حرب العصابات والقائد والغوغاء عند المؤرخ ابن عربشاه

حجم الخط
1

في كتاب المؤرخ والرحالة الدمشقي ابن عربشاه (791ـ 854 ه‍/ 1389 – 1450م) المسمى «عجائب المقدور في أخبار تيمور» يرد وصف دقيق لحرب العصابات على لسان المنصوري حاكم شيراز جنوب إيران الحالية. وأيضا للعلاقة بين الحاكم والغوغاء، والنتيجة الكارثية لخضوع الحاكم لهم. وفي التفاصيل التي يذكرها ابن عربشاه أن تيمورلنك بعد أن أخضع خراسان «لما صفت له بلاد خراسان، وأذعن لطاعته كل قاص ودان، راسل شاه شجاع سلطان شيراز وعراق العجم، يطلب منه الطاعة والانقياد وإرسال الأموال والخدم، ومن جملة كتابه وفحوى خطابه، إن الله تعالى سلطني عليكم وعلى ظلمة الحكام والجائرين من ملوك الأنام، ورفعني على من باراني، ونصرني على من خالفني وعاداني، وقد رأيت وسمعت فإن أجبت وأطعت فبها ونعمت، وإلا فاعلم أن في قدومي ثلاثة أشياء، الخراب والقحط والوباء وإثم كل ذلك عائد عليك».
ويبدو من خطاب تيمور أنه راض بكونه آلة للدمار القتل والخراب، لا شيء آخر، ولا يزين ذلك بخطاب حول نشر الحق والعدل، أو تحضير المتوحشين، أو نشر الديمقراطية من خطابات غربية سمعناها في القرون اللاحقة. أدرك شاه منصور حاكم شيراز، أن ميزان القوى مختل لصالح تيمور، الذي يتقدم كالعاصفة الهوجاء بعدد هائل من الجنود، وأن لا قبل له بمجابهته بالطرق التقليدية، لا عدة ولا عددا. ولم يكن في نيته الاستسلام. فبعد إمعان التفكير قرر أن يقاوم بطريقة مبتكرة، سميت في ما بعد باسم «حرب العصابات» وصار لها منظرون وأشهرهم غيفارا والجنرال جياب، «جمع رؤساء شيراز وأجنادها وأفلاذ أكبادها وأولادها وقال، إن هذا عدو ثقيل وهو وإن كان خارجيا فهو في بلادنا دخيل» وهذه ميزة لابن البلد، فهو يعرف الأرض والطرق والمداخل والمخارج. وتابع شاه منصور «فالرأي أني لا أنحصر معه في مكان ولا أقابله بضراب وطعان» بل أتنقل في الجوانب، وأتسلط أنا ورعاياي عليه من كل جانب، فنصفع أكتافه ونقطّع أطرافه ونواظبه في النهار، ونراقبه في الليل، ونعد له ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل، فكلما وجدنا منه غرة كسرنا منه القفا والغرة، فتارة ننطحه وأخرى نرمحه، وكرة نجرحه، ومرة نجدحه ونسلبه الهجوع ونمنعه الرجوع، فتشتد عليه المضايق، وتنسد عليه الطرق والطرائق غير أن القصد منكم يا أحرار، ويا نمــــور النفار، ونسور النقار، أن تحتفظوا بضبط الأسوار، ولا تغفــلوا عنها آناء الليل وأطراف النهار، فإني ما دمت بعيدا عنكم لا يدنو أحد منهم منكم، وإن حاصروكم ففيكم كفاية وأستودعكم الله وهو نعم الوقاية». وكلام شاه منصور يحدد نمطا من استراتيجية حرب العصابات، يقوم على المزج بين القوات السريعة خفيفة الحركة لتي تضرب على الأجناب والمؤخرة، وتقطع طرق الإمداد في أوقات مختلفة، كما تنصب الكمائن وتستهدف نقاط ضعف الخصم، مع وجود قواعد حصينة ثابتة لا يمكن التراجع عنها.
لكن الأمور لم تكتمل مع شاه منصور، فالغوغاء كانوا له بالمرصاد فقد اتهمته عجوز، أنه حكمهم وقت الرخاء، وفرّ وقت الحاجة إليه ليتركهم فريسة للغزاة، «بينما هو عند باب المدينة واجهته سعلاة من مشؤومات العجائز، فبادرته بالملام وآذته بالكلام ونادت بلسان الأعجام انظروا إلى هذا، رعى أموالنا وتحكم في دمائنا وفارقنا أحوج ما نحن إليه في مخاليب أعدائنا، جعل الله حمل السلاح عليه حراما، ولا أنجح له قصدا ولا أسعف له مراما». أثار خطاب العجوز الغوغائي غضب شاه منصور ففقد حكمته «فقدحت زناده وجرحت فؤاده، وتأججت نيران غضبه، وأحرق أكداس تدبره شواظ لهبه، وثارت نفسه الأبية، وأخذته حمية الجاهلية، حتى ذهب لب ذلك الرجل الحازم، وغلط فأمسى وهو لغلطه ملازم، فثنى عنان عزمه، وكز أسنان أزمه، وأقسم لا يبرح عن المقاومة، ولا يرجع في مجلس القضاء ملازمة المصادمة، ويجعل ذلك دأبه صباحا وعشاء، إلى أن يعطي الله النصر لمن يشاء، ثم قابل، ورتّب أبطاله وقاتل» أي عاد إلى الحرب النظامية التي يتفوق فيها تيمورلنك تفوقا مطلقا. ونتيجة ذلك محسومة مسبقا رغم البطولات التي أبداها شاه منصور ومن ثبت معه «وكان في عسكر شاه منصور أمير خراساني مباطن لتيمور، يدعى محمد بن زين الدين من الفجرة المعتدين، وجل العساكر كان معه، فسار إلى تيمور، وأكثر الجند تبعه، فلم يبق منهم إلا دون الألف، فما فر واحد منهم من الزحف فثبت شاه منصور، بعد أن تضعضعت منه الأمور، فلم تزل نيران الهيجاء تنتطح، وزناد الحرب تورى، إذ تنقدح، وشرار السهام تتطاير، وثمار الرؤوس بمناجل السيوف تقطف فتتناثر، حتى أقبل جيش الليل، وشمر للهزيمة جند النهار الذيل، فتراجع كل منهم إلى وكره».

دمشق في المحصلة النهائية هي من صنع القسم الأكبر من الحضارة الإسلامية من الأندلس غربا عبر الهجرة الطوعية (اشبيلية هي حمص، وقرطبة هي دمشق) أو في شرق العالم الإسلامي عبر الهجرة الإجبارية للصناع والمهرة.

رغم بطولات شاه منصور، التي يفصل بشرحها المؤرخ الدمشقي ابن عرب شاه، الذي اصطحبه معه تيمور حين احتل دمشق في جملة من اصطحب من أرباب المهن والصناع، حتى خلت دمشق منهم «وأخذ من دمشق أرباب الفضل وأهل الصنائع، وكل ماهر في فن من الفنون بارع، من النساجين والخياطين، والحجارين والنجارين، والبياطرة والخيمية، والنقاشين والقواسين والبازدارية، وفي الجملة أهل أي فن كان.. وفرَّق هؤلاء الطوائف على رؤوس الجند، وأمرهم أن يوصلوهم له إلى سمرقند». فدمشق في المحصلة النهائية هي من صنع القسم الأكبر من الحضارة الإسلامية من الأندلس غربا عبر الهجرة الطوعية (اشبيلية هي حمص، وقرطبة هي دمشق) أو في شرق العالم الإسلامي عبر الهجرة الإجبارية للصناع والمهرة.
رغم خضوع شاه منصور للغوغاء، إلا أن عبقريته العسكرية تجلت في المعركة ضد تيمور، حتى كاد أن يهزمه «عمد إلى فرس جفول، من بين الخيول، أجمح من دهر رمح وأرمح من عصر جمح» ثم أتى بها معسكر العدو فربط في ذنبها قدرا من النحاس وشدها وأحكم وثاقها، وصوب رأسها نحو العدو وساقها، فجالت الفرس في المعسكر واضطربت، واختبطت الناس واحتارت وانسابت جداول السيوف في بطون تلك البحار وانسربت، حتى كأن الساعة اقتربت» وشاه منصور واقف حواليهم يراقب «قيل إنهم اقتتلوا في ما بينهم حتى فني نحو عشرة آلاف نفس» ولم يعلموا ما حل بهم حتى بزغ الفجر. لكن الكلمة النهائية كانت لميزان القوى المختل بشدة فقُتل شاه منصور وانتصر تيمور.
في هذا درس استراتيجي مفاده أن أعصاب القائد يجب أن تكون باردة، وأن لا يخضع للغوغاء الذين لا يدركون مآل الأمور، فهو يرى ما لا يرون ويعلم ما لا يعلمون.
في الكتاب نفسه نعثر أيضا على حوار نادر بين تيمورلنك الشيعي وعلماء دمشق السنة، «وبعد أن تمكن من دمشق جمع علماء الشام وبدأ يناقشهم في أمور السنة والشيعة يريد إحراجهم»… وما مضى بينهم في تلك القرون الخالية، ومنها أمور يزيد وما يزيد، وقتله الحسين السعيد الشهيد، وإن ذلك ظلم وفسق بلا نكر، ومن استحله فهو واقع في الكفر، ولا شك في أن ذلك الفعل الحرام، كان بمظاهرة أهل الشام، فإن كانوا مستحليه فهم كفار، وإن كانوا غير مستحليه فهم عصاة وبغاة وأشرار، وأن الحاضرين على مذهب الغابرين» فكانت الإجابة المفحمة من أحد علماء دمشق فعرف بنفسه «أما أنا فنسبي متصل بعمر وعثمان، وأن جدي الأعلى كان من أعيان ذلك الزمان، وحضر تلك الوقائع، وخاض هاتيك المعامع، وكان من رجال الحق وأبطال الصدق، ومما تواتر من فعله، ووضع الشيء في محله، أنه توصل إلى رأس سيدنا الحسين، ونزهه عما حصل له من ابتذال وشين، ثم نظفه وغسله، وعظمه وقبله، وطيبه وبجله، وواراه في تربة، وعد ذلك عند الله تعالى من أفضل قربة، فلذلك أيها الغام الصيب كنوه بأبي الطيب». وتابع «يا مولانا الأمير، فتلك أمة قد خلت، وهموم وغمام غيومها انجلت، وبما جرعت انقضت، وبما أذاقت مرذت أو حلت، وفتن أراحنا الله إذ أزاحنا عنها، ودماء طهر الله سيوفنا منها، وأما الساعة، فاعتقادنا اعتقاد أهل السنة والجماعة فلما سمع هذا الكلام ( تيمورلنك ) قال يا لله العجب! وما سميتم بأولاد أبي الطيب إلا لهذا السبب، قال نعم، ويشهد لي بذلك القاصي والداني، وأنا محمد بن عمر بن محمد بن أبي القاسم بن عبد المنعم بن محمد بن أبي الطيب العمري العثماني «عندها لم يعد لدى تيمور ما يقوله في هذا الباب. لكنه عاد وسألهم «سؤال إضرار ونكايــــة، فقال ما أعلى الرتب، درجة العلم أو درجة النسب؟ فأدركوا قصده وفهموا، ولكن عن رد الجواب وجموا، وعلم كل منهم أنه قد أبتلي، فابتدر الجواب القاضي شمس الدين النابلسي الحنبلي، وقال درجة العلم أعلى من درجة النسب، ومرتبتها عند الخالق والمخلوق أسنى الرتب، والهجين (أمه أمة أو غير عربية) الفاضل يقدم على الهجان (نقي النسب) الجاهل، والمقرف (عكس الهجين) المنيف أولى للإقامة من النسيب الشريف، والدليل في هذا جلي، وهو إجماع الصحابة في تقديم أبي بكر على علي، وقد أجمعوا أن أبا بكر أعلمهم، وأثبتهم قدما في الإسلام وأقدمهم، وإثبات هذه الدلالة، من قول صاحب الرسالة لا تجتمع أمتي على ضلالة». لم يبدر عن تيمور ما يسيء للشيخ النابلسي بعد هذا الجواب المفحم، سوى انه أمر أن لا يدخلوه عليه.

٭ كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية