حرب الأردن على تجار الموت والمخدرات: اختبار خشن ومتأخر لسيادة القانون

بسام البدارين
حجم الخط
1

كشفت عمليات عن تورط موظفين أمنيين برتب رفيعة في عمليات تخزين أو ترويج الحبوب المخدرة، الأمر الذي منح المساحة قواعد اشتباك جديدة وذهب بالتوقعات خارج المألوف الأردني.

عمان ـ «القدس العربي»: واحدة من أبرز تجليات الحرب الأردنية المعلنة داخليا وإقليميا وحدوديا وعربيا على تجار الموت والمخدرات هي تلك المفارقة التي تعيد التموقع في عمق المعادلة الداخلية الأردنية عبر التأسيس لحالة غير مسبوقة يبدو انها تربك بالتأكيد النخب السياسية وبصورة مرجحة بعض دوائر القرار.

والتموقع هنا خارج عن السياق المألوف. ففرض مبدأ سيادة القانون عندما يتعلق الأمر بتطبيقات الحرب على المخدرات ووكلائها في الداخل بدأ ولو نسبيا يصطدم بشبكة وسطاء ومستفيدين ومخالفين للقانون تزعم دوما أنها محسوبة على مستوى «العصبية لمعسكر الولاء الرسمي».
مفارقة لم تكن مألوفة في الماضي.
وحرب المخدرات اليوم أو الحرب على المخدرات برأي الكثير من المراقبين والخبراء هي بمثابة اختبار حقيقي لمبدأ سيادة القانون وعلى الجميع حسب السياسي مروان الفاعوري ليس لأن الالتزام بسيادة القانون اليوم نمط من الترف السياسي أو الفكري، ولكن لأن آفة المخدرات تنتهك كل ما هو مقدس في جعبة الأردنيين وفي تراثهم.
لا توجد وصفة محددة حتى الآن لكيفية التصرف في المستوى الرسمي وفي بعض تعبيرات الدولة العميقة في مواجهة تلك المفارقة التي أعادت تموضع نفسها مجددا وبدأت تثير نقاشات تشاورية بين كبار مسؤولي ومستشاري صناعة القرار.
البعد والمسار العملياتي في الحرب الأكيدة ضد المخدرات ونشطائها ورموزها خصوصا في الأطراف والمناطق الحدودية بدأ يثير إزعاج وقلق وأحيانا يشتبك مع مصالح أطراف وشرائح اجتماعية وأحيانا مناطقية محسوبة تماما على معسكر الولاء للدولة.
ولا أحد يعلم ماهي الوصفة الأفضل لمواجهة مأزق من هذا النوع خصوصا وان الحرب أصبحت سياسية وليست أمنية فقط حيث البيانات الرسمية عملت بكفاءة ومنذ أشهر طويلة على إعادة تعبئة الرأي العام، وحيث استرسال في الإعلام الرسمي في الحديث عن مخاطر المخدرات وصدم الشارع بكميات ضخمة يتم ضبطها من الحبوب المخدرة وخصوصا «كبتاغون».
وحيث وهذا الأهم افصاحات شبه يومية عن محاولات الاختراق والتسلل سواء عبر مياه خليج العقبة جنوبي البلاد وبصورة مكثفة عبر الحدود مع سوريا وأحيانا بنشاطات عبر الحدود مع السعودية. وحيث وهذا مهم جدا في البعد الإستراتيجي تعبئة سياسية يرى البعض انها بالغت في الحديث عن المخدرات لأغراض دعائية بالمقام الأول.
وهي تعبئة اعتمدت على الرواية التي تقول بأن منظمات إرهابية في التصنيف الأردني محسوبة على جهات إيرانية ولبنانية وسورية هي التي تقف وراء محاولة سياسية لانتهاك حرمة المجتمع والشعب الأردني وبالتالي إغراق الأردنيين بالمخدرات.
ليس سرا ان الأوساط والصالونات السياسية وأحيانا البيروقراطية تغرق بالجدل حول البند العملياتي في تطبيق تلك الحرب على المخدرات ومروجيها ومخزنيها ورموزها خصوصا من السماسرة والوكلاء المحليين الذين اكتشف الجميع ان حجمهم لم يكن متوقعا وتوزيعهم الجغرافي كذلك مرتبط بالأماكن الحدودية مثل العقبة ومركز حدود جابر على خاصرة الحدود مع سوريا. وأيضا في الكثير من الواجهات في المدن والمحافظات الصحراوية وحتى في محيط ضواحي العاصمة عمان فقد تم الإعلان عن ضبط كميات هائلة من الحبوب المخدرة في العقبة ومعان والكرك جنوبي البلاد وفي الرمثا وإربد والمفرق شرقي وشمالي البلاد بمعنى توزيع عمليات المخدرات أفقيا على مستوى المساحة الجغرافية. وبالتالي الاختبار بمنتهى القسوة لإرادة سلطة القانون في مواجهة تيارات موالية كانت في الماضي تزعم أنها محسوبة على الدولة لكنها باتباع وصفات العمل مع مهربي المخدرات تعمل على تفتيت الدولة نفسها اليوم. بمعنى ان الحرب على من وصفهم مديرين على الأقل للأمن العام بـ«تجار الموت» لا تستهدف الشعب فقط بل الدولة أيضا ما يكسب هذه المعركة حساسية إضافية وأهمية إستراتيجية لا يستهان بها عمليا.
لم تختبر فيما مضى قواعد الاشتباك والمواجهة بين تيارات وشرائح تعتبر نفسها موالية لكنها تمارس بين الحين والآخر نشاطات تهريب المخدرات والتعاطي معها. ويبدو ان هذه النشاطات ترعرعت أصلا في ظل أزمة اقتصادية خانقة وضعف معدل توفير الوظائف وضعف السيولة المالية بين أيدي المواطنين. وبالتالي جزء من النشاط في المخدرات له علاقة بالفقر والبطالة برأي بعض المروجين.
وقد كشفت عمليات أمنية عن تورط موظفين أمنيين برتب رفيعة مؤخرا في عمليات تخزين أو ترويج الحبوب المخدرة، الأمر الذي منح المساحة قواعد اشتباك جديدة وذهب بالتوقعات إلى مسافات خارج المألوف الأردني. والاختبار هنا يبدو انه خشن للغاية، لكن على نحو أو آخر تجتهد الآراء وتتزاحم خلف غرف القرار وخلف التعبيرات السيادية والجميع يعتبر إكمال مهمة مواجهة المخدرات قد تكون مكلفة سياسيا لكن لم تتوقع مؤسسات القرار بأن تكون مكلفة على صعيد بعض الجبهات الاجتماعية النشطة التي تجرح الموالاة بتلويثها وتسميمها.
ويبدو ان الأمر لا ينسحب أيضا ليس على جزء من تجارة المخدرات فقط، ولكن على جزء من الذين تتهمهم السلطات بالعادة بالاعتداء على المياه الجوفية والتسبب بمعاناة المياه لجميع الأردنيين.
الموقف لا يستهان به والمواجهة في جذرها العميق وأحد تجلياتها داخل مؤسسات القرار وليس خارجه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية