حرب اسرائيل ضد الشرعية الدولية: المفاوضات وحدوتة ‘الثعلب والغراب’
5 - August - 2013
حجم الخط
0
كتب ريتشارد فولك، استاذ القانون الدولي الامريكي الشهير والمؤيد للحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني: ‘ان كنت في موقع إعطاء النصيحة للفلسطينيين فلن أنصحهم بالدخول في أي اطار دبلوماسي او تفاوضي لا يعترف مسبقا بأهمية القانون الدولي والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، لأن القانون الدولي هو البوصلة الأساسية في المفاوضات، من اجل تحييد ‘القوة الفعلية’ بـ’القوة الناعمة’، ولذلك تسعى اسرائيل جاهدة في رأيه الى اقصاء الشرعية الدولية من المعادلة، وذلك عبر لغة التنازلات المنطقية التي استخدمها وزير الخارجية الامريكي كيري عندما قال، ان نجاح المفاوضات سيتوقف على استعداد الطرفين القيام بتنازلات منطقية، وحسب المفاوضات السابقة تعني لغة ‘التنازلات المنطقية’ الغاء أية اشارة الى القانون الدولي او الى الحقوق الشرعية، مما يجعل دبلوماسية المفاوضات الحالية عبارة عن عملية مساومة مبنية فقط على ما يوافق عليه الطرفان. ويتساءل فولك: من الذي سيقرر في النهاية ما هو المنطقي أو غير المنطقي؟ ويضيف ان تجاهل الطرف الفلسطيني لذلك والمجازفة بمستقبلهم عبر ثقتهم بما سيعتبره مارتن انديك منطقيا قد يعتبر اهمالا قاتلا. ويرى ان الفلسطينيين سقطوا الآن في الفخ، ففي حال اسرائيل وافقت على ما يعتبر منطقيا، بينما ترفضه السلطة الفلسطينية على انه تنازلات غير منطقية، ستعلن اسرائيل مرة اخرى ان ليس لها شريك في السلام، وسنعود مرة اخرى الى المربع الأول في منطق ‘هاسبارا’ (الدعاية الصهيونية). كما عبر فولك عن استغرابه للتصميم الامريكي المزمن على اختيار اشخاص معروفين بولائهم لاسرائيل كوسطاء في عملية التفاوض الاسرائيلية الفلسطينية، ويرى انه من الأغرب عدم الاهتمام وعدم الاستنكار من قبل الإعلام لتلك الظاهرة الدائمة، متسائلا ان كان ذلك تعصبا ام لا مبالاة، قائلا ‘هل اصبحنا مدمنين على الاطر المتعصبة الى درجة انها اصبحت امرا واقعا’؟ فان كانت الولايات المتحدة معنية بالفعل بالوصول الى تسوية، فلماذا لم تختر وسطاء غير منحازين لاسرائيل؟ ويضيف لكن ذلك بالتأكيد لانها في حال اختارت شخصا من اصول عربية سترفض اسرائيل الدخول في اللعبة، والوحيدان الآخران اللذان كانا مرشحين لهذا المنصب بدلا من انديك، هما دانيال كرتز، الذي كان ايضا سفيرا لدى اسرائيل والذي تحول في ما بعد الى الموكل بفريق كرة القدم الاسرائيلي، او دنيس روس المسؤول السابق لملف المفاوضات، الذي كان شريكا لمارتن انديك في تأسيس مركز الابحاث المدعوم من قبل ايباك (اللوبي الصهيوني) والمسمى ‘معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى’، ولكن وقع الخيار هذه المرة على مارتن انديك المعروف أيضا بانتمائه الصهيوني. ويضيف فولك ‘لا افهم لماذا وافقت السلطة الفلسطينية على ذلك’؟ واخشى ان تكون الاجابة ‘النفخ في الهواء’، ويبدو اننا سنشاهد ‘فزورة’ اخرى تحت دعاية كاذبة تسمى ‘عملية سلام’، خاصة في اطار وضع اقليمي غامض ومرتبك، ونتمنى الا تكون هذه العملية الزائفة مدخلا للتدخل العسكري في سورية وايران كتعبير لهذا ا ‘العشق الجيوسياسي للسيناريوهات المرعبة’. وتصب كل المعلومات الواردة في التقارير الامريكية والاسرائيلية على صحة تخوفات ريتشارد فولك، حيث يبدو واضحا ان الهدف الاول في لعبة الولايات المتحدة واسرائيل هو اقصاء الشرعية الدولية عن عملية السلام، فقد اعلن كيري بعد يومين من المفاوضات ان، الطرفين يهدفان الى التوصل الى اتفاقية الوضع النهائي بعد تسعة اشهر، مما سيؤدي الى دولة فلسطينية مستقلة. مضيفا ان كل القضايا ستطرح على الطاولة من أجل هدف واحد بسيط: انهاء الصراع و’انهاء المطالب’. وقد أضاف المعلق الامريكي على تصريح كيري ان ذلك يعني ايضا ان الفلسطينيين سيمتنعون عن محاولة البحث عن الاعتراف في الامم المتحدة او في أي منظمات دولية، خلال مشاركتهم في المفاوضات. وقد عبرت الوثيقة الرسمية التي نشرت في ‘معاريف’ في 30/7/2013، والتي وزعت من قبل مكتب اعلام نتنياهوالى الوزراء الإسرائيليين، عن سبب العودة إلى المفاوضات، حيث جاء فيها ‘أن العودة إلى المفاوضات غرضها تحقيق ثلاثة أهداف تصب في مصلحة إسرائيل: استنفاد فرص التوصل إلى حل سلمي؛ الحؤول دون حدوث تطورات سلبية ضد إسرائيل داخل الهيئات الدولية؛ والاستعداد للتحديات التي حولنا’. كما شددت الوثيقة على أن العودة إلى المفاوضات جاءت ‘استجابة لمطالب نتنياهو من دون الرضوخ لأي شروط مسبقة، ومن دون إعلان إسرائيل أن المفاوضات ستجري على أساس خطوط 67، ومن دون تجميد البناء في ‘يهودا والسامرة’، ومن دون اطلاق الأسرى قبل بدء المفاوضات’. وتضمنت الوثيقة إقراراً بأن نتنياهو التزم حل الدولتين: ‘دولة إسرائيل وإلى جانبها الدولة الفلسطينية المنزوعة السلاح التي تعترف بالدولة اليهودية.’ وبالنسبة للهدف الثاني المذكور فلم تكتف حكومة الاحتلال بالاشارة اليه، ولكن كلفت ايضا المفاوضين الاسرائيليين باللقاء مع الامين العام للأمم المتحدة، بان كي مون في نيويورك قبل مقابلتهم للوفد الفلسطيني، حيث ذكرت ‘هآرتس’ ان ‘طاقم المفاوضات الإسرائيلي المكون من وزيرة العدل تسيبي ليفني وموفد رئيس الحكومة يتسحاق مولخو ونائب المستشار القانوني لوزارة الخارجية طال بكار، استغلوا توقفهم في نيويورك، وهم في طريقهم إلى واشنطن، للاجتماع مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ووضعوه في أجواء التفاهمات التي أدت إلى معاودة المفاوضات مع الفلسطينيين’. كما ذكر موظف إسرائيلي رفيع أن ليفني ومولخو شددا أمام بان كي مون على أهمية المفاوضات المباشرة ‘وسيلة وحيدة’ لحل النزاع، كما طالباه بدعم العملية السلمية والحؤول دون حدوث خطوات أحادية لدى مؤسسات الأمم المتحدة أثناء المحادثات’. وخلال الاجتماع الاول ناقش الطرفان ما يسمى في سراب اللغة التفاوضية المسائل الاجرائية، اي بصورة أولية الطريقة التي ستجري فيها المفاوضات او ‘التفاوض حول التفاوض’، على ان يلتقيا مرة أخرى في واشنطن، حيث من المفترض أن يتوصلا إلى تحديد ‘جدول أعمال’ و’خطة عمل’ للمفاوضات التي ستجري بين الطرفين في الأشهر المقبلة. كما أكد رون بن يشاي، المحلل السياسي لـ’يديعوت أحرونوت’، في 28/7/2013 ان قرار بنيامين نتنياهو معاودة المفاوضات مع الفلسطينيين من شأنه وقف المساعي الفلسطينية الاستعراضية داخل المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة، كما من شأنه أن يمنح دولة إسرائيل متنفساً ومجالاً للاستعداد بشكل أفضل من وجهة ما يعرف بالدبلوماسية العامة للدول’، خاصة ان تزايد العزلة الدبلوماسية التي عانت منها دولة إسرائيل في الأشهر الأخيرة، هي نتيجة الحملة الدعائية الفلسطينية الناجحة في المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة، التي تحوّلت إلى تهديد استراتيجي حقيقي لاقتصاد الدولة ومعنويات مواطنيها. ويعتبر القرارات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي أخيراً بشأن المستوطنات مؤشرا واضحا إلى أن العزلة الدبلوماسية تحولت إلى تهديد اقتصادي سياسي، بالاضافة الى وجود المزيد من الخطوات المماثلة في ‘الجعبة الفلسطينية’ التي لا تقتصر على الساحة الأوروبية، بل تصل إلى أستراليا البعيدة’. واضاف بن يشاي ان الإفراج عن السجناء الأمنيين الفلسطينيين رغم انه قرارصعب ومؤلم، فهو نابع من اعتبارات استراتيجية أمنية، وقد وضح الخبر المنشور يوم 31 تموز/يوليو في ‘معاريف’ ان اتفاقا سريا تم بين نتنياهو و’البيت اليهودي’ على إطلاق الأسرى مقابل السماح بالبناء في المستوطنات، حيث ان وزير الإسكان أوري أريئيل (حزب البيت اليهودي) أجرى اتصالات سرية مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، توصل خلالها الطرفان إلى’ تفاهمات سرية وهي أنه مقابل موافقة الحزب على إطلاق أسرى فلسطينيين، سيسمح نتنياهو ببناء آلاف الوحدات السكنية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)’. وقد تخوف الطرفان من تسرب مضمون التفاهم امام الأمريكيين والفلسطينيين، ولذلك تمت المحادثات بشكل شخصي بين الرجلين. كما يبدو إن التفاهم الذي جرى التوصل إليه يتعلق بصورة خاصة بالمستوطنات داخل الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس. ومن المنتظر إعلان بناء ألف وحدة سكنية يضاف إليها ما بين 3500 إلى 4000 وحدة جديدة في ما بعد. ومن الواضح ان العملية التفاوضية دخلت مرة اخرى في حلقة مفرغة جديدة من الاتفاقات السرية، حيث جاء (في هآرتس 31/7/2013) ان موظفا إسرائيليا رفيع المستوى ذكر أن ‘الإدارة الأمريكية قدمت إلى طاقمي المفاوضات الإسرائيلي والفلسطيني، ضمانات عرضت فيها موقف الولايات المتحدة من المفاوضات وسيرها وأهدافها من أجل تسهيل العودة إليها من جديد، وأضاف ان مضمون هذه الرسائل سيبقى سرياً وغير معلن، وانه على ما يبدو فإنه يتناول قضيتي الحدود واللاجئين. وأوضح الأمريكيون في رسالتهم إلى الفلسطينيين أن موقف الولايات المتحدة هو أن تجري المفاوضات على أساس خطوط 1967 مع تبادل أراض. كما أوضحوا في رسالتهم إلى الإسرائيليين أن موقف الولايات المتحدة، هو أن خط الحدود المستقبلي لن يكون مطابقاً لخط 67، ولكن سيتضمن تغييرات تتلاءم مع الوقائع على الأرض. وتضمنت الرسالة الأمريكية الموجهة إلى إسرائيل اعترافاً أمريكياً بأن إسرائيل دولة يهودية، وأن موقف الولايات المتحدة من مسألة اللاجئين الفلسطينيين هو أن عليهم العودة إلى الدولة الفلسطينية العتيدة’. وأضاف بن يشاي ان قرار الخوض في المفاوضات يتعلق بسببين رئيسيين آخرين بالغى الأهمية: أولهما وهو الأهم ‘برنامج إيران العسكري النووي، إذ يبدو أن إيران تتجه في الأشهر القادمة وتحديداً بحلول ربيع العام القادم، إلى الحصول على قدرات إنتاج سلاح نووي متكاملة، وهو ما يعرف ‘بقدرات العتبة النووية’، مما يعني أن إيران في طريقها إلى أن تصبح فعلاً ‘دولة عتبة نووية’. وتستطيع إسرائيل في الوقت الراهن وقف برنامج إيران النووي إذا تلقت الدعم والمشروعية من الغرب عامة، ومن الولايات المتحدة الأمريكية خاصة’. أما السبب الثاني فيتعلق بتصاعد ‘الاضطرابات التي تأخذ منحى عنيفاً في الضفة الغربية، وبالتالي يأتي قرار التفاوض ‘لإحباط أو تأخير انتفاضة عنيفة ثالثة في الأراضي المحتلة، حيث لاحظ الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك تزايداً لافتاً لعمليات إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة، ولأحداث إطلاق النار في الضفة الغربية في آخر 18 شهراً. وحتى الآن يبدو أن السلطة الفلسطينية نجحت في احتواء الانفجار، لكن تتفق تقديرات الجيش الإسرائيلي والشاباك على أنه إذا لم يُحرَز أي تقدم على المسار السياسي، فمن المحتم أن تندلع انتفاضة عنيفة في الأراضي الفلسطينية أيضاً’. ‘وان هذا الاحباط أو التأجيل للانتفاضة في الأراضي المحتلة ‘يصبّ في تعزيز القدرة على مواجهة التهديد الإيراني، لأن تشتيت الانتباه بين مسألتين أمنيتين يعوق القدرة على مواجهتهما، سياسياً وعسكرياً’. و يبدو انه بينما حدد كيري دور الموفد الأمريكي مارتن إنديك وطاقمه بأنه دور ‘الميسّر’ للمفاوضات، وليس وسيطا ولا مفاوضاً، وبعد ان اتفق طاقما المفاوضات مع كيري على إبقاء مضمون المفاوضات سريا، الا ان بعض التحليلات الاسرائيلية اشارت الى ان الفلسطينيين أنفسهم طالبوا بأن يكون الأمريكيون (انديك) شركاء كاملين في جميع المحادثات كي يحددوا من هو الطرف الذي يماطل، ومن هو الطرف الجدي (مما يؤكد تخوفات ريتشارد فولك). وقد تحفظت إسرائيل من ذلك وطالبت بأن تكون المفاوضات ثنائية على أن يطلع الأمريكيون على محتواها أسبوعياً. والسؤال الاهم الآن هو كيف ستنتهي القصة الاسطورية بين المفاوض الفلسطيني والمفاوضة الاسرائيلية؟ هل ستؤدي الى نهاية سعيدة مثل قصة الغراب الذي كان يحمل قطعة الجبن الصفراء في فمه، هذا الغراب الذي وصفته الاسطورة الشهيرة على انه اسود الريش، ذو منقار اصفر رفيع، وجسم ممتلئ، تبدو عليه علامات الطيبة’، وهذا الثعلب الذي وصفته على انه رمادي الفراء، عيناه غائرتان، وفكه كبير، واسنانه حادة، وجسمه نحيل، يبدو عليه المكر والحيلة والدهاء، والذي طلب من الغراب ان يغني ليستمتع بصوته الجميل، وما ان فتح الغراب فاه حتى وقعت قطعة الجبن في فم الثعلب الذي جرى وهو يشعر بالفخر والانتصار. كاتبة فلسطينية