حرب تموز و كي وعي الجندي الاسرائيلي

حجم الخط
0

محمد نعمة

ان تصدعات جبروت الردع الاسرائيلي لم تظهر في حرب صيف 2006 ولو انها هي تلك الحرب التي انجزت نهائيا انهياره. لقد بدات مظاهره الاولي في تخلي اسرائيل القسري عن جنوب لبنان عام 2000، ومن ثم عجزها عن التحكم في مسار او مصير انتفاضة فلسطينيي الارض المحتلة والتي اندلعت بُعيد تحرير جنوب لبنان الذي شحذ همتها ورفدها بكلمة السر. ان فقدان سطوة الردع وبانسياقه كان يتماشي مع ازمة فساد مدوية في اسرائيل تنخر طبقتها الحاكمة في مستوييها السياسي والعسكري، مما ولَّد ازمة انطواء لدي مواطنيها وتدني معنوياتهم وانعدام الثقة بقيادتهم. ثم اتت حرب تموز (يوليو) بمسارها المحبط ونتائجها المخيبة لآمال المواطن الاسرائيلي لكي تؤكد له صدقية ريبته التشاؤمية من حكامه وصحة تشاؤمه السوداوي تجاه مستقبل دولته. ان الفساد والعجز عن ايجاد حلول لازمات تدهور التفاوت الاجتما ـ اتني من جهة وجهوزية وفعالية اداء المقاومة اللبنانية من جهة اخري اديا عند سبعة من كل عشرة اسرائيليين الي فقدان ثقتهم في قيادتهم علي مواجهة التحديات وتراجع معدلهم نحو نسبة 55% فقط من المواطنين الذين يؤمنون بان اسرائيل ستستمر في الوجود بعد ان كانوا بحدود 65% قبل خمس سنوات. هنا الاحصاءات هي مقتبسة من موقع عرب 48 الالكتروني.

ان اسرائيل قد دخلت الحرب دون تجهيزات او تحضيرات فعلية تذكر لحماية مدنييها ولمواقعها الزراعية والصناعية. ان الجبهة الداخلية لاسرائيل وكما بدت ابان الحرب، قد كانت مكشوفة امام ضربات الخصم وهشة الاستعداد والتنظيم. وما الكلام حاليا في تل ابيب عن نفقات هائلة ومن مليارات الشيكلات لبناء الملاجئ ومنظومات صواريخ مضادة للصواريخ ما هو الا عملية امتصاص نقمة الجمهور من جهة واستيعاب طارئ لاولي الصدمات والتي تلقتها علي يد المقاومين اللبنانيين الذين برعوا في تطبيق معادلة التماثل في انزال اللكمات والاوجاع. ان صحيفة يديعوت احرنوت العبرية وعشية مرور سنة علي عدوان تموز (يوليو) تؤكد بان هذه الحرب قد تركت امراضا خطيرة في صفوف الجيش الاسرائيلي، والتي تزداد حدة مع الوقت، بينما لا يستطيع الجيش التغلب عليها. فالجيش يستطيع ان يدرب وان يملأ المخازن بالسلاح المتطور، وان يضع الخطط العملانية المذهلة، ولكنه لا ينجح في معالجة السويداء والتصور الذاتي الهابط والذي يعاني منه عناصر الجيش النظاميون منذ الحرب. ان الارقام التي تتوالي علي قيادة اركان الجيش الاسرائيلي تؤكد علي مسألة واحدة وهي الاحساس بالمهانة المولدة للكآبة لدي هذا الجيش وفي كافة قطاعاته وهرميتها. واضافة علي ذلك تشير المعطيات (نفس المصدر المقتبس اعلاه) الي انه في عام 2005، وعلي سؤال هل تعتبر ان الخدمة العسكرية مهنة رفيعة، فان 61% من الجنود النظاميين ردوا ايجابا، الا انه بعد الحرب اي في عام 2007 فان 26% فقط منهم ردوا بالايجاب، وايضا 33% فقط من الجمهور اجابوا بانها مهنة رفيعة. وتبين الارقام ايضا انه في عام 2005 كان يعتقد 50% من الجنود ان صورتهم الدعائية جميلة جداً، اما في سنة 2007 فقد رد بالايجاب 15% فقط. لكن الاكثر خطورة في هذه المعطيات هو اولا ان المئات من صغار الضباط يرفضون التوقيع علي الخدمة النظامية، فهناك نقص في المواضيع التكنولوجية المساندة للحرب. وثانياً انه وبينما كان التنافس في الماضي علي المنصب يجري بين اربع ضباط، فان ضابطاً او اثنين، في احسن تقدير، يتنافسان الآن علي المنصب. وهو ما يسيء الي المستوي النوعي للمنصب. والاكثر من هذا كله، فان الاحصائيات الاسرائيلية لسنة 2007 تشير الي ان التهرب والتسريب من الخدمة العسكرية لدي المجندين يتجاوز 42%. واخيراً هل ثمة بلاغة اكثر تعبيرا عن عمق السوداوية التي تنهش بهذا الجيش حاليا، وهي عندما تؤكد ارقامه بان كل ضابط من اثنين من ضباط سلاح الطيران، درة التاج الفعلية لسطوة اسرائيل الحربية كان، وبُعيد انتهاء الحرب، قد رغب بالعودة نهائيا الي البيت.

ان القراءة الاولي للقلق وللسوداوية وللتبخيس الذاتي التي اصابت شخصية الجندي الاسرائيلي اثناء وبُعيد حرب تموز (يوليو)، تبدو مرتبطة باخفاقات جيشه في القيام بما تسميه قيادة اركانه كي وعي المقاومين اللبنانيين، اي انزال الرعب بهم وشلهم نفسيا وشعوريا كمقدمة للتقدم وللاقتحام من اجل قضم ثم هضم الدفاعات المشلولة او المستسلمة. والصحيح ايضا هو ان الجندي الاسرائيلي قد وقف مشدوها، مضطربا ومحبطا امام عجز جيشه عن الامساك حتي بالحافة الامامية لميدان المواجهة وعدم قدرته علي نصب علمه علي اي حائط ساحة مدمرة لاية قرية محاذية للحدود. لكن التمعن اكثر في المسالة يكشف لنا ان احباط الجندي هذا له جذر هوامي، اسطوري قد ارتطم بواقع قاس، بحيث ان الاحباط هو عموما التعبير عن وضعية نفسية اكثر تعقيدا واشكالية منه، والتي هي عبارة عن مسرح يتقاسمه طرفا نزاع شديدا البنية والحراك. الطرف الاول وسنرمز اليه بمبدأ اللذة وهو يستمد اشباعاته من الخلط الدائم او بالاحري التساوي الدائم بين الواقع وهواماته، بين الاحداث الفعلية واسطورتها الخرافية. والطرف الثاني وسنرمز له بمبدأ الواقع وهو ذاك النشاط النفسي الذي يعكس الواقع باستقلاليته وبتاثيراته وبالمخاطر المحدقة في حالة مواجهته. فنتيجة لهذا النزاع النفسي فإن الاحباط يتقدم ويتمظهر، خصوصاً حالما انكار الواقع يضعف ويتهاوي امام معوقات وصعوبات الواقع من جهة وامام ضغط الرغبات (هنا النرجسية والعدوانية) اللاواعية والتي لا تلين. في اطار علم النفس العيادي، وعلي المستوي المستجد في شخصية الجندي الاسرائيلي، فإن الاحباط يعكس العجز عن استمرارية البقاء في ظل مبدأ اللذة والفشل في اعادة نسج العلاقة بين الواقع المؤلم (سياق حرب تموز ـ يوليو) وهوامات السيطرة عليه. وبالتالي يمكننا القول بان الاحباط يعكس فعليا جرحا نرجسيا حادا قد اصاب هذا الجندي وياخذ شكل الكآبة او الهبوط في قيمة الذات. لان هذا الجندي قد تاسس هواميا وعقليا علي مجموعة احكام (منها انسحاق الآخر امام جبروت الذات) قد شكلت له ارضية متوازنة تسمح له باشباع متطلباته السيادية والنرجسية (تدخل في اقتصاد التوازن) وغرائزه في السيطرة (غريزتي العدوانية والتدمير) الخاصة انتروبولوجيا بالمعطي النفسي لدي المحارب الاسرائيلي.

يمكننا الاعتقاد عياديا وانتروبولوجيا، بان التوازن النفسي الاسرائيلي بشكل عام ولدي الجندي بشكل خاص يقوم علي: ـ وجود عقيدة متماسسة علائقيا ونفسيا تقوم اولا علي غلو التوظيف الوجداني للسطوة التدميرية للجيش الاسرائيلي وثانيا علي مشاعر الاضطهاد الاصلية، بحيث ان الصورة البدائية للقلعة الشاهقة والعالية التحصين والمسيطرة علي اعدائها الهمجيين المحاصِرين لها من كل جانب تبقي محورية في كافة العلاقات الداخلية ومع الخارج. وبالتالي ان الرعب يجد نفسه هنا حاضرا وبقوة في علاقات الذات مع الآخر. ليس فقط من حيث اللجوء اليه في صراع القوي وانما ايضا في التخاطب العادي لذاك الجيش ودولته، وفي التمتع السافر لديهما اثناء استعراضهما الروتيني لسطوة التدمير، وهذا ما يمكن تسميته بالرعب الردعي البارد.

ـ وجود هاجس تخطيطي وعملاني لنقل المعركة فورا وبصورة دائمة الي ارض العدو، وذلك درءاً لمخاطر استباحة الواحة الزاهرة من تمدد الصحراء القاحلة، وبحيث يكون الموت والدمار من مصير العدو وارضه ومن سماتهما الطبيعيتين. ـ الهجوم الخاطف من حيث قوة ومدي تاثيراته التدميرية لجبهة الخصم والتي تكفل للذات انتصاراً سريعاً وذلك عبر شل قوة العدو الدفاعية وتثبيط ميوله نحو حرب استنزاف او طويلة الامد، وبالتالي اجباره علي التراجع و/او الرضوخ.

هذه هي الروح القتالية لدي الجيش الاسرائيلي، وهي تلك العقيدة المثلثة الاضلاع والتي بواسطتها قد هُزمت الجيوش العربية ومنذ تاسيسها. انها المرتكز العقلي والنفسي الذي يسمح للجندي الاسرائيلي بالمجازفة وبالخروج من البيت كي يخوض غمار حرب يراها ويعيشها، رابحة دائماً وغير مكلفة عموماً. ان هذه العقيدة بتطبيقاتها تاريخياً لم تجلب للجندي الا الشعور الدائم بالغلبة وغنائم الانتفاخ النرجسي لذاته الفردية وللذات الجمعية الاسرائيلية وبالرجوع السالم والزاهي للبيت. لكنها هي نفسها التي اظهرت المقاومة اللبنانية حدودها ومحدوديتها من حيث انها تتناسب لاوعياً وواقعياً مع نمط بائد وسطحي للتعامل مع اشباه الجيوش العربية التي هي صالحة فقط للمواجهات الاهلية، وايضا لكون هذه الجيوش فارغة من العقيدة والمعرفة والكفاءة والليونة. لذا فعند ارتطام وجود الجندي برمته بواقع يغاير كلياً معتقده التاسيسي لم يصب فقط بالانبهار المرعب وانما ايضا بالتعرض لشلل العقلنة امام اللاتماثل الفاقع بين واقع منيع وبين مرتكزه النفسي ذي الطابع السادي والذي قد امعن الجيش الاسرائيلي بانتاجه سابقا عند اعدائه وهو كي الوعي.

في جنوب لبنان ان الذي حصل هو كي الوعي لكن المرتد الي الذات الاسرائيلية عينها، والذي تمظهر اولاً نتيجة معيوش التخبط في الهجوم كما في الدفاع، والفوضي في الاداء اللوجيستي بين الوحدات وهشاشة انظمة التموين والاسعاف والتبديل للمحاربين، وغياب التنسيق الكافي بين القطاعات او حتي بين مجموعات النخبة، كل ذلك حدث امام خصم عربي كفؤ ومتماسك لم يتزحزح من ميدانه. وثانياً عبر صوَر العجز والوهن والتشتت والموت العنيف التي اصابت شبكة امان شخصية الجندي والنسيج العاطفي والعقلي للمجموعات القتالية امام مقاوم عربي يقظ و واثق الخطي تحكَّم بما علي وتحت ميدانه. وبالتالي ان سطوة الجيش الاسرائيلي قد بدت في حرب وجوده الاخيرة، دون اثر يذكر علي خصمه آنذاك. وان الصورة المنمطة البائدة عن العربي والذي تراه يرتجف هلعاً تحت خيمته، واضعا تحت وسادته علبة سردين وكسرة خبز ومتكئاً علي بندقية صدئة يستعملها كعصاً لرفع قميصه عليها استسلاما للجيش الذي لا يقهر، لم تكن الا اضغاث احلام بالية ومتخيلاً ماضوياً لدي قيادته اولا ولدي نفسه ثانيا. فكانت صدمة الحرب التي لا لبس فيها، والمرتبطة حميمياً بالمازق المعتقدي قبل كل شيء. ان سادية كي الوعي والمرتدة الي الذات الاسرائيلية تعكس نظاماً سلوكياً وصُوَرياً قهرياً، غايته تصريف العدوان علي خصم لا يُري ولا يعاش الا علي اساس كونه موضوعا للهدم وللابادة. هذه السادية، وعند عجزها عن التحقيق او الاشباع، قد تتحول الي ضدها اي الي مازوشية. هذا التحول الي الضد هو اوالية نفسية دفاعية تقوم بها السادية الاصلية في عملية تجيير ديناميتها واعادة توجيهها، لكن في المرة هذه فهي نحو الداخل. فاذ بالانكفاء علي الذات يفرض نفسه عبر تصور او سلوك طقسي انطوائي يقوم علي جلد الذات والحط منها. انها مازوشية مستجدة، طارئة قد نتجت، وبمفعول رجعي، عن سادية تكوينية، اصلية ارتطمت للتو بجدار العجز عن السيطرة علي واقع مرير، وعن التفلت من شراك متخيَّل اليم. مع هذه السادية المتحولة الي نقيضها ونحو الداخل المازوشي او الموجهة نحو الخارج، فان طاقات العدوان وديناميته لا تخبو ولا تخف، لا بل بالعكس فان سياقات حرب تموز (يوليو) تدلنا علي ان الجيش الاسرائيلي والذي يتماهي مع المثال العلمي الحداثي او الما بعد حداثي قد افتقد ميدانياً لاية عقلنة منهجية وتخطيطية في استعمال وتوزيع قوته النارية. لقد كان عملياً حبيس اندفاع غرائزي في مبادراته وافعاله، وغيظ انتقامي في ردود افعاله. والا ما معني استنفاده وفي بضعة ايام معدودات من بدء الحرب لكل بنك اهدافه؟ وما معني ان تكون الحمولة الضخمة لآلته التدميرية قد تم رميها بقضها وقضيضها علي نفس الاهداف ولاكثر من مرة وقبل ايام من وقف اطلاق النار؟

مع اول يوم من بدء وقف الحرب، اي في 14 آب/اغسطس، بدا الرفض والتفلت من التساؤل الوجودي لدي الجيش الاسرائيلي بالظهور. هذا ولو ان ثمة سؤالا اساسيا قد طغي علي ما عداه في مخيلة حكماء ومشعوذي تلك الدولة وهو لماذا لم ننتصر؟ او لماذا لم نستطع تدمير والحاق الهزيمة بالخصم؟ ان للسؤال بحد ذاته شرعيته الا ان خطورته تكمن بنسفه للتساؤل الوجودي برمته والذي قد يزعزع الارضية النفسية والعاطفية للشخصية الاسرائيلية في حال تمادي هذا التساؤل الي اثارة اشكاليات الاستبداد/ التحرر والاحتلال/المقاومة. فاذاً لماذا اخفق اقوي جيش شرق اوسطي؟ سؤال يحتل الندوة الفكرية الاسرائيلية كونه يقوم بوظيفة كبح نفسي لهذا التساؤل السوي، عبر حصره تخيلياً بسؤال ـ تسوية، والذي من خلاله يندثر التساؤل وتداعياته الانفعالية والعاطفية من جهة، وينشغل الاتجاه السادي في كيفية الرد الملائم من جهة اخري. باعتبار ان القوة التدميرية هي المحركة للوجود وهي الناظمة للعلاقات بالنسبة للمتخيَّل الاسرائيلي. وبالتالي ان الاجابة علي هذا السؤال ـ التسوية لن يتم، حسب اعتقادنا، الا علي اساس تكثيف وتعزيز جبروت القوة هذا من قبل متخيَّل مهووس بعقيدة كي الوعي التي تتصور ان تراكم وتكثيف القوة التدميرية الهائلة ليسا وسيلة لاثبات الوجود، انما هما غايته وجوهره. ولم لا خاصة في ظل تواطؤ مجتمع دولي، غربي تحديداً، قد الَّه منطق القوة وهذا منذ قبل نشوء دولة اسرائيل والي عصرنا الما بعد سوفييتي. وجعل من جبروت هذه القوة اقنوماً اخلاقياً وقِيَمياً وعلائقياً ناظماً لحقوق ولمصالح الشعوب وايضاً استناداً لتراتبيتها المفبركة من قبل هذا الجبروت بالذات. ولم لا، خصوصاً عندما قيادة اركان الجيش الاسرائيلي ترمي بعرض الحائط منطوق الاستراتيجي كلاوزيفتش عن وظيفة الحرب كتدمير رمزي للعدو، من اجل ان تتبني وتتغني بمقولة الامبراطور الاغريقي بيريكلَس كونها الجنون المطلق.8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية