أفكار ناقصة عن شوارع بيروت:
بيروت ـ “القدس العربي” ـ من ناظم السيد: بيروت الآن بين شارعين: شارع المعارضة الذي تمدد في الداون تاون، وتحديداً في ساحتي الشهداء ورياض الصلح، وشارع الموالاة المتنقل من البقاع الغربي الي طرابلس ومن عاليه الي إقليم الخروب جنوباً. المعارضة تمسك بدماغ المدينة. أنصار الموالاة بدورهم رفعوا أعلاماً علي شرفات بيوتهم. مشهد سوريالي. العلم اللبناني نفسه تفهمه في اتجاهين بحسب موضعه. العلم اللبناني في شوارع بيروت معارضة. العلم اللبناني علي شرفات بيروت موالاة. الشارع يتكلم. يتسابق مع السياسيين. مرة يدفعونه الي التصادم. ومرة أخري يسحبهم خلفه بالغواية والحماسة. الشارع نفسه غدا قوة سياسية. العدد لم يعد مجرد رقم صامت. لقد استعاد العدد حقيقته الرياضية.
هنا في ساحتي الشهداء ورياض الصلح نصب المعارضون مئات الخيم. شبان وشابات من تيارات مختلفة: حزب الله، التيار الوطني الحر، المردة، التنظيم الشعبي الناصري، حركة الشعب وغيرها من القوي الوطنية والأحزاب العلمانية واليسارية. المعارضون استعدوا لمعركة طويلة. لقد جلبوا معهم خزّانات مياه ومولّدات كهرباء وحمّامات ومطابخ. بدورهم الباعة أتوا من كل مكان وأقاموا أكشاكا متنقّلة. تدخل المخيم من تحت جسر فؤاد شهاب الذي يصل غرب بيروت بشرقها، مقوّساً ظهره بمحاذاة ساحة الشهداء. الخيمة الأولي نشرت صوراً فوتوغرافية عن الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990. مقاتلون فلسطينيون بكوفياتهم وأسلحة الكلاشينكوف. مواطنون يرفعون جثثاً من تحت الأنقاض. لكن منظر الجثث لا يدعو الي الانفعال. إنها جثث قديمة جداً. ميتة جداً. صورة أخري لبوسطة عين الرمانة المزخرفة بالرصاص، حين اندلعت الشرارة الأولي للحرب في 13 نيسان (ابريل). شبّان في مواقع قتالية يطلقون النار من علي سطح بناية في بيروت. رجل يقف في منتصف الشارع ويرمي رشقاً واضحاً باتجاه البناية التي تبعد عنه أمتاراً قليلة. الصور السوداء والبيضاء معّلقة علي شريطين يشبهان أشرطة الغسيل. لكن منظرها أقرب الي تلك الصور التي يتم تجفيفها في استديو التحميض. علي مسافة غير قليلة تمتد خيم للتيار الوطني الحر. أعلام برتقالية ترتفع هنا أو تسترخي في إحدي الزوايا. شعارات كثيرة تمَّ لصقها علي أبواب الخيم أو علي عصي: شراكة لا شركة، نريد حكومة نظيفة، نصر من الله. هذه العبارة التي يمكن تأويلها بسهولة علي أنها نصرالله. والسبب أن كلمتي نصر و الله كتبتا بخط أحمر، بينهما من هزيلة بخط أسود. لكن الخيم ليست كلها حزبية. هناك خيمة لطلاب الجامعات وخيمة للدَين العام وخيمة/ مرسم لطلاب الرسم وخيم لقري ومناطق وشوارع في بيروت وضواحيها. هناك خيم للنساء المحجّبات أيضاً. فتاة تدرس قرب خيمة. أم تساعد ابنها في واجباته المدرسية. هل هذا فعل ثقافي؟ ربما يري البعض أنَّ مخيّم المعارضة غير مدني. النائب وليد جنبلاط سمّاه سوق الحميدية، السوق الشعبي الشهير في دمشق. ثمة أناس يتدفقون كالأنهار من الضواحي بشكل شبه يومي ويعودون مشياً. هل المشي فعل ثقافي في حال كهذه؟ التظاهر علي هذا النحو لا يعكس المعسكرين السياسيين اللذين يتفاعلان ويتعاركان في لبنان فحسب، وإنما يعكس تلك الحيوية الثقافية في هذا البلد. إذا تركنا الهدف السياسي من التظاهر، يمكننا أن نري تنوّعاً كبيراً في أساليب التعبير. لم تعد اليافطات تحمل عبارات إيديولوجية فقط. اليافطة باتت أقـرب الي الطرفة. مؤيدو قوي 14 آذار رفعوا صوراً للرئيس إميل لحود بلباس البحر في إشارة الي الرياضة المفضّلة لدي الرئيس. أو كانوا يرفعون يافطات كتبوا عليها أختي مسافرة/ وحا عمل حفلة، قياساً علي أغنية مصرية شبابية، قاصدين بكلمة أختي الشقيقة سورية. وهناك فتاة رسمت علي صدرها الناهد علماً لبنانياً جعلني أندم شخصياً علي فراري حتي اليوم من خدمة العلم. أما مؤيدو قوي 8 آذار فحوّلوا ضيافة الشاي للجيش الإسرائيلي من قبل قائد القوي العسكرية والأمنية التي حوصرت في مرجعيون أثناء حرب تموز، الي شعار لا لصبّابين الشاي تلميحاً الي الأغنية الشهيرة. أو جعلوها هتافاً ضد الوزير أحمد فتفت الذي كان وزير الداخلية بالوكالة أثناء الحرب: أحمد فتفت يا قبضاي/ اتنين قهوة واحد شاي. شعارات تجعل الآخر كاريكاتورياً. إنها حروب النكتة الأكثر إضحاكاً. كلما نزل فريق الي الشارع حشد معه نكاته المصوغة علي شكل يافطة أو هتاف. النكتة التي تهدف الي تحطيم معنويات الخصم ثقافة قديمة. لطالما استعمل الضحك كوسيلة للنقد السياسي. فن الكاريكاتور مثلاً. الكرنفال أيضاً بدأ نقداً ساخراً للسلطات الحاكمة والطبقات الأرستقراطية. مسرح الشانسونيه في فرنسا استخدم كوسيلة نقد سياسي. أن تجعل خصمك نكتة يعني أن تجرّده من القوة والذكاء معاً. وهذا ما يفعله المتخاصمون في لبنان. أحياناً ينقلون المواجهة من الشارع الي الإنترنت. عشرات الصور يتم تبادلها في لبنان تصوّر الخصومات السياسية بطريقتها. هناك صورة تظهر أحمدي نجاد ربَّ أسرة شاباً يحمل بيديه إميل لحود الذي صُوّر علي شكل فتاة صغيرة، والي جانبه بشّار الأسد علي شكل زوجته ويحمل بيديه ميشال عون الذي صُوّر كطفلة أيضاً. صورة أخري يظهر فيها سمير جعجع طفلاً وادعاً في حضن البطريرك صفير. وثمة صورة كتب تحتها حارة كلمن إيدو إلو تصوّر المتخاصمين من السيد حسن نصرالله الي وليد جنبلاط وسعد الحريري وسمير جعجع وغيرهم علي شكل غوّار الطوشي وأبو عنتر وياسين وأبو كلابجة وحسني البارزان. هذه النكتة وبأشكال لا تحصي انتقلت الي رسائل الهواتف. لكنَّ النكتة التي تقوم علي فكرة الضحية أو تهميش الآخر، تكشف الجانب الحضاري لهذا الصراع إذا استثنينا عنفاً هنا وهناك. النكتة شتيمة مواربة. إنها شتيمة فنية. شتيمة المخيلة حين تؤلف أو ترسم.
بيروت ومعها لبنان دائماً في الشارع. ليس الأمر افتتاناً بالسياسة فقط. إنه ضريبة الثقافات التي تتنوّع هنا وتنقلب علي نفسها عند كلِّ تحوّل في السياسات الدولية والإقليمية. الثقافة في لبنان انقلابية ومثلها تفعل السياسة.