حرب النفط: تحالف سعودي ـ أمريكي ضد روسيا في التوقيت الأسوأ

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

حرب النفط الحالية التي بدأتها السعودية ضد روسيا، فأصابت العالم كله، بما فيه مملكة النفط السعودية نفسها، جاءت في أسوأ توقيت، بينما يعاني الاقتصاد العالمي من تداعيات الحرب التجارية الأمريكية ضد الصين، ومن الخسائر الفادحة لوباء فيروس كورونا المستجد، ومن هشاشة النظام النقدي وضعف النمو. وتبدو خيارات المملكة السعودية في سوق النفط العالمية مدمرة بكل المقاييس. فهي في صنع الأزمة مع روسيا كانت تدعو إلى تخفيضات حادة في الإنتاج يمكن أن تسقط الاقتصاد العالمي في هاوية الكساد. وعندما فشلت في الحصول على موافقة روسيا، فإنها انتقلت إلى الخيار النقيض، وهو إغراق السوق بالنفط الرخيص بكميات تتجاوز طاقة الإنتاج الحالية لشركة أرامكو، وتعهدت بزيادة طاقة الإنتاج لتحقيق الهدف المعلن، وكأنها تتعمد دفع العالم إلى الهاوية أيضا، بعد أن فشل خيارها الأول. نقول إن خياري السعودية في سياستها النفطية تجاه العالم هما خياران فاسدان، يمكن أن يقذف اي منهما بالعالم إلى هاوية الانكماش والكساد. رفع الأسعار بالتخفيضات الحادة يدفع إلى كساد، وإغراق السوق بالنفط الرخيص فجأة يدفع إلى كساد.

الأسوأ بعد التوقيت هو أن الحرب النفطية لم تعد محصورة داخل نطاق خلاف على كميات الإنتاج بين السعودية وروسيا، وإنما بدأت تتجلى في شكل حرب جيواستراتيجية، تستهدف منها السعودية حصار حصة روسيا في أسواق النفط العالمية، واقتحام أسواق البترول والغاز الروسي في أوروبا، التي تعتمد اعتمادا كبيرا على الإمدادات من سيبيريا بواسطة شبكتين رئيسيتين لخطوط الأنابيب أحدهما للنفط والأخرى للغاز. صاحب المصلحة الرئيسية في إخراج روسيا من سوق الطاقة الأوروبية ليس مملكة التقط السعودية، وإنما هو دونالد ترامب الذي لم يتوقف عن تهديد أوروبا بسبب وارداتها من النفط والغاز من روسيا، وعندما لم تفلح التهديدات قرر فرض عقوبات على البنوك والشركات التي تشارك في إنشاء خط أنابيب نقل الغاز الجديد من روسيا إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق والمعروف بخط الشمال – 2. دونالد ترامب في حقيقة الأمر يريد من أوروبا ان تشتري النفط والغاز من الولايات المتحدة وليس من روسيا. السعودية هنا تلعب دور مخلب القط لصالح الولايات المتحدة. ويتضح من حملة تأجير ناقلات نفطية عملاقة لتخزين ونقل النفط السعودي الرخيص عبر البحار، أن السعودية تستهدف السوق الأوروبي بالأساس. بمعنى آخر هي تريد إزاحة روسيا من هذه السوق، بصرف النظر عمن ستسقط الجائزة في سلته.

بداية الحرب

في 7 اذار/مارس عام 2020 قررت السعودية شن حرب نفطية عالمية على روسيا وغيرها من مصدري النفط داخل وخارج اوبك، وذلك بعد انهيار مفاوضات فيينا في اليوم السابق. أوبك وحلفاؤها فشلوا في التوصل إلى اتفاق جديد بزيادة التخفيضات بمقدار 1.5 مليون برميل يوميا عن مستواها المقرر حتى نهاية الربع الأول من العام بواقع 2.1 مليون برميل يوميا. وكان وراء انهيار المفاوضات مواجهة حامية بين وزيري النفط السعودي والروسي، على أرضية صراع يبدو أنه أكبر كثيرا من مجرد خلاف على كمية التخفيضات المطلوبة.

روسيا كانت قد تضامنت مع أوبك منذ العام 2016 في تخفيضات للإنتاج وصلت إلى حوالي 2.1 مليون يوميا. لكن توقعات نمو الطلب العالمي على النفط للعام الحالي بواسطة أوبك هبطت من أكثر من مليون برميل يوميا إلى أقل من مليون، ثم إلى أقل من 60 ألف برميل يوميا، بينما قدرت وكلة الطاقة الدولية أن الطلب سينخفض هذا العام بنحو مليون برميل يوميا للمرة الأولى منذ عام 2009.

توقعات هبوط الطلب على النفط حركت الدعوة إلى تخفيضات جديدة للإنتاج تسري في الربع الثاني الأقل على أن يتم مراجعتها في أيار/مايو أو حزيران/يونيو 2020. السعودية تبنت الدعوة، وشاركت روسيا في المشاورات، وقرر بوتين أن يتخذ قراره بعد التشاور مع شركات النفط الروسية. هذه الشركات رأت أن التخفيضات التي تطلبها السعودية مبالغ فيها. وإزاء إصرار وزير النفط السعودي عبد العزيز بن سلمان، فشلت جولة المفاوضات الأخيرة بين مصدري النفط من داخل وخارج أوبك. ورفض الوزير السعودي التصريح بموقف بلاده بعد انهيار المفاوضات، وقال للصحافيين: سأجعلكم تتساءلون!

وفي اليوم التالي أعلنت الرياض الحرب النفطية على روسيا وبقية مصدري النفط، بالتصريح بزيادة إنتاج أرامكو إلى الحد الأقصى الممكن البالغ 12.3 مليون برميل يوميا خلال شهر نيسان/أبريل، بزيادة 2.6 مليون برميل يوميا، وبدأت حملة محمومة لاستئجار ناقلات نفطية عملاقة لنقل الإمدادات إلى كل أنحاء العالم. وبعدها انهارت أسعار النفط في الأسواق العالمية من أكثر من خمسين دولارا للبرميل إلى أعلى هامشيا من 30 دولارا وسط معاملات محمومة، وخسائر حادة لأسهم شركات النفط حول العالم. وقبل ان ينتهي الأسبوع الأول من تلك الحرب أعلنت دولة الإمارات العربية الانضمام إلى المملكة السعودية في حربها على روسيا، تماما كما فعلت في الشهر نفسه منذ خمس سنوات عندما انضمت للسعودية في حربها على اليمن. وأعلنت الإمارات انها ستزيد إنتاجها بحوالي مليون برميل يوميا على أمل أن تضاعف هذه الزيادة بتوسيع طاقة الإنتاج لشركة أدنوك. في اليوم التالي هبطت أسهم أرامكو بنسبة 10 في المئة وكذلك كل أسواق المال الخليجية، ثم جاء الدور على كل شركات النفط العالمية التي تكبدت خسائر خلال الأسبوع الماضي تراوحت بين 15 إلى 70 في المئة.

تضارب في الاستراتيجية

منذ تعرضت الدول المصدرة للنفط لأزمتها الأولى في الأسواق في ثمانينات القرن الماضي، وهبطت الأسعار هبوطا سريعا أصاب ميزانيات دول الخليج بالعجز، أصبحت أوبك أسيرة معضلة صعبة تتجدد من وقت لآخر. هذه المعضلة هي أن أوبك، في سوق مضطربة، يتعين عليها ان تختار بين حصتها في السوق، وبين مستوى أسعار بيع الخام. في مواجهة هذه المعضلة تصرفت أوبك وفقا لاستراتيجيتين متباينتين؛ إما تخفيض الإنتاج من أجل أسعار أعلى، وإما المحافظة على حصتها والتعايش مع سعر أقل.

وقد كان الاختبار الأخير بين هاتين الاستراتيجيتين في العام 2014 عندما توسعت الولايات المتحدة في تصدير النفط الصخري على حساب نصيب أوبك من السوق، وذلك في الوقت الذي كانت فيه الأسعار قد تجاوزت 100 دولار للبرميل، فاستفادت الولايات المتحدة من ذلك لأن الأسعار المرتفعة تجعل النفط الصخري أكثر ربحية. وقتها قررت أوبك الدخول في مواجهة مع النفط الأمريكي بإغراق الأسواق بالنفط الرخيص، مما أدى إلى هبوط الأسعار إلى حوالي 30 دولارا. لكن نظرا لأن هبوط الأسعار أصاب كل المنتجين بخسائر فادحة، فإن أوبك تراجعت عن اغراق السوق بالنفط الرخيص، وقررت الانتقال إلى استراتيجية تخفيض الإنتاج، لرفع الأسعار إلى المستوى الذي يلتقي مع أهداف الميزانيات الحكومية. واستمرت تلك الاستراتيجية موضع التطبيق بعد أن انضمت إليها روسيا أيضا عام 2016 بغرض تعزيز قوة أوبك في مواجهة النفط الأمريكي الرخيص. صحيح أن عددا من شركات النفط الصخري الأمريكية خرج من السوق، لكن إنتاج النفط الصخري استمر يتدفق إلى الأسواق ويوثر في مستويات الأسعار اليومية لتداول الخام على الرغم من حرب عام 2014.

هذه المرة في عام 2020 يأتي الانتقال إلى استراتيجية زيادة حصة أوبك في السوق بزيادة الإنتاج السعودي ثم الإماراتي أخيرا، وسط ظروف شديدة الصعوبة تمر بها أسواق النفط سواء في الشرق الأقصى أو في أوروبا الغربية، إضافة إلى الصعوبات الاقتصادية القاسية التي تمر بها كل من المكسيك والبرازيل وفنزويلا. وتتصرف السعودية في الأسواق مستندة على حقيقة أن تكاليف إنتاج النفط السعودي هي الأقل في العالم تقريبا. وتقدر أرامكو ان تكلفة إنتاج البرميل تبلغ حوالي 2.8 دولار، في حين ان بيوت الاستثمار المستقلة تقدرها بما يتراوح بين 5 إلى 10 دولارات للبرميل. كذلك تتصرف السعودية داخل أوبك بمنطق انها (المنتج المرجح) الذي يتولى تعويض نقص الإمدادات او توقفها لأي سبب من الأسباب في أي دولة من دول أوبك، فهي تحصل على النصيب الأعظم من حصة إيران التي تخضع للعقوبات، وحصة ليبيا التي يتأرجح إنتاجها تحت ضغوط الحرب.

المنافسة الثلاثية

تعاني سوق النفط من منافسة ثلاثية الاتجاه بين كل من أوبك وعلى رأسها السعودية، وروسيا والولايات المتحدة. ولكل طرف من الأطراف الثلاثة مصالحه الاقتصادية والجيوسياسية المختلفة عن الآخر. وتتمثل أهم أهداف السعودية في تأكيد سيطرتها على أوبك إلى درجة اعتبارها أداة من أدوات تحقيق أهداف سياساتها الخارجية والاقتصادية. وتجادل السعودية بأنها تستطيع أن تتعايش مع أي سعر للنفط مهما انخفض بما لا يقل عن تكلفة الإنتاج، التي تقدرها عند مستوي أدنى يبلغ 2.8 دولار للبرميل. لكن صندوق النقد الدولي يقدر ان تحقيق التوازن المالي للميزانية السعودية يحتاج إلى سعر للنفط لا يقل عن 83 دولارا للبرميل، كما تقدر شركات النفط الدولية، ومنها شركات تعمل مع أرامكو، تكلفة الإنتاج بما يتراوح بين 5 إلى 10 دولارات. وقد أظهر استخدام استراتيجية إغراق السوق بالنفط السعودي الرخيص فشلا ذريعا في عام 2014 وهو ما أكدته أيضا التطورات في الأسبوع الماضي. فلماذا تقدم السعودية على استخدام استراتيجية تؤدي إلى خسارة اقتصادية؟

في 2016 كان هدف التحالف السعودي الروسي هو إخراج النفط الصخري الأمريكي من المنافسة مع تقليل الأضرار التي يمكن أن تتعرض لها أوبك. الآن يبدو أن هدف التحالف السعودي-الأمريكي هو إخراج النفط الروسي من معادلة المنافسة في الأسواق. وحيث أن روسيا تستطيع مواصلة الإنتاج والتصدير حتى وإن انخفضت أسعار النفط إلى ما يتراوح بين 20 إلى 25 دولارا للبرميل، فإن هذا يعني في الوقت الحالي أن هبوط الأسعار إلى 30 دولارا للبرميل ليس هو نهاية حرب النفط السعودية على روسيا، وأن الحرب سوف تستمر حتى تهبط الأسعار إلى المستوى الذي يؤلم روسيا في صادراتها النفطية.

 وقد شهدت الأشهر الأخيرة، خصوصا منذ تغيير وزير النفط السعودي وطرح شريحة من أسهم أرامكو في السوق، ظهور تقارب من نوع جديد بين الولايات المتحدة وبين المملكة السعودية، ربما يكون قد أدى إلى تفاهم بموجبه تقوم السعودية بإغراق الأسواق بالنفط الرخيص، لإخراج النفط الروسي من المنافسة في السوق الأوروبية على وجه الخصوص. ومع أن النفط الصخري الأمريكي سيتأثر، إلا أن الحكومة الأمريكية ستتولى الاهتمام بهذا الأمر عن طريق حزمة من المساعدات للشركات المنتجة تتضمن اعفاءات وحوافز ضريبية، وتخفيض أو إلغاء الجمارك عن المعدات الرأسمالية المستوردة، وتقديم قروض بفائدة منخفضة وشروط ميسرة تعوض الشركات عن الخسائر التي ستلحق بها. إخراج روسيا من المنافسة يسهم أيضا في تعرية فنزويلا من الحليف الذي يقف معها ويساعدها في الالتفاف على العقوبات الأمريكية. وطبقا لما أعلنه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، فإن شركات النفط ستحصل على نصيب ضخم من كعكة حزمة المساعدات المالية التي تم إقرارها في الأسبوع الماضي وتبلغ 1.5 تريليون دولار.

هذه المصلحة الأمريكية تلتقي مع المصلحة السعودية في ممارسة شكل من أشكال الانتقام السياسي والاقتصادي من روسيا بسبب تضامنها مع إيران ومساعدتها للرئيس السوري بشار الأسد. كذلك فإن الانحياز للولايات المتحدة لإخراج روسيا من المنافسة في أسواق النفط العالمية من شأنه أن يمنح السعودية جائزة مهمة تتمثل في النفاذ إلى سوق النفط الأوروبية بمساعدة واشنطن. وقد رصدنا باهتمام حملة أرامكو الشرسة في السوق لاستئجار عدد من ناقلات النفط العملاقة، لتحميلها بالنفط السعودي واطلاقها كبضاعة حاضرة على ظهر الناقلة بخصم على أسعار البيع يخفض سعر البرميل إلى أقل من 25 دولارا. لكن المشكلة التي يمكن أن تواجهها السعودية هي أن معظم مرافق التخزين لدى المصافي الأوروبية مملوءة بالنفط فعلا، وأن معظم البلدان الأوروبية ترتبط بعقود طويلة الأجل لاستيراد النفط من بلدان أخرى منها روسيا والجزائر وليبيا، إضافة إلى نفط بحر الشمال ونفط النرويج. ولذلك فإن فرص النفط السعودي تتضاءل كثيرا في السوق الأوروبية، ويمكن أن تزيد فقط في حال انتعاش الطلب، لأن النفط والغاز من روسيا سيظلان الدعامة الرئيسية لسوق النفط في أوروبا عموما.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية