تصريحات ترامب وهاريس تبرز انقساما ليس فقط في الولايات المتحدة حول الحرب في أوكرانيا بل وفي الغرب برمته بسبب الاختلاف في تقدير وضع روسيا في علاقاتها بالغرب والصين.
تستمر الحرب بين أوكرانيا وروسيا على مختلف الجبهات، وتستمر معها المواجهة بين تصورين في واشنطن لاسيما مع اقتراب الانتخابات الأمريكية، واحد يؤكد على ضرورة استيعاب روسيا وجلبها إلى صفوف الغرب إضعافا للصين مستقبلا ويتزعمه الرئيس السابق والمرشح الجمهوري السابق دونالد ترامب، وآخر ينص على ضرورة اعتبار موسكو غريبة عن الغرب ويجب التعامل معها بحذر كبير وإن كانت مسيحية أرثوذوكسية، وتعتبر المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس ممثلة هذا التيار.
تراجع الاهتمام بالحرب
وفقدت الحرب الروسية-الأوكرانية الاهتمام الإعلامي الدولي بها جراء الحرب في قطاع غزة التي تحصل على اهتمام العالم بسبب طابع المواجهة الثقافية التي تشكلها وتتجاوز ما هو جيوسياسي، عكس الحرب الروسية-الأوكرانية التي تخلف نسبة محدودة من القتلى في صفوف المدنيين مقارنة مع قطاع غزة. وتقع بين الحين والآخر مستجدات في الحرب الروسية-الأوكرانية ومنها نجاح الجيش الأوكراني في السيطرة على أراض جنوب روسيا في منطقة كورس منذ بداية آب/أغسطس 2024 لم تغير مسار الحرب، ولكنها ذات طبيعة رمزية لأنه منذ الحرب العالمية الثانية لم تتعرض الأراضي الروسية للغزو. في الوقت ذاته، يتابع خبراء الحروب كيف أسقط الجيش الأوكراني مقاتلة أف 16 بنظام باتريوت الأمريكي، ما يبرز فوضى التنسيق بين فرق الجيش الأوكراني وصعوبة استيعابه للسلاح الغربي.
تخبط الغرب حول روسيا
ويتخبط الغرب سياسيا وعسكريا بين أمرين، قبول سيطرة روسيا على شرق أوكرانيا وإنهاء الحرب كما تذهب إلى ذلك ألمانيا وباحتشام فرنسا، أم الاستمرار في الحرب كما تشدد على ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا من أجل طرد الروس من شرق أوكرانيا ومنع موسكو من تكرار تجربة الاعتداء على دول أخرى وخاصة دول البلطيق. وهذا التخبط جلي في الساحة الأمريكية وتعاظم مع قرب الانتخابات الرئاسية الأمريكية المرتقبة خلال تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. صرح دونالد ترامب في أكثر من مناسبة بأنه بمجرد وصوله إلى رئاسة البيت الأبيض، سيعمل على وضع حد للحرب بين روسيا وأوكرانيا، وستكون أولى الخطوات منع إرسال السلاح إلى أوكرانيا حتى لا تستطيع الاستمرار في الحرب. ويتبنى هذا التوجه نسبة كبيرة من أعضاء الحزب الجمهوري في مجلسي الشيوخ والنواب، ولهذا صوتوا ضد ميزانية الدفاع الخاصة بدعم أوكرانيا في أكثر من مناسبة. ولا يبدو هذا التصور فوضويا أو صادرا عن مزاج ترامب، فهو تصور برز منذ التسعينات من القرن الماضي، ولم يتبلور حتى السنوات الأخيرة. وكان من أبرز المدافعين عن هذا التصور مدير الاستخبارات العسكرية السابق الجنرال مايكل فلين الذي عمل مستشار الأمن القومي لترامب في السنة الأولى. ويدعو التصور إلى ضرورة اعتبار روسيا دولة غربية جلبها إلى صفوف الغرب لتكون الدولة المتقدمة في مواجهة الصين لأن هذا البلد الأخير هو الخطر الذي يهدد عرش الولايات المتحدة في زعامة العالم بل وريادة الغرب برمته.
في المقابل، يوجد تصور آخر يتعارض مع هذه الأفكار، يتبناه الحزب الديمقراطي وغالبية الدولة العميقة في صفوف واشنطن وخاصة في الاستخبارات والجيش. ويرى هذا التصور أن روسيا تبقى ذات ثقافة شرقية وإن كانت مسيحية أرثوذوكسية حاليا ولن تنخرط في صفوف الغرب، ولن تؤدي دور دولة المواجهة مع الصين مستقبلا. ويرى هذا التيار أن التقارب الغربي مع روسيا سينتج عنه حلف روسي-ألماني بالدرجة الأولى وقد يجلب إلى صفوفه فرنسا، ويكفي أن روسيا وألمانيا كانتا الدولتان الغربيتان اللتان تحفظتا على تقديم مساعدات عسكرية جوهرية إلى أوكرانيا عند اندلاع الحرب. في هذا الصدد، أشار المؤرخ البريطاني جيمس جول ذات مرة إلى أن «كل التاريخ هو تاريخ معاصر» أي أن وقائع الماضي لها معنى في السياق الحاضر الذي يتم فيه تحليل تلك الوقائع. وهذا بمناسبة قيام معهد التاريخ المعاصر في ميونيخ بالكشف عن وثائق تعود إلى حقبة بداية التسعينات كيف كان المستشار الألماني هيلموت كول يشدد على ضرورة عدم توسيع حظيرة الحلف الأطلسي نحو أوروبا الشرقية، وذلك تجنبا للتوتر مستقبلا وخدمة لمصالح برلين.
حرب التصورات
وخلال الأيام الأخيرة، تعاظمت المواجهة بين التصورين وستزداد مع اقتراب الانتخابات الرئاسية. ولنتأمل تصريحات المرشحة الديمقراطية للانتخابات الرئاسية كمالا هاريس في تجمع شيكاغو الأسبوع الماضي حيث تم إعلانها مرشحة رئيسية للبيت الأبيض تقول: «تصريحات ترامب حول أوكرانيا خاطئة، وسأستمر في دعم أوكرانيا ودعم الحلف الأطلسي الذي يساعد أوكرانيا في الحرب الدائرة منذ أكثر من عامين، نعم كرئيسة، سأقف بقوة مع أوكرانيا وحلفائنا في الناتو».
وفي المقابل نجد تصريحات ترامب خلال الأسبوع الجاري في برنامج «الدكتور فيل» والتي تنقلها «نيوزويك» في نسختها الرقمية يقول «لو كان قد جرى انتخابي خلال نوفمبر 2020 لما كانت الحرب قد اندلعت بين روسيا وأوكرانيا….إذا فزت في الانتخابات سأعمل على إنهاء الحرب لصالح السلام في العالم».
تصريحات تبرز انقساما ليس فقط الولايات المتحدة حول الحرب في أوكرانيا بل وفي الغرب برمته بسبب الاختلاف في تقدير وقراءة وضع روسيا في علاقاتها بالغرب والصين حاليا ومستقبلا.