حرب باردة بين بعبدا وحاكمية المركزي وخفض الرواتب ومخصصات المتقاعدين أحد جوانب التقشّف

سعد الياس
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعيشها لبنان، تسعى الحكومة إلى الخروج بقرارات إيجابية وبالعمل لإقرار خطة للكهرباء القطاع الذي يكلّف خزينة الدولة خسائر بقيمة ملياري دولار سنوياً. وينتظر اللبنانيون بأمل غير كبير نتائج الخطط ولاسيما أن كل الخطط والدراسات التي يوعدون بها لا تؤتي ثماراً بسبب الخلافات والتجاذبات السياسية وبسبب الإطاحة بالوعود ومن بينها قرار عدم التوظيف في الدولة.
وفي وجه من وجوه التجاذبات والحرب الباردة بين قصر بعبدا وحاكمية مصرف لبنان، برز الموقف الذي أطلقه وزير الاقتصاد منصور بطيش الذي وجّه انتقادا غير مسبوق لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة محمّلاً إياه مسؤولية التوجّهات الخاطئة للدولة بالتزامن مع استعداد مجلس الوزراء لتعيين نواب جدد للحاكم أو التمديد لهم ما يوحي برغبة دفينة لتغيير الحاكم. وقال بطيش «إن واقعنا الاقتصادي الحالي هو نتيجة التوجهات الخاطئة منذ أكثر من ربع قرن، وما عاد يكفي الاقتراض من الخارج والترقيع ولا التذاكي على حساب الناس والبلد». وأضاف «إلى الآن لم نطلع على تقرير شامل يوضح العمليات التي يقوم بها مصرف لبنان تحت عنوان الهندسة المالية. ما هي هذه العمليات؟ ولماذا تجري؟ وكم تبلغ تكلفتها؟ وهل نجحت بتحقيق أهدافها؟ وما هو أثرها على الاقتصاد والمالية العامة؟».
وكان سلامة قال قبل أسبوعين في مؤتمر عن الحوكمة «قبل الحرب اللبنانية، كان القطاع العام يشكل 17 في المئة من الناتج المحلي. أما اليوم، بات هذا القطاع يستأثر بـ 35 في المئة من الناتج المحلي، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بحجم لبنان، وتلقي مسؤولية كبيرة على عاتق قياديي البلد». وأضاف «تشكّل الإدارة الحكيمة وسيلة لخفض عجز الموازنة، لا سيما أنه بعد شهرين من تشكيل الحكومة، لم تبحث في برامج إصلاحية تضع لبنان على مسار إصلاحي، مع أن الأسواق تترقب ذلك، ما أثار ردود فعل سلبية تجسدت بارتفاع الفوائد.»
وفي ظل هذا التجاذب، بدأت الحكومة درس كيفية إتخاذ اجراءات تقشف مالية ونقدية بدءاً برواتب الوزراء والنواب تزامناً مع استمرار فتح ملفات الفساد.
وقد سألت «القدس العربي» الخبيرة الاقتصادية الإعلامية فيوليت بلعة عن رؤيتها للوضع الاقتصادي والمالي ومدى مساهمة الإجراءات في وقف التدهور وإعادة التوازن إلى مالية الدولة، وكان معها الحوار الآتي:
■ هل لبنان على عتبة الهاوية المالية؟ وما هي العلاجات؟
■ لا شك في ان ارتفاع سقف العجز العام إلى نحو 11 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، هو مؤشر خطير على عدم انتظام مالية الدولة اللبنانية، وخصوصاً في ظل الانفاق العام المفتوح الأفق وغير المنظم والمدروس لبلد مثل لبنان يعاني ديوناً كبيرة بلغت نحو 85 مليار دولار. لكن، لا يعني كل ذلك ان لبنان على عتبة الهاوية المالية، لان العلاجات هي محلية وتتمثل بسلّة إصلاحية يدرك المسؤولون أهمية تطبيقها ودورها في تصويب الانحرافات المالية الخطيرة، ولا تحتاج إلا إلى قرار سياسي يعبّر عن رغبة واضحة في تصويب أوضاع المالية العامة .ولا نغفل ان أموال «مؤتمر سيدر» أي الـ11 مليار دولار هي مشروطة بسلّة الإصلاحات التي التزمت بها الحكومة أمام الدول المانحة، وهي ضرورية كأحد العلاجات المطلوبة وتضاف إلى إجراءات عملية في الداخل تكفل ترشيد الانفاق ومكافحة الفساد وقفل مسارب الهدر المالي.
■ إلى أي مدى يمكن للتقشف ان يعيد التوازن إلى مالية الدولة؟
■ لا يمكن لاي دولة «مديونة» ان تسرف في تبذير موارد الدولة من دون حسيب أو رقيب. فلبنان توقف عن الانفاق وفق موازنات منتظمة لنحو 12 عاماً، وها هو اليوم يعود ليصدر موازنات لم تنطبق أي منها على الواقع. فالعجز المقدّر للعام 2018 بنحو 4 مليارات دولار، شارف الـ6.5 ملياراً حين أصدرت الدولة حساباتها المالية التي يفترض ان تطابق أو تدور في فلك ما كان توقعته. لذا، فان التقشف هو أحد الإجراءات الكفيلة بإعادة التوازن إلى مالية الدولة، وخصوصاً لجهة الانفاق على بنود «ايجارات» الوزارات والمؤسسات العامة، وسفر الوفود والمسؤولين، والهبات الممنوحة إلى الجمعيات والمؤسسات التي هي بمعظمها وهمية.
■ هل يمكن المسّ بسلسلة الرتب والرواتب وتخفيض أرقامها 25 في المئة؟ وهل تخفيض رواتب الوزراء والنواب كاف؟
■ قد تكون السلسلة بخفض 25 في المئة أحد الحلول التي تخضع للمناقشة، إضافة إلى تجميد منح المتقاعدين التعويضات والمخصصات التي تبلغ أرقاماً خيالية لم تلحظها دراسات الحكومة لدى إقرار السلسلة. فضلاً عن أن كلفة السلسلة تشكل فضيحة في حد ذاتها، إذ قدّرت بنحو 800 مليون دولار لدى إقرارها قبل الانتخابات النيابية، ليتبين لاحقاً أن كلفتها باتت توازي نحو 1.9 مليار دولار، مما يوحي بأن إقرارها كان شعبوياً ولغايات انتخابية محض.
■  بين وزير الاقتصاد وحاكم مصرف لبنان ماذا يحصل ولماذا هذا الانتقاد لرفع الفوائد والهندسات المالية ومن هو على حق بطيش أم سلامة؟
■ من المستغرب ان يصدر وزير في حكومة مواقف حادة وعلناً لسياسة حاكم مصرف لبنان، الذي حاز تقدير المجتمع الدولي مراراً وتمّ تكريمه على هندسات مالية وإجراءات قام بها لمنع لبنان من الانزلاق إلى الانهيار.
وليس جديداً ان ثمة من يعارض سياسة التثبيت النقدي ويعتبرها مكلفة على الاقتصاد، إلا أن التجارب القريبة، مثل مصر وتركيا، تؤكد ان إضعاف العملة الوطنية يحدث زلزالاً اقتصادياً ومعيشياً لا يمكن ضبطه إلا بوصفات تقشفية قاسية وصارمة من مؤسسات المجتمع المالي، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
من المؤكد ان اتهام الحاكم رياض سلامة يدور في فلك المعارضين لسياساته النقدية، لكن الجميع في لبنان يدرك أن سلامة تدخّل لإنقاذ الاقتصاد من الركود منذ 7 أعوام، حين أصدر رزمات دعم لقروض تطال قطاعات أساسية من الاقتصاد، وأهمها الإسكان لايمانه بأهمية الاستقرار الاجتماعي. لكن، بما ان الانزلاق المالي مستمر، فقد وصلت البلاد إلى وضع مالي صعب، استحال معه الاستمرار بتلك السياسات. فكان تحميل سلامة وزر وقف قروض الإسكان. لكن، هل هو المسؤول عن توظيف ما بين 5 إلى 15 ألف شخص في القطاع العام لأغراض انتخابية، مما وسّع حصة الأجور والرواتب إلى نحو 35 في المئة من أموال الخزينة العامة؟ وهل هو المسؤول عن فشل وزارة الطاقة في معالجة ملف الكهرباء الذي يكلّف الدولة نحو ملياري دولار سنوياً؟ وهل الوزير منصور بطيش القادم من القطاع المصرفي، المتهم الأول بالاستفادة من الهندسات المالية، هو غريب عن طبيعة تلك الهندسات، ولا يدرك موقف المصارف من اقراض الدولة أو حتى من سياسة الفوائد التي تطبقها المصارف؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية