يكاد باراك اوباما يشترك مع العديد من ‘عظماء’ التاريخ الغربي، أمثال ستالين وهتلر ونابوليون، بميّزة طبعت شخصياتهم وأثّرت بالتأكيد في قراراتهم التاريخية.
لم يكن ستالين روسيّاً مثل لينين القائد الأشهر للحزب الشيوعي الروسي (السوفييتي لاحقاً) بل كان من جورجيا، التي تنازع الآن روسيا العداء الشديد وهي محتارة بعلاقتها مع ابنها ستالين فمرّة تخلع تماثيله ومرّة تنصبها، لأن ستالين أثناء قيادته الاتحاد السوفييتي، بالغ في تنصّله من أصله الجورجي، وفي التصرّف كروسيّ قحّ صميم وابتعد ما أمكن عن أصله، بل بالغ حتى في اضطهاد الجورجيين.
ولُد هتلر في النمسا البلد الذي يتحدّث الألمانية، لكنّه بالغ في ألمانيّته الى حد الجنون وكافأ بلده النمسا لاحقاً بغزوه.
وولد نابوليون في جزيرة كورسيكا، في السنة نفسها التي غزتها فرنسا بعد ان كانت جمهورية مستقلة وقبلها خاضعة لجنوى الايطالية والتي ما تزال حتى الآن تتحدث لغة اقرب للايطالية منها للفرنسية، ومثل ستالين وهتلر فإن نابوليون بالغ في فرنسيّته وابتعد عن جذوره الايطالية حتى عدّ الرمز الفرنسي الأكبر في العصور الحديثة.
غير أن مشكلة اوباما، ومشكلة العالم معه على ما يظهر، أن علاقته بالصورة العامة للأمريكي العادي ‘الواسب’ (اختصار كلمات: ابيض، انغلو ساكسوني، بروتستانت) غريبة ومتناقضة، فهو خليط من أمه البيضاء الانغلوساكسونية البروتستانتية مع أبيه الأسود الافريقي المسلم، ولذلك فهو شخص هجين، لا ابيض ولا أسود، لا انغلوساكسوني ولا افريقي، ليس مسيحياً ‘صافياً’ وليس مسلماً بالتأكيد.
قاتل ستالين وهتلر ونابوليون من أجل الأمم الكبيرة التي قرّروا الانتماء إليها وبالغوا في ذلك مبالغة شديدة جعلتهم في تناقض وحرب دائمة مع أصولهم التي جاءوا منها، أما أصل اوباما الحائر فانعكس حيرة عليه وعلى العالم.
يمكن للمحللين السياسيين الحرفيين ان يعزوا مواقف اوباما السياسية بتحليلات من قبيل اعتبارها انعكاساً لظرف أمريكا بعد حروب بوش الابن الفاشلة في افغانستان والعراق وبأن نزعته ‘السلميّة’ تعبير موضوعي عن هذا الفشل والرغبة في الكفّ عن شنّ الحروب، وبأن القرارات في امريكا تصدر عن ‘المؤسسة’ أكثر من الفرد، لكنهم يتجاهلون بذلك الدور الخطير لرئيس الولايات المتحدة، كما يتجاهلون أن ‘المؤسسات’ يقودها أفراد، فما بالك بفرد بمنصب بهذه الأهمية، وخصوصاً بعد ان استحضر الى ادارته أشخاصاً مثل كيري وهيغل يتفقون معه في تردده وتراجعه الدائمين؟
حين ثار الشعب السوري ثورته العارمة ضد الاستبداد والطغيان توقّع من ادارة اوباما الأمريكية المحبّة للسلام في العالم أن تناصره، إن لم يكن حبّا بحقوق الانسان والسلام المزعوم، فكرهاً بأعداء أمريكا الذين توحّشوا في مدّ العون للنظام السوري بالسلاح والخبرة والرجال.
في هذا الاصطفاف السياسي العالمي الذي لم يختره السوريون تحمّلوا اشكالا من التهجم والأذى والتحاملات، من اليمين واليسار الغربيين، والعسكريتاريا العربية، والطائفيات المستحكمة، وكل ذلك بزعم ان النظام السوري ‘يعادي’ الولايات المتحدة، وبذلك تركهم كل هؤلاء فريسة لأمريكا التي لم تحمهم بل استضعفتهم وخذلتهم المرة تلو المرة.
مع استخدام النظام السوري لسلاح الابادة الجماعية الكيماوي على شعبه توقع السوريون أن تستفيق جينات السلام المسيحية عند اوباما، او تستفيق الخلايا النائمة لجينات العالم الثالث الافريقية المسلمة لديه، لكن كلا الجينات استفاقت لبرهة قصيرة ثم عادت للنوم.
أثناء غزوه مصر عام 1798 أعلن نابوليون اسلامه، وهو أمر لم ينجح في تحسين صورته مع المصريين، ليس لشكّهم في اسلامه ولكن لأن نابليون كان قائداً يدافع عن مصداقية فرنسا ومصالحها في العالم.
لا يتوقع السوريون بعد الآن ان يدافع الرئيس الامريكي عن حياتهم ومصالحهم ومستقبلهم ولكنهم يتساءلون: هل سيدافع اوباما عن مصداقية امريكا المتدهورة في العالم؟