11822 شخصا من ذوي الاحتياجات الخاصة فقدوا القدرة على تلقي الخدمات بشكل كامل، وما يقارب 38000 بشكل جزئي.
وتؤكد أنه لا توجد مسوحات دقيقة تشير إلى نسب الزيادة في معدلات الاحتياجات الخاصة، ولكن تشير التقديرات إلى وجود ما يقارب 10000 إعاقة جديدة في غزة منذ بدء الحرب على القطاع، وحسب تقدير أشارت له ورقة أعدها الشريكان فإنه وحسب هذه النسبة فهناك زيادة في نسبة الاحتياجات الخاصة 0.46 في المئة، ومنذ بدء الحرب استخدم الاحتلال أسلحة مخصصة تهدف إلى خلق إعاقات، ومع استمرار هذه الإبادة الجماعية فإن زيادة نسبة ذوي الاحتياجات الخاصة معرض للازدياد بشكل كبير، وهذا جزء من أساليب الاحتلال حيث يستهدف خلق إعاقات، وهذا ما حدث في الانتفاضة الثانية ومسيرات العودة، ومع عدم توفر نظام حماية اجتماعية يكفل الفئات المهمشة، ومع الضعف الكبير في موازنة السلطة، فإن تكلفة هذه الإعاقات بما يترتب عليها من تكاليف علاجات التأهيل والأدوات المساندة والمواءمات المنزلية وتكلفة المواصلات غير المواءمة وغيرها، يتحملها الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة أنفسهم، ما يضاعف من فقرهم وهشاشتهم.
كما تقدم المساعدات الإنسانية بشكل إغاثي وغير مستدام، أي بدون خطط مقرة تضمن استمرارية توفرها أو تنوعها، في نفس الوقت توزع هذه المساعدات بشكل غير شمولي ولا يراعي متطلبات الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وقدرتهم على الوصول إلى أماكن التوزيع أو الوقوف في طوابير المساعدات. الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة فقدوا منازلهم الموائمة، أدواتهم المساندة، طرقهم، المؤسسات التعليمية والصحية والتأهيلية التي كانت مصممة للتعامل مع متطلباتهم، لذا يجب التأكيد على ضرورة تمثيل الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة ومؤسساتهم في أي خطط أممية ودولية لإعادة الإعمار بما لا يتجاوز توقعاتهم وأصواتهم.
وتشدد على أنه من المهم أن تنطلق أي خطط أممية من أولويات الشعب الفلسطيني مع ضرورة تمثيل الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة ضمن ذلك حيث أنهم الأقدر على تحديد متطلباتهم واحتياجاتهم.
وتطالب الجهات الرسمية الفلسطينية العمل على بناء خطط طوارئ واضحة وشمولية ومعلنة للتعامل مع الكارثة في قطاع غزة، وأن تعمل على حشد تمويلات بديلة تتمكن من خلالها من تنفيذ هذه الخطط وخطط الإعمار ما بعد الحرب، خصوصاً مع التضييق على التمويل الموجه للفلسطينيين ووقف التمويل من بعض الأطراف للسلطة، على أن تكون أي خطط أو لجان منبثقة عن هذه الخطط تحتوي على تمثيل للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، وتعمل اليوم وزارة التنمية عبر لجان إغاثة في قطاع غزة كما تم الحديث عن وزارة إغاثة، من المهم التأكيد على أن تكون خططها وتدخلاتها شاملة للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة من خلال وجود تمثيل حقيقي لهم من خلال الشراكة المستمرة مع مؤسسات الاحتياجات الخاصة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية