أديس أبابا ـ وكالات: التقى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد، أمس الجمعة، مع مجموعة من مبعوثي الاتحاد الأفريقي لمناقشة تطورات الصراع في إقليم تيغراي، شمال إثيويبا، والذي يهدد استقرار منطقة القرن الأفريقي بأكملها، ويضع وحدة البلاد في اختبار صعب.
وقال أحمد لمبعوثي السلام الأفارقة إن حكومته ستحمي المدنيين في إقليم تيغراي، بعد يوم من إعلانه أن الجيش سيبدأ «المرحلة الأخيرة» من هجوم هناك.
لكن البيان الصادر بعد الاجتماع لم يشر لأي محادثات مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» لإنهاء القتال الذي بدأ في الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني.
وأمهلت الحكومة «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» حتى يوم الأربعاء الماضي لتلقي أسلحتها وإلا فسوف تواجه هجوما على ميكيلي، عاصمة الإقليم التي تقطنها 500 ألف نسمة، مما أثار مخاوف جماعات الإغاثة من سقوط أعداد ضخمة من الضحايا المدنيين.
واجتمع آبي مع مبعوثي الاتحاد الأفريقي، وهم رئيس موزامبيق السابق يواكيم تشيسانو ورئيسة ليبيريا السابقة إيلين جونسون سيرليف ورئيس جنوب أفريقيا السابق كجاليما موتلانثي. وذكر مكتبه في بيان صدر بعد الاجتماع أن الحكومة ملتزمة «بحماية المدنيين وأمنهم».
وشكر البيان المبعوثين على تقديم «حكمتهم وآرائهم واستعدادهم للدعم بكافة السبل الضرورية». ولم يشر البيان إلى أي خطط بشأن إجراء مزيد من المحادثات معهم.
وأُرسل المبعوثون إلى أديس أبابا للمساعدة في التوسط في الصراع الأمر الذي أوضح أحمد أنه لا يرغب فيه.
وذكر أحمد أنه لن يجري محادثات مع زعماء «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» حتى يستسلموا أو يهزموا.
عسكرياً، قال وزير الدفاع الإثيوبي كينيا ياديتا، إن قواتهم تستعد لتحرير ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي في وقت قريب.
وأضاف أنه تمت حتى الآن استعادة نحو 70 ـ 80 ٪ من الأسلحة الثقيلة التي كانت بحوزة الجبهة وتم تدمير أسلحة أخرى مع عدد كبير من المقاتلين.
وفي 4 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، بدأت مواجهات مسلحة بين الجيش الإثيوبي و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» في الإقليم. وهيمنت الجبهة على الحياة السياسية في إثيوبيا لنحو 3 عقود، قبل أن يصل آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، ليصبح أول رئيس وزراء من عرقية «أورومو». والأخيرة أكبر عرقية في إثيوبيا بنسبة 34.9 ٪ من السكان، البالغ عددهم نحو 108 ملايين نسمة، فيما تعد «تيغراي» ثالث أكبر عرقية بـ7.3 ٪.
وانفصلت الجبهة التي تشكو التهميش عن الائتلاف الحاكم، وتحدت آبي أحمد بإجراء انتخابات إقليمية في سبتمبر/ أيلول الماضي، اعتبرتها الحكومة «غير قانونية» في ظل قرار فيدرالي بتأجيل الانتخابات بسبب جائحة كورونا.
هجوم متعدد المحاور
ياديتا قال إن الجبهة «شنت هجوما متعدد المحاور وجيد التخطيط على الدولة الإثيوبية».
وأضاف «بدأ ذلك بهجوم عسكري على قاعدة الجيش في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري».
وأردف «أعدنا تنظيم الجيش (الإثيوبي) وقمنا بشن هجمات على جبهات عديدة، ونجحنا في تحرير كل أجزاء تيغراي باستثناء ميكيلي».
وأشار إلى أن الجبهة «جندت وحشدت ضباطا رفيعي المستوى من داخل الجيش».
وأردف «كانت هذه جبهة خطيرة أخرى كان من الممكن أن تضعف وتزعزع استقرار جيشنا».
وتابع «تم اعتقال الضباط رفيعي المستوى وآخرين من الذين يشتبه في مساعدتهم للجبهة، وسيقدمون للعدالة».
ولفت إلى أن الجبهة « نظمت نفسها وسلحت المئات من أنصارها في العاصمة أديس أبابا، وأجزاء أخرى كثيرة من إثيوبيا».
وقال إنها «كانت تخطط لشن هجمات إرهابية والتحريض على صراعات عرقية».
واعتبر ياديتا أن «هدف الخطة العسكرية والأمنية للجبهة هو تفكيك قوات الدفاع الوطني الإثيوبية لإثارة حرب أهلية وإضعاف مؤسسات الدولة والإطاحة بالحكومة الفيدرالية».
وقال « نجحنا في تجنب التهديد الوجودي، وكذلك أزمة إنسانية كبيرة».
وأشار إلى أن القوات الإثيوبية «المدعومة بطائرات حربية وطائرات مسيرة وفرق من القوات الخاصة والميكانيكية، تتجمع الآن في المناطق المجاورة لميكيلي».
وزير الدفاع : قواتنا تستعد لتحرير «ميكيلي» عاصمة الإقليم في وقت قريب
وقال «بينما نتحدث (الآن) نستعد لشن الهجوم الأخير (في هذه الحرب)» في إشارة إلى تطويق الجيش للعاصمة ميكيلي من أجل السيطرة عليها.
ولفت إلى أن «الآلاف من أفراد القوات الخاصة والمليشيات التابعة للجبهة الشعبية استسلموا خلال الأيام الثلاثة الماضية بعد الإنذار النهائي الذي أطلقه الجيش الإثيوبي».
وقال «تم عزل المقاتلين سيئي التدريب والذين يعانون من سوء التغدية (المستسلمين من الجبهة الشعبية)» مشيرا أن قادة الجبهة الشعبية «تخلوا عن قيادة الحرب وهم الآن منشغلون بسلامتهم».
إلا أن قادة «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» ينفون محاصرتهم متعهدين بالقتال حتى النهاية.
وأعلن جيتاشيو رضا المتحدث باسم الجبهة، عن تدميرهم فرقة خاصة ميكانيكية تعود للجيش الإثيوبي.فيما أكد ياديتا أن «الحقيقة على الأرض هي أن قواته توجد بارتياح عند مداخل ميكيلي بعد هزيمة قوات الجبهة».
وأشار إلى أن «الدعم الشعبي غير المسبوق عزز معنويات الجيش المصمم على اعتقال ونزع سلاح قادة الجبهة والقوات المقاتلة فيها».
وقال إن هؤلاء «ارتكبوا جرائم حرب خطيرة في «ماي كادرا» (جنوب غربي تيجراي) وأماكن أخرى».
وأردف «سنكمل الهجوم (على ميكيلي) في غضون بضعة أيام» مؤكدا أن «القوات الإثيوبية ستدخل عاصمة الإقليم في وقت قريب مع ضمان أقصى حماية للحياة المدنية».
واعتبر أن الجبهة فقدت دعم شعب الإقليم ولم تستطع شن حرب طويلة الأمد».
واختتم ياديتا بالقول «أهل الإقليم (تيغراي) يدعمون جيشنا بالكامل على طول الطريق وهم يشعرون أنهم تحرروا».
وتعد حرب تيغراي أصعب اختبار لوحدة إثيوبيا على الإطلاق، إذ تصور الجبهة الصراع على أنه معركة لانتزاع الحقوق لمناطق إثيوبيا العشر من رئيس وزراء مصمم على مركزية السلطة، وتقول إن آبي متحامل على أبناء تيغراي منذ توليه السلطة وتصف حكمه بأنه «ديكتاتورية وحدوية غير مشروعة تحركها أهواء شخصية». وتنفي الحكومة سعيها لمركزية السلطة.
وأشعلت ثلاثة قرارات نيران الغضب في الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، التي ظلت تهيمن على الائتلاف الحاكم لما يقرب من ثلاثة عقود حتى وصول آبي إلى السلطة عام 2018: تقارب آبي مع إريتريا عدوهم اللدود، وتم تشكيل حزب وطني جديد ليحل محل ائتلاف يقوم على أساس عرقي، وتأجيل الانتخابات العامة.
وأثار كل قرار من الثلاثة اتهامات مريرة من «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وتفجر بعدها صراع هز المنطقة.
وإثيوبيا قوة لها ثقلها الإقليمي، وهي مقر الاتحاد الأفريقي، ولها قوات تخدم في مهام حفظ السلام في الصومال وجنوب السودان وتعمل مع الحلفاء الغربيين في التصدي للمتشددين الإسلاميين.
قال لينكو لاتا، وهو زعيم معارض مخضرم، إن النظام الاتحادي يتعرض لضغوط من الجانبين، في وقت يثير فيه الجدل حالة من الاستقطاب بين مؤيدي توثيق عرى الوحدة أو الانفصال.
وبين زيميلاك أييلي الأستاذ في جامعة أديس أبابا أنه على الرغم من استياء المواطنين من القمع السابق، ربما تحظى الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بدعم بعض زعماء المناطق الذين يعتبرونها حصنا وحائط صد في مواجهة حكومة أشد ميلا للمركزية.
وأضاف «حتى أولئك الذين ينتقدون الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي ليسوا بالضرورة من المؤيدين المتحمسين للحرب (في الإقليم). قد يشعر البعض أن النظام الاتحادي ربما يصبح في خطر إذا غابت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي عن المشهد».
عداوة قديمة وسلام جديد
على الحدود الشمالية لإثيوبيا تقع دولة إريتريا التي يلفها ستار من التكتم ويطلقون عليها «النموذج الأفريقي لكوريا الشمالية». وقد حصلت إريتريا على استقلالها عن إثيوبيا عام 1991 بعد حرب دامت ثلاثة عقود.
واندلع الصراع مجددا بسبب نزاع حدودي بين عامي 1998 و2000. ولاقى عشرات الآلاف حتفهم. وكانت «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» هي التي قادت تلك الحرب، وهي تعتبر إريتريا عدوا لدودا.
وبعد أشهر من وصول آبي أحمد إلى السلطة، وقع اتفاق سلام مع إريتريا في 2018 حصل بعده على جائزة نوبل للسلام عام 2019. وتوالت الزيارات بين آبي والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، لتتهمه الجبهة بأنه «مطية لتحقيق رغبة أسياس في انتزاع مكاسب تعويضا عن أخطاء متصورة». وقالت بيلين سيوم المتحدثة باسم آبي إن «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» تحاول «تدويل الصراع» وإن تقارير المخابرات تشير إلى أن الجبهة كانت تعكف على تصنيع الزي العسكري لجيشي إريتريا وإثيوبيا.
وأطلقت الجبهة صواريخ على العاصمة الإريترية أسمرة وتقول إن إريتريا تقاتل الآن إلى جانب القوات الإثيوبية في تيغراي، وهو ما تنفيه إثيوبيا.
حزب الرخاء
وبعد معاهدة إريتريا، عزز آبي حصونه في الداخل. وفي العام الماضي قرر حل الائتلاف الحاكم القديم في إثيوبيا، الذي يتألف من أربعة أحزاب عرقية، وأبدله بحزب واحد في عموم إثيوبيا. ومن بين الأحزاب الأربعة، لم ترفض سوى «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» الانضمام لحزب الرخاء.
ووفق أكاديمي إثيوبي، فإن آبي استهان بالمرارة التي شعرت بها الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بعد أن فقدت السلطة.
وأضاف الأكاديمي، الذي طلب عدم نشر اسمه «إنه فصام صعب ولم يكن آبي يملك خطة خروج سلمي للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي».
وقال إن الخطاب التحريضي من الجانبين جعل أهالي تيغراي يشعرون بأنهم تحت الحصار، وعزز الدعم والتأييد للجبهة.
وبيّن أليكس دي وال، الأستاذ في جامعة تافتس، أن إطلاق الحزب الجديد بهذه السرعة ربما كان خطأ في الحساب. فقد تحول الائتلاف القديم إلى ساحة نادرة للجدل في دولة كانت فيها مجرد المعارضة السياسية تعني الحبس.
لكن آبي أحمد كان في عجلة من أمره، فقد كان من المقرر إجراء انتخابات عامة في أغسطس/ آب 2020 وكان حزبه الجديد في طريقه لخوض منافسة مع عدد كبير من الجماعات الجديدة القائمة على أسس عرقية.
انتخابات مؤجلة
أجلت الحكومة الانتخابات، ووافقت جماعات معارضة كثيرة على مضض، لكن لم تكن بينها «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي». وأجرى الإقليم انتخابات إقليمية في سبتمبر/ أيلول. واتهم الجانبان بعضهما البعض بتجاهل الدستور. فازت «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» بأغلبية ساحقة. وصوّت مجلس الاتحاد، وهو هيئة تشريعية معنية بالمسائل الدستورية، على خفض ميزانية تيغراي.
وفي 29 أكتوبر/ تشرين الأول، رفضت قوات تيغراي السماح لقائد عسكري إثيوبي وصل إلى المطار الإقليمي بالمغادرة لتولي قيادته في العاصمة مقلى. وفي الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني، قالت الحكومة إن جنودا من تيغراي هاجموا قاعدة في دانشا، لتشتعل الحرب بعدها.