بغداد ـ «القدس العربي»: تحظى حرب التصريحات والمواقف المتنافسة بين القوى السياسية ازاء رفع سعر صرف الدولار باهتمام العراقيين نظرا لآثاره الكارثية المباشرة على معيشة المواطنين وأسعار السلع في السوق، ولكونه أحد أوجه الفساد المالي وهدر المال العام، إضافة إلى انه أحد أدوات الصراع على مغانم السلطة من قبل الأحزاب.
وعلى اثر الضجة التي أثارتها بعض القوى السياسية والشرائح الشعبية حول رفع الحكومة سعر صرف الدولار، فقد استضاف مجلس النواب، وزير المالية علي علاوي المثير للجدل، لمناقشة تداعيات سعر صرف الدولار. وخلال الاستضافة أشار العديد من أعضاء مجلس النواب إلى الآثار المدمرة لقيام الحكومة برفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار بنسبة الثلث، ما خلق تداعيات سلبية واسعة على السوق من خلال ارتفاع أسعار المواد وزيادة البطالة وتضرر شريحة الفقراء. وفي المقابل دافع وزير المالية عن قرار رفع سعر صرف الدولار بقوة مدعيا ان هذا الإجراء أحد أهم سبل معالجات الأزمة المالية للحكومة، للتمكن من تسديد الديون ودفع الرواتب وتنفيذ المشاريع.
وكان وزير المالية علي علاوي قد تعرض إلى انتقادات حادة سياسيا وشعبيا بسبب دوره في رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار، كما انه رفض في البداية الحضور إلى البرلمان، ما دفع نائب رئيس البرلمان حاكم الزاملي، للطلب من الادعاء العام منع علاوي من السفر «حفاظا على المال العام» حسب قوله، فيما حمّل وزارة الداخلية والمخابرات مسؤولية مغادرة وزير المالية، العراق قبل اكمال استجوابه في البرلمان على الملفات المثبتة عليه.
ورغم ان رفع سعر الدولار حصل قبل نحو عام وأثناء تقديم ميزانية 2021 إلا ان أزمة الدولار، تجددت بسبب مطالبات شعبية واسعة بإعادة سعر الصرف إلى السابق في ميزانية 2022 للتخفيف من الضغوط على أسعار السلع، ما دفع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، لتقديم مقترحات بشأن سعر الصرف وإعادة النظر بعمل بعض البنوك الخاصة، وإيقاف تهريب العملة، وتنظيم سوق العملة، وغيرها من المقترحات، وهو ما عده المراقبون بان صاحب العدد الأكبر من مقاعد البرلمان، بدأ تنفيذ برامجه في الحكومة رغم تعقد مسألة تشكيل حكومة الأغلبية التي يطالب بها الصدر.
وأدت التصريحات والتنافس السياسي على الموضوع، لخلق أزمة مالية جديدة وفوضى في أسعار صرف الدولار في الأسواق، وسط شائعات انتشرت باحتمال تغيير أسعار الصرف، واندفاع المواطنين إلى بيع أموالهم من الدولار، في فوضى استثمرتها مافيات المضاربة والفساد، من أجل زيادة مكاسبها على حساب اقتصاد البلد ومعيشة المواطنين.
موقف الحكومة
ورغم المطالبات الشعبية والسياسية، ومع استضافة وزير المالية ومحافظ البنك المركزي في البرلمان، إلا ان الحكومة تمسكت بسعر صرف الدولار، حيث ان البنك المركزي العراقي، حسم الأمر بإعلان عدم وجود نوايا لتغيير سعر الصرف الحالي. وذكر بيان المركزي «أن رفع سعر الصرف حقق النتائج الإيجابية خلال المدة الماضية» مشددا على «تمسكه بمبررات رفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي، مثل زيادة احتياط البنك المركزي من العملة الأجنبية، وتمكين الحكومة من صرف الرواتب والالتزامات المالية» من دون ان يشير إلى الزيادة الكبيرة في أسعار النفط حاليا.
أما المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، فقد حذر من تأثر سوق العملة بالتصريحات المتضاربة، مبينا إن «سوق العملة تتأثر بالمعلومات حتماً كما تتأثر سوق بيع السندات أيضاً والتي تعتبر سوقاً حرة وفيها مبارزون وسوق معلومات». وأضاف، أنه «في حال تعديل سعر الصرف ستكون به منفعة وخسارة، وتكون خسارة الدولة أكبر كونها حققت إيرادات إضافية».
وأقر المستشار أن «على الحكومة معالجة الآثار المترتبة على رفع أسعار الصرف خاصة على الفقراء» مشيرا إلى «هناك اتجاهان لحل الأزمة، الأول إعادة تقييم الدينار، أو يجب أن تستخدم التعويضات بإجراءات مثل تعديل الضرائب والرسوم الجمركية وتوسيع قاعدة الإعانة الاجتماعية وتحسين الحصة الغذائية للفقراء» واضاف، أن «من ضمن الحلول أيضاً، الحفاظ على أسعار الوقود والسلع المواد الغذائية والاستهلاكية في الأسواق للتعويض عن انخفاض الدخل».
وكان خفض سعر الدولار مقابل الدينار، قد جاء عند إعداد حكومة مصطفى الكاظمي ميزانية 2021 في ظل انخفاض كبير بأسعار النفط آنذاك، بوجود جائحة كورونا، ووجود عجز مالي كبير لتسديد الرواتب والمصروفات الحكومية، إلا ان ذلك الإجراء تسبب في رفع كبير في أسعار السلع والخدمات وشكل ضغوطا كبيرة زادت من صعوبات المعيشة لأغلب شرائح المواطنين.
الدولار والصراع السياسي
وجاءت حملة التصريحات ازاء سعر صرف الدولار مناسبة مفيدة لمعظم القوى السياسية المتصارعة على تشكيل الحكومة، من أجل توجيه الانتقادات للطرف الآخر المنافس، وتحميله مسؤولية رفع أسعار الصرف فيما وعد البعض بخفض أسعار الدولار إذا استلم الحكومة المقبلة. إلا أن أغلب الكتل السياسية تبادلت الاتهامات كون جميع الأحزاب في البرلمان تبنت رفع سعر الدولار وصوتت له في الدورة البرلمانية السابقة.
وفي السياق شن التيار الصدري، حملة انتقادات لوزير المالية، الذي يتهمه البعض بانه مدعوم من قوى سياسية فاسدة، حيث أشارت قيادات التيار إلى وجود «سماسرة تستجدي» عدم استضافة وزير المالية علي عبد الأمير علاوي، تحت قبة البرلمان. ومتهمين الوزير بانه «من العائلات الارستقراطية التي لا تشعر بمعاناة الفقراء» فيما حملوا الوزير وحكومة مصطفى الكاظمي مسؤولية زيادة معاناة الفقراء.
ويرى الخبراء الماليون، ان السبيل الوحيد لتغيير سعر صرف الدولار وارجاعه إلى ما كان عليه، يتم من خلال مقترح بتعديل سعر الصرف، يقدمه محافظ البنك المركزي، إلى البرلمان حتى يعطيه الشرعية، وإذا حظي التصويت بالأغلبية يعتمد هذا التغيير، إلا ان بعض النواب والسياسيين والمحللين، كشفوا صعوبة تحقيق ذلك بوجود الجهات المستفيدة من تغيير سعر الصرف، مشيرين إلى ان البنوك الخاصة في العراق عبارة عن اقتصاديات للأحزاب وأخرى لغسيل الأموال، كما ان بعض الشخصيات التي تدير البنك المركزي لديها مصارف خاصة.
وكان قرار البنك المركزي العراقي عام 2020 بخفض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار من 1190 ديناراً للدولار الواحد إلى 1450 ديناراً، قد تسبب بارتفاع الأسعار في الأسواق، وهو ما أثر سلبا على أصحاب الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، إضافة إلى ازدياد البطالة ومعدلات الفقر والجريمة، والمشاكل الاجتماعية، حيث أعلنت وزارة التخطيط مؤخرا، ان نسبة الفقر بلغت بين 23 – 25 في المئة في العراق.
سوق العملة الأجنبية
وكمثال على سوء الإدارة المالية وتفشي الفساد ونهب موارد الدولة من العملة الصعبة، تأتي قضية «سوق بيع العملة الأجنبية» كواجهة لنهب ثروات العراق، حيث تقوم الحكومة ببيع الدولار بسعر مخفض للبنوك وشركات الصرافة الخاصة، بحجة تغطية استيراد سلع من الخارج، أكد العديد من النواب ان معظمها وهمية، مما يتيح لها إجراء تحويلات مالية تصل إلى مليارات الدولارات سنويا، وهو باب تستغله الأحزاب المتنفذة ومافيات الفساد، للحصول على أموال طائلة من الدولة من دون تقديم مقابل ينفع الاقتصاد العراقي.
وقد دعا عضو اللجنة المالية النيابية، النائب محمد صاحب الدراجي، القضاء للتحقيق في «مزاد العملة» لما فيه من هدر واستنزاف وتهريب للعملة الصعبة، مؤكدا «ان مزاد العملة باع 27 مليار دولار خلال 9 أشهر من عام 2021». وهو ما دفع رئاسة الادعاء العام في العراق، إلى توجيه كتاب لمحكمة تحقيق الرصافة المختصة بقضايا النزاهة وغسيل الأموال والجريمة الاقتصادية، باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للتحقيق بخروقات نافذة بيع العملة الصعبة في البنك المركزي العراقي.
ورغم مطالبات كثيرة سياسية وشعبية للحكومة بغلق سوق بيع العملة لكونه غطاء لهدر أموال البلد، إلا ان ضغوط القوى السياسية والميليشيات والمافيات المستفيدة، منعت الحكومة من ذلك.
ويتفق المختصون على ان الاقتصاد العراقي يغيب عنه التخطيط والرؤية الشاملة من خلال الاعتماد على ايرادات بيع النفط كمصدر أساسي لنفقات الدولة حيث تشكل واردات النفط نحو 90 في المئة من الميزانية، فيما توجه الانتقادات إلى حكومات ما بعد 2003 باهمال القطاعين الزراعي والصناعي، والتبذير في النفقات الحكومية والفساد، ما جعل الاقتصاد ضعيفا وغير قادر على مواجهة التحديات، بسبب الفوضى المالية السائدة في البلد، في قضية الدولار وغيرها، فيما تبدو آفاق الحل شبه معدومة ليس لأنها غير معروفة، بل لأن الأحزاب المتحكمة بالدولة منذ 2003 تتجاهل الحلول الحقيقية وتلجأ إلى إجراءات شكلية لتوجيه الاقتصاد العراقي بما يخدم مكاتبها الاقتصادية على حساب مصالح الشعب.