د. محمد بريك
حزب الله هو كابوس مزمن في إسرائيل لا تقتصر زيارته على صانعي القرار السياسي وقادة العسكر؛ بل طبقات واسعة في المجتمع الإسرائيلي. هذا المجتمع الذي سيّج إطار سلامته الأمنية بجدار زائف من الغرور وتصور عدم القابلية للانهزام، أصابته هزتان كونيتان لم يُشف منهما بعد: التحطيم العاصف لمرحلة اللاسلم واللاحرب بعــــبور القوات المصرية لقناة السويس ـ بغض النظر عن النهايات العملــــياتية والاستراتيجية لحرب أكتوبر نفسها، ثم الصراع الممتد مع حزب الله والطور الأخير منها تحديدا (حرب تموز). وليس آخر أعراض هذا الهوس ما أعلنه جيورا إيلاند مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق في حكومتي شارون وباراك أن (إسرائيل لا تعرف كيف تهزم حزب الله). ولم يكن في مخيلة أحد بعد فترة وجيزة من اجتياح بيروت 1982 أن هؤلاء الفتية قليلي العدد كبيري الآمال والعزم الذين حملوا سلاح المقاومة ضد العدو الغازي وعاكسوا نصائح بعض المراجع وكبراء قومهم بترك طلب المستحيل والتريث لدورة تاريخية مقبلة، لم يتخيل أحد أن تثمر غراس هذا النفر ليس فقط أقوى حركة مقاومة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي؛ بل درسا مؤبدا موجعا للذاكرة الاستراتيجية في إسرائيل. حالة الصراع بين حزب الله وإسرائيل هي حالة فريدة كذلك – بالمنظور الاستراتيجي- تسمى بالحرب غير المتماثلة؛ حرب حركة مقاومة مع جيش نظامي لدولة خلفها قدرات تعبوية ضخمة. ربما الحرب بين إسرائيل وحزب الله ـ وهي تطوّر في منحنى الصراع العربي الإسرائيلي بعد تحييد البعد النظامي ـ لا تكون أول الحروب غير المتماثلة في التاريخ الاستراتيجي، ولكنها من أهمها. وأهمية هذه الحرب ليست في دورها النوعي في مجرى الصراع فحسب؛ بل لأنها حالة تتجلى فيها أبعاد النظرية الاستراتيجية للحرب غير المتماثلة بأصفى ما يكون.
نظرية الحرب الحديثة تعود نشأتها لعهد كلاوزفيتس وجوميني اللذين تأثرا بحروب نابليون والانقلاب التي أحدثته بتفجير العنصر الشعبي لإثارة الصراع وتعبئته، وظهور الحاجة للمستوى العملياتي والتعبوي للحرب. وفي حين أن جوميني ركز على النمط العملياتي الداعي لتحشيد كل القدرة التعبوية وقوة النيران على نقطة ضعف الخصم؛ فإن كلاوزفيتس أبرز البعد الاستراتيجي الذي يتعامل مع كل الأنماط العملياتية اللامتناهية التي تختلف من حالة لأخرى لتحقيق آثار استراتيجية (بالتأثير على إرادة الخصم) تسمح بتحقيق الهدف السياسي، ثم توالت تطورات النظرية الاستراتيجية، وإن كان أغلبها ركز على البعد العملياتي.. سواء بمفهوم (الحرب الشاملة) في الحرب العالمية الأولى و(الحرب الوامضة) للألمان في الحرب الثانية، ومفهوم (الفن العملياتي) للروس بين الحربين، و(الاستراتيجية غير المتوازية) لليدل هارت. والنظرية الأخيرة اعتنقها الإسرائيلي وأدمنها في كل حروبه وبنى عليها عقيدته العسكرية ونمطه العملياتي والخطوط العامة لتسليحه وقدراته التعبوية.. هذه النظرية باختصار تسعى لإحداث صدمة عملياتية عند الخصم باتخاذ سبل عملياتية التفافية غير مباشرة ـ كالالتفاف واستهداف الأجنحة والخلف ومراكز القيادة والسيطرة والاتصال وقطع خطوط إمداد الخصم وتراجعه – وتعتمد على المفاجأة والمبادأة والخداع، وذراعها العملياتي الأساس هو الطيران والمدرعات.. وبعد حصول هذه الصدمة وشل قدرات القيادة والسيطرة يمكن تحطيم البنية العسكرية لجيش الخصم بسهولة. وبالطبع فإن هذا هو ما حدث في الحروب النظامية بين العرب وإسرائيل.
ولكن بجوار كل هذا كان هناك تطور آخر مثلته نظرية ‘الحرب الشعبية’ لماوتسي تونغ، الذي لم يكذب خبرا ونقلها مباشرة إلى ساحة التطبيق وألّف منها نصرا ميدانيا واستراتيجيا سقطت الصين على إثره في يده. وبعد تحرشه بالغرب في كوريا، كان الفرنسيون أمام هزيمة منكرة في (بيان ديان فو) بفيتنام، وكانت ثاني مرة ينهزم فيها جيش غربي معاصر أمام قوة من الشرق؛ الأولى كانت سقوط سنغافورة في الحرب الثانية، غير أنها في فيتنام كانت قوة شعبية أساسا. وانتشرت النار في الهشيم، وطوّر جيفارا نظريته لتناسب الواقع الأمريكي اللاتيني، وخرج الجزائريون من قمقمهم منفعلين برياح القومية، وأضحى الغرب في وضع بائس، سببه الأساس ضمور النظرية.. فهم يجابهون نوعا من الصراع لا يعرفون طبيعته ولا شروطه. صحيحٌ مارس الفرنسيون في الجزائر الذراع المخابراتي لتفكيك عناقيد شبكة المقاومة واستخدموا قبضة مزلزلة ضد الحاضنة الشعبية غير أن هذا لم يفلح كذلك.
الوحيد الذي اكتشف السر، وكان مستندا إلى تجربة بريطانية شبه ناجحة في ماليزيا، وكان ذا عقلية ناضجة ميزت بين مستوى التحليل العملياتي ـ الذي ينشغل بالأهداف العسكرية المحضة ـ ومستوى التحليل الاستراتيجي ـ المعني بمتابعة الهدف السياسي- كان روبرت تومبسون في دراسته عن ‘هزيمة حركات التمرد الشيوعية.. مقارنة بين فيتنام والمالايو’. ببساطة تومبسون درس نظرية ماو وصاغ ما ينقضها معززا بتجربة المالايو. ومن تدابير القدر أن فجوة معرفية كبيرة كانت حاضرة بين ما طرحه تومبسون وبين صانعي القرار في الإدارة والجيش الأمريكيين، وأضحت فيتنام مثلا رائدا على ما نحكي عنه.
في فيتنام، انسحق الفيت كونغ والفيتناميون الشماليون في كل ساحة مواجهة مباشرة تقريبا، ومع ذلك خسرت أمريكا الحرب، بل العجيب مثلا أن نقطة التحول الاستراتيجي في هذه الحرب كانت هزيمة عملياتية للفيت كونغ في هجوم (تيت) أمريكا بكل قدراتها العسكرية والمواردية الضخمة كانت غائبة عن امتلاك المُكنة الاستراتيجية التي تتيح استخدام نتائج المعارك لحسم نتائج الحرب. الحرب غير المتماثلة هي نمط استراتيجي مختلف عن الحرب المتماثلة، ولها منطق عملياتي وتكتيكي مختلف، وعقم الذهنية الاستراتيجية للخصم هو الذي يُهيء له التغافل عن ذلك وهو واضح كفلق الصبح. حركة المقاومة تؤسس لقاعدتها الصلبة، وتستخدم مرارات القضية لتوسع لنفسها في الحاضنة الشعبية، وتدشن مرحلة حرب العصابات، ومنطقها العملياتي هو الذوبان ومجافاة الالتقاء المباشر مع الخصم إلا بشكل يتيح الإثخان فيه، فهي غير قادرة على كسره، وهي تهدف لأحد أمرين: إما أن توالي الإدماء والخسارة المادية والبشرية يدفع المقابل ـ بحساباته البراغماتية أو ضغط شعبه أو مراكز قوته عليه بسبب الخسارة المادية والبشرية والأخلاقية ـ أن يتخلى وينسحب، أو أن التمدد القاعدي والشعبي والعملياتي يطّرد وصولا إلى الحرب النظامية ذات المنطق العملياتي المعروف. وطبعا النمط الأول يصلح مع دولة احتلال ذات موارد ضخمة وشعب مليء بالتناقض ونظام سياسي يتشكل من أجنحة تنافسية وجيش من الصعب كسره، كما حدث في الجزائر وفيتنام وأفغانستان الروس ويحدث في العراق وأفغانستان ولبنان وفلسطين اليوم. أما النمط الثاني فيصلح مع حكومات الداخل العميلة ذات مركزية، كما حدث في الصين وفيتنام الحكومية وأمريكا اللاتينية. وهنا يظهر الفرق، مركز الثقل في الحرب غير المتماثلة – كما أعاد اكتشافه تومبسون- ليس الجناح المسلح؛ بل الحاضنة الشعبية ثم الدائرة التعبوية والتمددية في حركة المقاومة وكذلك خط الإمداد الخارجي. واستخدام القوة المفرطة هو أقرب طريق للفشل الاستراتيجي، ولكن الحل كما ذكره: أن تستميل الحاضنة الشعبية؛ فتعزل بينها وبين الحركة، ثم تنزع أشواك الحركة عسكريا بعد ذلك في سهولة ويسر. ولهذا فلابد من أن تفسد قضية الحركة في عيون الناس بأن تسكن مواطن النزف والاحتقان عند الشعب، في الوقت الذي تدفع فيه الحركة أن تعمل ـ أو تبدو كمن يعمل ـ ضد مصلحة شعبها، وبهذا تنعزل الحاضنة عن الحركة (في الحقيقة الإيطاليون مارسوا العزل المادي بين حركة عمر المختار والشعب الليبي، كما نعلم عن معسكرات الاعتقال)، وباستخدام السلاح المخابراتي تعزل بينهما أكثر وتدمر نويات الحركة التمددية، وتقطع بين الحركة وخطوط الإمداد الخارجي، ثم في الأخير تطهرها عسكريا. وهذا هو الأسلوب الناجع الذي استخدمته بريطانيا في المالايو وإن ساعدها التمايز العرقي والديني الفارق، وساعدت عُمان على القيام به ضد التمرد الشيوعي في أول السبعينات، والأهم: أن هذا ما حاولت أمريكا فعله في العراق، والذي يقرأ ‘النهج العسكري لقوات المارينز لمكافحة قوات التمرد’ الذي صدر عام 2007 يكتشف أنه مبني في الأساس على فكرة تومبسون. والحقيقة أن تغييرات كبيرة حدثت في الساحة العراقية من حينها حجّمت المقاومة العراقية، غير أن القوات هناك حتى في طورها الجديد قد أُدخِلًت في معركة بلا مجد. وكما أشار النهج العسكري نفسه، فإن الاستراتيجية لا تصلح أخطاء السياسة، والأدوات لا تستطيع أن تؤدي مهمة أعلى كثيرا من قدرتها. وإن نظرة عامة للصراع الذي يدور بين حزب الله وإسرائيل منذ ثمانية وعشرين عاما تؤدي إلى إدراك حقيقة مهمة، حزب الله أدرك منذ لحظاته الأولى مفهوم هذا الصراع ونمطه الاستراتيجي ومتطلباته العملياتية ومراحله وقام بتنزيل كل هذا بشكل فائق ـ مع محدودية التجربة البشرية بالطبع التي يكون القصور والخطأ أحد مكوناتها. واستطاع حزب الله أن يدير كل أجنحته التعبوية والتنظيمية والعسكرية والسياسية والإعلامية بإتقان، وأن يستفيد من العوامل الإقليمية والجغرافية والتضاريسية والسياسية المتعلقة بلبنان ـ ضعف سلطة الدولة المركزية. وفوق هذا تسخيره للمخزون الشيعي الجارف وكيف أن الذوبان اليومي في مسيرة الحسين الكربلائية و’انتصار الدم على السيف’ أضفى أشواقا واسعة من حب التضحية وإهلاك الذات في سبيل الفكرة، وكل هذا له إلقاءات تعبوية مهمة. والكثير ينسب التفوق الاستراتيجي الذي حققه حزب الله للقدرة التعبوية والعسكرية والسياسية لإيران (الدولة الحاضنة).. ووجود هذا الاحتضان لا شك في دوره المركزي، ولكن الأهم هو قابلية الحزب الاستراتيجية على الاستفادة منه، وإلا فكم من فرص هائلة تهدرها قوى في صراع بعينه؟ والأدوات والإمكانات لا تقاتل بنفسها فضلا عن أن تدير صراعا.
أما بالنسبة لإسرائيل فكانت نقيض ذلك بالمطلق ـ وهذا هو سر الصفاء التنظيري لحالة حزب الله وإسرائيل ـ فقد عجزت عن إدراك منطق هذا الصراع، وليس فقط عجزت عن تنزيله استراتيجيا؛ بل قامت بكل ما يمكن أن تتمناه أي حركة مقاومة.. بالاستخدام المفرط للقوة وتدوير المساحات الشعبية لصالح المقاومة. الإسرائيلي يبقى أسيرا لمنظوره العملياتي الذي خاض به حروبه السابقة والذي لا يركز كثيرا على الأثر الاستراتيجي والسياسي؛ فقط سحق المقابل في ساحة العمليات، ولا يتسع عقله لإدراك اختلاف الأنماط الاستراتيجية في الصراع. والدليل القريب على ذلك ما تعج به الدراسات الاستراتيجية في إسرائيل من خلط شديد في تحليل حرب تموز مثلا. كثير من الإسرائيليين قسموا الحروب لثلاثة أنواع، نظامية وعصابات وهجينة، وآمنوا بأن حرب 2006 كانت حربا هجينة؛ لأن ميليشيا الحزب كانت تحارب بنمط نظامي ولها خطوط دفاع ثابتة وتحرص على التشبث بمواقع واستخدمت نوعيات تسليحية معينة – كمضادات الدبابات الكورنيت وصاروخ س 801 ضد السفينة ساعر- وتلك أسلحة جيش نظامي حصل عليها الحزب من دولته الراعية إيران، لكن الحقيقة أن استراتيجية حزب الله بقيت في طور عدم التماثل مع استراتيجية إسرائيل (المرتكزة على تحقيق الكسح العملياتي العسكري)، وكون حزب الله غيّر في منطقه العملياتي والتكتيكي في 2006 فإن منطقه الاستراتيجي بقي ثابتا – وإن ازداد تألقا. وكل التغيرات التي عاينها الجميع في نمط الحزب العملياتي لم تكن انتقالا لمرحلة حسم عملياتي أو حرب هجينة؛ بل لأن هذا النمط كان هو الأقدر على تحصيل الأثر الاستراتيجي في هذه الحرب، وهذا الأثر هو اليأس من النصر وفقدان الثقة مع استعظام الخسارة – لدى كل من القيادة والشعب والجيش في إسرائيل؛ فبلدة صغيرة تحاول القوات الخاصة الإسرائيلية احتلالها وأكثر من مرة وتفشل ليس لها قيمة عملياتية بحد ذاتها، ولكن أثرها الاستراتيجي كان هائلا وهو الشعور بالفشل وانعدام الثقة في النفس (الجيش). وكذا السفينة ساعر (حانيت)، فهي لا تزيد على 0.5 ‘ من القوة البحرية الإسرائيلية، ولكن الأثر الاستراتيجي لتدميرها ـ وفي الجو الإعلامي الذي حدثت فيه – كان مؤثرا. وكذلك الخط المتصاعد للصواريخ، وقس على ذلك. وإن كان من إشكال ـ بالمنظور الاستراتيجي ـ في تجربة حزب الله فهو إمكانية تشوش المفهوم الاستراتيجي لهذا النوع من الصراع في أذهان قادته؛ فبسبب الإنجاز الاستراتيجي الذي حدث في 2006 قد يُلقي البعضُ أدوارا ضخمة متوهمة على القدرة العملياتية ويتخيل أن هذا الإنجاز مرتبط بالأساس بقدرة عملياتية فائقة قد تستطيع اكتساح الإسرائيلي (نظاميا) في الحرب القادمة. كما أن هناك إشكالا آخر في تجربة حزب الله عموما وهو أن المتطلبات التعبوية للحزب في بيئته الشيعية قد تجعله يتورط في أدوار وحراكات اجتماعية طائفية تحرمه الكثير من المكتسبات الشعبية العامة والإقليمية اللازمة للمراحل المقبلة من الصراع.
و أخيرا.. يبقى سؤال مهم: لماذا تبقى العقلية الإسرائيلية ـ وستبقى – أسيرة لهذا الخلل الإدراكي والتطبيقي مع شيوع هذه الأفكار والتقييمات حتى بين الكثير من باحثيها ومُنظريها؟… لهذا قصة أخرى.’ باحث في الدراسات الاستراتيجية – جامعة ريدينج – بريطانيا