حرب القوى ورجل أوروبا المريضة

يؤكد الفيلسوف والمنظِّر الاجتماعي ومؤرخ الأفكار الفرنسي ميشيل فوكو
(1926- 1984) أن التاريخ يعيد نفسه؛ فالتاريخ عبارة عن حلقات غير مكتملة، ومتصلة ببعضها بعضا كما لو كانت زنبرك. فلو كانت الحلقات مكتملة، لتكررت أحداث بدون أن يطرأ عليها أي تغيير، كما لو كان هناك مشهد عبثي تتم إعادته وتكراره. لكن عدم اكتمال حلقات التاريخ ـ أو بالأحرى حقب التاريخ ـ هو ما يعطي الفرصة لتغيير الشخوص والأماكن والظروف، لكن مع تكرار السيناريو نفسه، بدون تغيير؛ ليكون علامة فارقة تحدث نقلة نوعية لأبطال حقبة ما. وأحد سيناريوهات التاريخ دائمة التكرار في مشهد عبثي، هو تفكيك قوة مهيمنة بعد وصفها بالمرض. ففي منتصف القرن التاسع عشر ابتكرت أوروبا مصطلح «رجل أوروبا المريض» Sick Man of Europe لتنعت به الإمبراطورية العثمانية آنذاك. ففي عام 1853، أفضى قيصر روسيا نيكولاس الأول للسفير البريطاني جي. إتش. سيمور في أعقاب حرب القرم، التي استمرت ثلاث سنوات من 1853- 1856 والتي فيها خسرت أوروبا القيصرية، أمام التحالف المقام بين الإمبراطورية العثمانية، وبريطانيا وفرنسا وسردينيا. وكانت «حرب القرم» من الحروب ذات الأهداف المتخبطة، وأكثرها وحشية. وبالفعل انتهت الحرب بهزيمة روسيا، وكذلك إضعاف الطرف العثماني لأقصى درجة. ومن ثم، صرح نيكولاس الأول «يبدو أن تركيا تتداعى، فإن السقوط سيكون مصيبة كبيرة. من المهم جدًا أن تتوصل إنكلترا وروسيا إلى تفاهم جيد تمامًا… ويجب على أي منهما عدم اتخاذ أي خطوة حاسمة إلا بموافقة الطرف الآخر». ومنذ تلك اللحظة، بدأ بالفعل اتخاذ خطوات أوروبية، لتفكيك وحدة «رجل أوروبا المريض»، أو «الإمبراطورية العثمانية» التي بالفعل تفككت بعد الحرب العالمية الأولى.
وفي ما بعد، تم تداول هذا المصطلح لينعت به أي دولة أوروبية تمر بوقت عصيب، يجعلها على أعتاب ضائقة اقتصادية، قد تفضي بها إلى فقر وشيك. وكانت أولى الدول الأوروبية التي نالت هذه التسمية، بريطانيا ذاتها في الفترة الممتدة بين ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، عندما تدهورت قيمة الجنيه الإسترليني بسبب تدهور أدائها الصناعي والاقتصادي، مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى. ولم تكن بريطانيا أول رجل مريض لأوروبا، حيث تواجدت دول أخرى، تم نعتها بذلك، مثل البرتغال عام 2007، وفرنسا عام 2014، واليونان عام 2008، وروسيا عام 2006. لكن أيضاً ـ وللمرة الثانية ـ تم نعت بريطانيا بـ»رجل أوروبا المريض» في صيف عام 2016 في أعقاب التصويت على خروجها من الاتحاد الأوروبي. وقد طالت هذه التسمية ألمانيا عام 1990، في أعقاب الاضطرابات الاقتصادية بعد إعادة توحيدها. أما إيطاليا، فتم وصفها بذلك عام 2008 ، بعد حالة الجمود التي أردفت الانتخابات الإيطالية، وفي عام 2018، وصفتها دول الاتحاد الأوروبي بـ»بالرجل المريض حقاً في أوروبا» مشيرة بذلك إلى الصعوبات الهيكلية والسياسية لإيطاليا التي تعوق الإصلاحات الاقتصادية والنمو الاقتصادي.
وبمرور الأيام، يبدو للعيان أن المملكة المتحدة لم تحد عن الصواب، عندما صممت على الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، فقد انسلت بعدما تيقنت من أن ذلك الاتحاد الاقتصادي والسياسي في طريقه للمرض الشديد، علماً بأن الاتحاد الأوروبي يضم 28 دولة أوروبية، وتتهافت دول أخرى على الانضمام له من أجل حرية التجارة والتنقل بين دول «الشنجن» Schengen، على الرغم من أن بريطانيا كانت أول دولة انضمت لاتحاد أوروبي عام 1973 وكان يعرف باسم «الجماعة الاقتصادية الأوروبية».

أزمة جائحة كورونا هي بالفعل الحرب العالمية الثالثة، التي عملت على إزالة الأقنعة، والإطاحة بالقوى المتعارف عليها في ما صار حالياً يعرف بالعالم القديم.

أما إيطاليا، فلم تعِ هذا الدرس مبكراً مثل بريطانيا، فقد كانت من أشد الدول حماساً لإنشاء الاتحاد الأوروبي عام 1993. ولم تكن تشعر بالحرج عندما تم نعتها مرتين بـ»الرجل المريض حقاً في أوروبا»؛ لأنها لطالما اعتقدت أن الاتحاد الأوروبي قادر على مساندتها وقت الحاجة، في حال تدهور حالتها الاقتصادية. ومن ثم، لم تشعر إيطاليا بغضاضة عندما كانت تدفع وحدها فاتورة اللاجئين، بل تستقبل اللاجئين الذين تطردهم فرنسا. إلى أن جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير، ففي وقت الضائقة الحقيقية، التي عصفت بأرجاء إيطاليا بعد تفشي وباء كورونا في ربوعها، مهدداً بالعصف باقتصادها واستقرارها على نحو شامل. وكانت المفاجأة عندما تجــــاهـــلت دول الاتحاد الأوروبي استغاثة دولة شدــــيدة الموالاة له، وآثـــرت كل دولــــة الاهتمام بشؤونها الداخلية متخذة تحت ذريعة، أن منطقة الاتحاد الأوروبي تمر بقلاقل اقتصادية.
وفي ما يبدو أن حرب كورونا هي بمثابة «حرب قرم» أخرى، ظهرت فيها إيطاليا مثل الإمبراطورية العثمانية، فكلاهما يجاهد لإنقاذ الوطن. ولم تكن تلك هي الضربة الأخيرة الموجهة لإيطاليا من قبل دول الاتحاد الأوروبي، فبعد تفشي وباء كورونا على الصعيد العالمي بأكمله، وتمركزه في أوروبا على وجه الخصوص، استحلت إحدى الدول الاستيلاء على شحنة أدوات طبية آتية إلى إيطاليا، متخذة من احتياجها لهذه الأدوات في ظل الأزمة ذريعة، على الرغم من تجاهل دعم إيطاليا بالمساعدات الاقتصادية اللازمة في ظل وقوع إيطاليا في ما يشبه حربا عالمية ثالثة، على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي قائم على تحالف اقتصادي وسياسي لمساندة الدول الأعضاء.
وبعد تلاشي نظرة إيطاليا للاتحاد الأوروبي، نجدها لا تنفك تندد بسياسته الغاشمة تجاهها، التي لولاها ما كان للوباء أن ينتشر ليس فقط في ربوع أوروبا، بل في باقي دول العالم أجمعها. ولم يكتف الاتحاد الأوروبي بموقفه الأناني وحسب، بل إنه يندد بكل من يمد يد العون لإيطاليا في ضائقتها، مثلما فعل عندما قدمت روسيا يد المساعدة لإيطاليا. ومن الواضح، أنه انبلج في نهاية المطاف أن «المريض الحقيقي في أوروبا» هو الاتحاد الأوروبي الذي – كالإمبراطورية العثمانية ـ يجاهد في أن يحفظ ماء وجهه، رغم ضعفه وعدم جدواه، وأن يحافظ على وحدته، في ظل ما يجابهه من صعوبات تمنعه من الاستمرار؛ ليعطي بعضاً من الحيوية لقارة أوروبا العجوز.
أزمة جائحة كورونا هي بالفعل الحرب العالمية الثالثة، التي عملت على إزالة الأقنعة، والإطاحة بالقوى المتعارف عليها في ما صار حالياً يعرف بالعالم القديم. ويظل أمر استمرار أو تفسخ الاتحاد الأوروبي هو المسألة الشائكة المطروحة، التي لن ينزاح الستار عنها إلا في نهاية الجائحة. ولكن بعد الأزمة، هل ستدخل القارة العجوز في طور الاحتضار؟ تساؤل لن تتم الإجابة عنه إلا في الفترة المقبلة.

٭ كاتبة من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية