مبادرة روسيا ‘الكيميائية’ لم تُوقف الحرب في سورية وعليها. لعلها نفّست الحرب الامريكية على نظامها، لكنها لم تضع حداً للحرب الميدانية الدائرة بين النظام والمعارضة المسلحة. هذه الحرب ستستمر، ولعلها ستزداد ضراوة. لماذا؟
ثمة اسباب عدة، أهمها ان المعارضة رفضت المبادرة ‘الكيميائية’ الروسية، والرئيس بشار الاسد استجاب لها في اطار شروطٍ لا يبدو ان واشنطن في وارد الموافقة عليها.
هكذا اندلعت حرب دبلوماسية بالتزامن مع الحرب الميدانية التي تزداد عنفاً. ذلك ان مسؤولين كباراً في المعارضة اكدوا ان ‘الجيش السوري الحر’ تسلّم اسلحة نوعية فتاكة عشية الإعلان عن المبادرة الروسية. بعضهم لم يتوانَ عن القول إنها اسلحة امريكية.
الحرب الدبلوماسية ستطول،لأن الشروط التي وضعها الاسد ستكون موضع جدل مرير. فالامريكيون اعتبروها دليلاً على المماطلة، فيما الروس، ولا سيما الخبراء الاختصاصيين لديهم، اعتبروها واقعية ولا سبيل الى القفز فوقها.
لكن، ماذا تقول المبادرة بل الخطة الروسية كما يحلو لصحيفة ‘كومرسانت’ الروسية تسميتها؟
تنصّ الخطة في المرحلة الاولى على انضمام دمشق الى منظمة حظر الاسلحة الكيميائية. في المرحلة الثانية تُفصح سورية عن مواقع صنع الاسلحة الكيميائية وتخزينها، على ان تسمح في المرحلة الثالثة لمفتشي منظمة حظر الاسلحة الكيميائية بالتحقيق فيها. وتقضي المرحلة الاخيرة بتحديد سبل تدمير الاسلحة، وذلك بالتعاون مع المفتشين.
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عبّر عن اعتقاده بأن مبادرة بلاده فرصة مهمة لخروج سورية من ازمتها بالطرق السياسية السلمية، لكن نظيره الامريكي جون كيري كرّر تحذيره من أن القوة قد تكون مطلوبة ضد سورية اذا اخفقت الجهود الدبلوماسية المبذولة بشأن مخزونها من الاسلحة الكيميائية، معطياً دمشق مهلة 30 يوماً للكشف عمّا تملكه من اسلحة ومخزونات كيميائية.
في المقابل، اكّد الاسد ان بلاده لن تنفذ شروط المبادرة الروسية إلاّ اذا اوقفت الولايات المتحدة دعمها لـ’الإرهابيين’، وتوقفت عن تهديد سورية. واذ تعهد الرئيس السوري بتسريع ايداع الامم المتحدة وثائق انضمام بلاده الى معاهدة حظر الاسلحة الكيميائية (وقد فعل ذلك لاحقاً فاصبحت سورية عضواً قانونياً في المنظمة)، حرص ايضا على التذكير بأن دمشق قدّمت الى المنظمة الدولية قبل عشر سنوات مُقَتَرحاً من اجل إخلاء منطقة الشرق الاوسط من اسلحة الدمار الشامل، مشيراً الى ضرورة التزام كل الدول، وفي مقدمها ‘اسرائيل’، باتفاقيات حظر اسلحة الدمار الشامل النووية والكيميائية. المراقبون فسروا اشارة الاسد هذه بأن دمشق تتجه، وربما موسكو ايضاَ، الى اثارة هذه النقطة في المباحثات الدبلوماسية الدائرة بشأن تنفيذ المبادرة الروسية، ذلك سيعقّد المباحثات، وقد يؤدي الى اطالتها.
المعارضة المسلحة بلسان رئيس اركان قواتها اللواء سليم ادريس اعلنت رفضها القاطع للمبادرة الروسية وطلبت من المجتمع الدولي ‘عدم الاكتفاء بسحب السلاح الكيميائي، بل محاسبة مرتكب الجريمة ومحاكمته، وزيادة كمية السلاح النوعي والذخائر المرسلة الى المعارضة السورية’.
تشير تعليقات وتصريحات كبار المسؤولين الامريكيين والروس والسوريين (موالين ومعارضين) الى ان حرباً دبلوماسية ضارية ستندلع بالتزامن مع الحرب الميدانية الدائرة، وان الولايات المتحدة لم يقنعها قول لافروف ‘إن تسوية المشكلة تجعل من غير المجدي توجيه اي ضربة ضد سورية’، ذلك ان كيري لم يسقط احتمال توجيه ضربة عسكرية. قال ‘إن عسكريينا يحافظون على مواقعهم الحالية لإبقاء الضغط على نظام الاسد’.
اما ‘اسرائيل’ فتبدو مستبشرة ومستاءة في آن. صحيفة ‘جيروزاليم بوست’ عبّرت بدقة عن موقفها الملتبس بقولها ‘إن خسارة الاسد للأسلحة الكيميائية يُعدّ خبراً جيداً، ولكن ليس مكسباً صافياً. اما الخبر السيئ فهو ان الاسد باقٍ’.
هل صحيح ان تدمير الاسلحة الكيميائية مهمة مستحيلة، كما يقول بعض الخبراء، او في الاقل معقدة وطويلة الامد، كما يقول بعضهم الآخر؟
خبراء متخصصون في التفتيش عن الاسلحة وفي عمل بعثات الامم المتحدة، وفي مقدمهم ماركوس بايندر بحسب صحيفة ‘لوس انجلس تايمز’ الامريكية، عرضوا المشاكل اللوجستية التي ستواجه المفتشين والتي ستؤخر إنهاء مهامهم ربما لسنوات. ابرز العوائق: الحرب الدائرة في سورية وكيفية تأمين سلامة المفتشين، وحماية الاماكن التي سيزورونها في ظل اشتباكات ومعارك تشمل مختلف انحاء البلاد، وضمان عدم نقل الاسلحة والمواد الكيميائية الى اماكن اخرى، سواء كانت تابعة للنظام ام للمعارضة، والخشية من احتمال تعرض المفتشين لاعتداءات من قبل مجموعات متطرفة، وحتى الاستيلاء على الاسلحة واستخدامها.
الخبير المتخصص في شؤون الحدّ من انتشار السلاح الكيميائي ريمون زيلينسكاس يقول: ‘سيحتاج الامر الى حماية امنية مشددة، فهل سيُعتمد على الجيش السوري في ذلك، أم ستشكّل قوات دولية خاصة بالحماية’؟
غير ان اخطر الصعوبات تبقى مسألة التخلص من الاسلحة الكيميائية والمواد السامة التي تحتويها. الخبراء يقولون إنه ‘يجب ان تنقل الى خارج سورية وتدميرها في اماكن معزولة تماماً ودفنها في ملاجئ خاصة او حرقها على درجة معينة، مع ضمان عدم حصول تسرب او تلوث منها وهي مهمة دقيقة جداً وصعبة’. ثم، من تراه سيدفع تكلفة تدميرها؟ وزير روسي سابق قال إن التكلفة تربو على 400 مليون دولار.
كل هذه العوائق والصعوبات والتعقيدات تستلزم وقتاً طويلاً لمعالجتها وحلها في مرحلةٍ باتت شديدة الاضطراب وتتخللها حربٌ تزداد ضراوة بين النظام ومجموعات المعارضة المسلحة. فوق ذلك، تتداخل الازمة السورية المتفاقمة في حسابات المصالح والامن مع قضايا اخرى شائكة وحساسة كالبرنامج النووي الإيراني، والمفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية المهددة بالانهيار، والاضطرابات الامنية المتزايدة في شبة جزيرة سيناء وانعكاساتها على مشهدٍ سياسي مصري يواجه استحقاقات دستورية وسياسية بالغة الاهمية في المستقبل المنظور. هكذا تدخل المنطقة مرحلة مغايرة وخطيرة تتسم بتزامن حربين: واحدة ميدانية متفاقمة واخرى دبلوماسية معقدة. كل ذلك في زمن يشهد تراجع الاحادية القطبية وصعود التعددية القطبية مع كل ما يرافق عملية ولادة نظام كوني جديد من صعوبات وصدمات وآلام.
‘ كاتب لبناني