حرب استنزاف جديدة.. حملات التشويه والإرهاب الفكري

حجم الخط
0

د. يحيى مصطفى كامل يجرنا د مرسي وجماعته من مشهدٍ صادمٍ وخلافٍ مفتعل إلى الآخر بسرعةٍ مذهلة لا تتيح للكثيرين وقتاً للتحليل، إذ ما بين تعيينات رؤساء تحرير الصحف من قبل مجلس شورى يهيمن عليه الإسلاميون فكأنه اشبه بمجلس شورى الجماعة لا مجلس يعبر عن كافة المصريين الى إلغاء صفحاتٍ بأكملها في الصحف المملوكة للدولة ومنع نشر مقالاتٍ كالذي حدث مع الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد وصولاً إلى الدعاوى المرفوعة على رؤساء تحرير الصحف وخاصةً القضية ضد د عبد الحليم قنديل بكل ما تحتمله من خزيٍ وعارٍ وانحطاط… ما بين كل هذا نحار نحن الذين هاجمنا مباركاً ونظامه ونادينا بضرورة الثورة ولا نكاد نصدق ما آلت إليه الحال، وبالإضافة إلى ما قد يتسرب إلى نفوسنا من الحزن فإن الشعور المسيطر أصبح القلق العميق والترقب المتشكك من تحركات الجماعة.بيد أن هذا القلق ليس وليد وسواسٍ قهري يلازم نفوساً جبلت على الشك أو توهمات مثقفين وناشطين أتلف أعصابهم طول الملاحقة الأمنية والحصار الفكري المفروضين في زمن المخلوع، إذ له أسبابه المنطقية والموضوعية؛إن أبسط تدقيقٍ في مجريات المواقف الكثيرة المتلاحقة والمتوازية لا يبرر هذه الشكوك فحسب وإنما يشير إلى نمطٍ وأسلوبٍ ممنهج وخطة وهدف يقف وراءها عقلٌ مركزيٌ منظم…يبدأ الهجوم على كاتبٍ بقضيةٍ يرفعها شخصٌ ما مغمور (وليس هذا عيباً أو قدحاً في شخصه) أمام إحدى المحاكم مستغلاً تلك المنظومة القانونية المرقعة التي تعبر خير تعبيرٍ عن أهواء النظام السابق وتداخله مع الجماعة عبر علاقاتهما المعقدة وما يشتركان فيه من مزاجٍ منغلقٍ محافظ، وبينما يهرع الناشطون والكتاب والمثقفون وكل من يقف وراء حرية التعبير ليستنكروا الهجمة معربين عن خوفهم يخرج متحدثٌ رسمي عن الجماعة لينفي أية علاقة لها بالمدعي…لتثور عدة أسئلة : كيف يتأتى أن كل القضايا ترفع على مناوئي الجماعة وليس غيرها؟ وأنّى للمدعين، وخاصةً من لا يمتلكون خلفيةً قانونية، بمعرفة ما يصلح لإقامة الدعاوى عليه؟ من الذي يشير عليهم؟ ومن الذي يتكلف النفقات؟ ولماذا لا تُرفع قضايا مشابهة ضد الفلول لاسيما في ضوء عودة الكثير من رموزهم المشؤومة إلى تقلد مناصب قيادية في الصحف القومية؟.العلاقة واضحة، وكما نصف بالعمى من لا يرى من الغربال نرى أن من ينفيها مخادعٌ لنفسه…هو أسلوبٌ جديد في العمل خاصٌ بالجماعة، ففي حين اعتمد المخلوع على حملات التشهير من كتبة النظام وعلى الإعلام الموجه والضربات الأمنية الإرهابية الغاشمة لنظامه المغرور المعتد بجبروته وسطوته، لجأت الجماعة وما تزال إلى استغلال القانون مستفيدةً من قاعدتها الممتدة بحيث يتم توجيه الضربات من الأطراف بتوجيهٍ وتنسيق من القيادة المركزية بما يمكنها من التملص وادعاء عدم الدراية أو التحريض، خاصةً وأنها لم تتمكن بعد تماماً من آلة عنف النظام ،هذا بالإضافة إلى استغلالها لرصيدٍ شعبي ما تزال تملك منه قدراً ليس بالضئيل ( وإن كان في انحسار)، لذا فليس من قبيل الصدفة أن نجد رموزاً من الجماعة وشيوخاً يستغلون المنابر في صلاة العيد لمهاجمة معارضيهم وتبشير جمهور المصلين ومَن خلفهم عبر مكبرات الصوت بمشروع النهضة المذكور في القرآن (!!) في نفس الوقت الذي تُرفع فيه هذه القضايا على نفس الشخصيات،فما الخُطب إذن سوى تعبئة للجمهور في حملةٍ شعواء لاستكمال هيمنة خطاب الجماعة الفكري عليه.مازلت عند رأيي من أن إزاحة القيادات العسكرية واستبدالها بغيرها تم بسلاسةٍ وإحكامٍ مدهشين، وبعيداً عن هواجس المؤامرة، فإني على يقين من أن ذلك لم يتم دون موافقة (وربما تسهيلاتٍ) أمريكية، كما أني أعتقد اعتقاداً راسخاً أن ما نشهده هو زحفٌ إخواني للسيطرة ليس على الدولة وحدها عبر تمكين عناصر الجماعة والمتعاطفين معها من مفاصلها الأهم والأخطر، أي ‘أخونتها’ وإنما ‘أخونة’ مجتمعٍ أشبعه النظام طيلة ما يزيد على الثلاثة عقود بمعية الإخوان بافكارٍ شديدة الرجعية وشحنه ضد الأراء والرؤى المغايرة والمعارضة عن طريق شيطنة أصحابها…أما الباقون فتتولى أمرهم قضايا الحسبة…هي حملة إرهابٍ فكري بكل ما تحتمله الكلمة من معان…حرب استنزافٍ جديدة لا تشبه في شيءٍ القديمة، ففي حين أخرجت القديمة أفضل ما في الشعب المصري وجسدت أروع تعبيرٍ عن الوحدة والإرادة والكرامة والصمود والتحدي ورفض الهزيمة ضد عدوٍ غاصبٍ تشن الجماعة حربها ضد فئاتٍ من شعبها، ضد بعض المناضلين الذين وقفوا في وجه مبارك وتحملوا قسوته وأذاه، ضد بعض من نادوا بالثورة وكانوا في صفوفها الأولى حين كانت قيادات الجماعة تحسب حسابات الربح والخسارة المحتملين، ضد أفكارٍ لا تعجبها وتهدد أسسها الفكرية وأشخاصٍ يعارضونها لتستنزف طاقاتهم وتجبرهم على السكوت.فيما مضى، ولأن مباركاً لم يكن يكترث كثيراً، كان النظام يتقبل ويتحمل كثيراً من النقد من باب ‘حرية النباح’ ومن منطلق أن الكلام لا قيمة له ولا طائل من ورائه، وقد عبر المخلوع عن ذلك أبلغ تعبير حين علق على عزم قوى المعارضة إنشاء برلمان بديل عقب الانتخابات المزورة ب’خليهم يتسلوا’…بيد أن الجماعة لا تنوي أن تسمح برفاهية حرية التعبير، فهم يدركون قيمة ‘الكلمة’ التي زلزلت عرش مبارك، فإذا أضفنا ذلك إلى اتباع نفس النهج الاقتصادي من انحياز للأثرياء وإهمال للفقراء والمهمشين وتسولٍ لقروض البنك الدولي مع الإذعان لكافة شروطه تكون النتيجة كارثية وإحباطاً تاماً لأهداف الثورة.. وكفى بالإخوان بشاعةً في إعادة إنتاج النظام أن يبدأوا من حيث انتهى مبارك. ‘ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية