حرب الحوثيين الثالثة وانعكاساتها السياسية علي مستقبل أوضاع اليمن

حجم الخط
0

حرب الحوثيين الثالثة وانعكاساتها السياسية علي مستقبل أوضاع اليمن

عادل أمينحرب الحوثيين الثالثة وانعكاساتها السياسية علي مستقبل أوضاع اليمنمن المؤكد أن النظام الحاكم في اليمن لم يكن ليتخيل أبداً أو يخطر علي باله وهو يضع اللبنات الأولي لتنظيم الشباب المؤمن ـ مطلع التسعينيات ـ أن هذا التنظيم سيتحول الي شوكة في حلقه. لُعبة التوازنات السياسية والرقص علي الحبال التي تستهوي النظام وُتغريه بخلق المزيد من الجماعات والتيارات المتناقضة والمتعارضة لها مخاطرها التي لايمكن الافلات منها بحال أو الهروب منها مهما كانت الاحتياطات، قد تنجح تلك اللُعبة ويستفيد منها النظام، لكنها عندما تفشل فالخاسر الأكبر هو الوطن. والحقيقة انه لاكاسب أبداً في لُعبة التوازنات تلك، فالكل خاسر،حتي أولئك الذين يظنون أنهم حققوا بعضاً من أهدافهم الخاصة، فما وصلوا إليه بالفعل لم يكن ليحصل ـ هكذا ـ دون مقابل او بغير خسائر، لا شك أن فاتورة مكاسبهم باهظة الثمن.مرة أخري تتصدر مشاكل الحوثيين واجهة الاحداث في اليمن وتستأثر باهتمام الرأي العام في الداخل والخارج، فللمرة الثالثة تتجدد الاشتباكات والمواجهات العسكرية بين الجيش اليمني وجماعة الحوثي في جبال صعدة. في المرة الأولي إندلعت المواجهات (في يونيو 2004) وانتهت بمقتل زعيم الجماعة حسين الحوثي، ثم نشبت الحرب مرة أخري (في مارس 2005) وأفضت الي إختفاء الحوثي الأب عن الساحة اليمنية، وما يزال مصير الرجل الكهل غامضاً حتي اليوم، وفي هذه المرة عاد احد ابناء الحوثي (عبدالملك) ليقود حركة التمرد هو وعبدالله الرزامي احد أبرز القادة الميدانيين لهذه الحركة ليبدأ العام الجديد 2007 بداية غير موفقة لحكومة الجمهورية اليمنية.مع بعض الفروقات هنالك اوجه شبه كثيرة يمكن رؤيتها في ملابسات وظروف حربَي صعدة الأولي والثالثة، ففي الحالتين تفجرت الأوضاع بين القوات الحكومية والحوثيين بشكل مفاجئ صدم الرأي العام الذي لم يكن علي إطلاع مسبق بخلفيات المشكلة التي قادت الي المواجهات، ولم يكن أحد في الصورة ـ حتي مجلس النواب ـ عدا الحكومة نفسها التي تأخرت كالعادة في الإفصاح عن مجريات الأحداث وتطوراتها في كلتا الحربين، الي جانب أن كل طرف حملَّ الآخر مسؤولية إندلاع المعارك في كل مرة، وأثناء الحربين الأولي والثالثة اعترف النظام للرأي العام بتقديمه دعماً مادياً مباشراً لتنظيم الشباب المؤمن آخره مبلغ خمسين مليون ريال وست سيارات اُعطيت لهم بمناسبة احتفالهم بيوم الغدير ـ حسب تصريح محافظ صعدة ـ ومن اوجه الشبه كذلك بين الحربين (الأولي والثالثة) ان الحملة العسكرية ضد الحوثيين رافقها حملة إعلامية رسمية ضد احزاب اللقاء المشترك واتهامها بالتواطؤ مع جماعة الحوثي تارة وتغذيتها لما تقوم به تارة اخري، ومن ذلك أيضاً ان الحكومة وجهت اصابع الاتهام (في المرتين) الي جهات خارجية بالوقوف وراء الحوثيين ودعم تمردهم وخروجهم علي النظام، لكن في المرة الأولي لم تجرؤ الحكومة علي تسمية تلك الجهات الخارجية وقال الرئيس صالح في مقابلة مع صحيفة المستقبل اللبنانية (8/7/2004) نحن نتهم جهات خارجية لكن لانستطيع أن نشير بأصابع الاتهام لأي دولة او حزب. بيد أن الموقف تغير هذه المرة حيث أشارت الحكومة صراحة بأصابع الإتهام الي كل من إيران وليبيا ولبنان وبعض الشخصيات الخليجية (الشيعية) واتهمتها بالوقوف وراء تمرد جماعة الحوثي وفقاً لمخطط تآمري لايستهدف اليمن فحسب بل المنطقة ككل.بالإضافة الي ما سبق فإن الورقة اليهودية كانت حاضرة في تداعيات الحربين معاً، لكن هذة الورقة اخذت شكلاً جديداً وبعداً مختلفاً في كل مرة، ففي الحرب الأولي قالت السلطات إن اليهود وقفوا الي جانب الحوثيين في حربهم ضد النظام، لكنها عادت واعتذرت عما قالته واعتبرته من قبيل الخطأ غير المقصود، وفي هذه المرة تورط الحوثيون في إقحام الطائفة اليهودية في سياق الأحداث من خلال طردهم عدداً من أسر اليهود (من آل سالم) من منازلهم الأمر الذي لفت أنظار العالم بسرعة الي أحداث صعدة، لكن النتائج كانت في غير صالح الحوثيين، فقد ذكرت مصادر دبلوماسية غير عربية ان عدداً من الدول الأوروبية ستتبني قراراً يتضمن المطالبة بإدراج تنظيم الشباب المؤمن باليمن في القائمة السوداء واعتباره ضمن المنظمات الإرهابية في العالم، وبالتالي المطالبة باعتقال قادته واعضائة المنتمين إليه، وطبقاً لذلك فإن يحيي الحوثي المقيم في المانيا بعد منحه حق اللجوء الإنساني سيكون ضمن المطلوبين في حال تم إقرار ذلك المشروع. وفيما يخص النظام الحاكم فإن قضية طرد اليهود من مناطقهم وفرت الغطاء المطلوب للتدخل الخارجي في شؤون اليمن.لكن لماذا عادت الأزمة مجدداً؟ ولماذا صارت الحوثية مشكلة اليمن المستعصية؟ يمكن أن نورد هنا بعضاً من الاسباب ـ مع التأكيد علي أن أسباباً أخري ولاشك لعبت دوراً في إنعاش هذه الأزمة وإحيائها من جديد وهذه الأسباب (الأخري) غالباً ماتكون غائبة أومُغيبة عن الرأي العام لمصالح ترتبط عادة بطرفي الأزمة ومن يقفون وراءها ـ أما الأسباب التي نحن بصددها والتي نعتقد انها كانت وراء عودة حركة الحوثيين للصراع مع النظام فهي: 1) إن الحوثية في الأصل حركة دينية لا تياراً سياسياً، وهي ترتكز علي مجموعة مبادئ عقائدية كانت السبب المباشر في وجودها، وهي تؤمن بالقوة طريقاً للتغيير.2) استطاع النشاط الإثنا عشري اختراق أتباع المذهب الهادوي(الزيدي) في صعدة، وتمكن من بناء تواجد قوي له هناك من خلال العلاقات السرية بين الطرفين والتي توطدت عبر الزيارات المتبادلة والدعم المالي والتدريب العسكري وغيرها.3) تعاون بعض القبائل المتأثرة بأفكار الحوثي ووقوفها إلي جانب جماعته، كما لا نستطيع أن نُغفل دافع الثأر لدي بعض تلك القبائل نتيجة سقوط عدد من أبنائها في المواجهات السابقة مع النظام.4) توفر الدعم المالي بشكل كبير لهذه الجماعة من قبل الحكومة نفسها التي ربما قدمت الدعم والمساعدات للحوثيين علي أمل احتوائهم وكسب ولائهم. من ذلك مبلغ الخمسين مليون ريال الذي أُعطي لهم بمناسبة احتفالهم بيوم الغدير، وهذا الأمر يُشير من جانب آخر إلي مدي تغلغل ونفوذ هذه الجماعة في أجهزة السلطة.5) إن تكرار المواجهات العسكرية لجماعة الحوثي مع النظام وإشعال المنطقة في وجهه بين الحين والآخر يُعد مؤشراً علي اطمئنان الجماعة لعمقها الاستراتيجي الجغرافي والتنظيمي، فمن جهة تمثل وعورة منطقة صعدة وصعوبة تضاريسها الجغرافية عامل حماية بالنسبة لها، بالإضافة إلي ما يمكن أن تشكله المنطقة الشرقية في السعودية من عمق جغرافي وامتداد فكري يضيف بعداً آخر في مسألة زيادة رقعة الحماية تلك.6) توفر السلاح بكميات كبيرة لدي الحوثيين والقبائل المؤيدة لهم ووجود أسواق سلاح في المنطقة تزود هذه الجماعة بما تحتاجه من مختلف أنواع الأسلحة.7) عدم تعامل النظام بجدية مع الخطر الذي يمثله مشروع هذه الجماعة ووقوعه تحت ضغط وإرهاب الإعلام المناوئ (المتعاطف مع الحوثية) الذي حاول بكل الوسائل إظهار الصراع في صعدة علي أنه استهداف منظم لزيدية اليمن.8) عُزوف الدولة وعدم مسارعتها إلي بسط سيطرتها علي الجبال والمواقع التي كانت حصوناً للحوثيين عقب مقتل حسين الحوثي.إن استمرار الصراع والمواجهات العسكرية بين الحكومة اليمنية والحوثيين في منطقة صعدة وعدم التوصل إلي حلول مُرضية لهذه المشكلة وطي صفحاتها من شأنه أن يولد مشاكل جمة للبلاد هي في غني عنها من ذلك:أولاً: ستصبح مشكلة صعدة أكبر عائق حقيقي أمام انضمام اليمن لمجلس التعاون الخليجي نظراً لما تحمله من مخاطر أمنية ومذهبية وسياسية ستنعكس بالضرورة علي دول المجلس بشكل عام وعلي المملكة السعودية بشكل خاص، إن بقاء هذه الحزمة من المشاكل عند الحدود الجنوبية للمملكة السعودية معناه صرف النظر تماماً عن مسألة دخول اليمن منظومة دول مجلس التعاون الخليجي.ثانياً: توشك منطقة صعدة أن تتحول إلي بؤرة صراع إقليمي وقنطرة عبور للتدخل الخارجي، وهذا ما يسعي إليه المستفيدون من بقاء الصراع متأججاً، هنالك أطراف إقليمية تحاول توسيع دائرة صراعها مع الولايات المتحدة عبر اختراق المنطقة لضرب مصالح الإدارة الأمريكية في كل مكان، وهي بذلك تحاول مقايضة أمريكا بتخفيف ضغوطها عليها مقابل عدم المساس بمصالحها في المنطقة.ثالثاً: ستبقي منطقة صعدة مصدر قلق دائم للنظام ومحطة تصدير مشاكل دائمة له، وهذا بلا شك يُضعف النظام السياسي القائم علي المدي البعيد، وربما تتفجر مشاكل أخري في مناطق مختلفة من البلاد جراء عدم حسم نتيجة الصراع مع الحوثيين وبقاء هذه القضية رهناً للحلول المؤقتة والمسكَّنة.رابعاً: من المتوقع أن تؤدي أحداث صعدة الأخيرة إلي تأجيل عملية الإصلاحات التي كان وعد بها النظام وبالأخص أمام مؤتمر المانحين المنعقد في نوفمبر الماضي بالعاصمة لندن، وفي أحسن الأحوال قد يبادر إلي إحداث إصلاحات لكنها ربما تخرج مشوهة.خامساً: قد تنعكس أحداث صعدة علي الوضع السياسي اليمني بصورة سلبية بما يؤدي إلي تضييق الهامش الديمقراطي ومساحة الحرية المتاحة.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية