بعدما برَر أنصار القائد العسكري لشرق ليبيا خليفة حفتر تمدُد قواته نحو الجنوب مطلع العام الجاري، بالقضاء على الجماعات المسلحة، التي تتحكم بشبكات التهريب والجريمة المنظمة، في ظل غياب الدولة، استخدموا الذريعة ذاتها لتبرير الحملة العسكرية الحالية على العاصمة طرابلس، والتي تحظى بدعم سياسي وعسكري من فرنسا وبعض الدول العربية. وأدى وقوف باريس السافر إلى جانب حفتر إلى تفاقم الصراع مع ايطاليا وتراشق الحكومتين علنا بالتهم بالطمع في ثروات ليبيا. وفي المُحصِلة أدت “حرب طرابلس” إلى تعطيل المسار السياسي الذي كاد يُفضي إلى عقد “الملتقى الوطني الجامع” في غدامس.
فبعد يومين من إطلاق حفتر هجوما على العاصمة طرابلس في الرابع من الشهر الجاري، حقق الايطاليون كسبا اقتصاديا مهما من خلال إبرام المدير العام لمجموعة “إيني” الايطالية أنطونيو فيلا اتفاقا جديدا مع رئيس “المؤسسة الوطنية للنفط” مصطفى صنع الله. ووقع صنع الله وفيلا على وثيقتين الأولى هي بروتوكول لتشكيل لجنة قيادية مشتركة مكلفة بتسريع إنتاج الغاز الطبيعي في مشروع نفطي وغازي بحري، يقع في ساحل مدينة صبراتة (شرق) والثاني يخص التمويل المشترك لبرامج تعزيز القدرات للعاملين في “المؤسسة الوطنية للنفط” و”شركة مليتة للنفط والغاز”. وسيُمكن المشروع الأول عند انتهاء العمل فيه من ترفيع الانتاج من الغاز الطبيعي إلى 760 قدم مكعب في اليوم.
النفط يُسمم العلاقات
وتشكل المشاريع النفطية المشتركة مع ايطاليا أنموذجا للموقع الخاص الذي يحتله الايطاليون في ليبيا، والذي يُسمم العلاقات بينهم وبين الفرنسيين، منافسهم الرئيس في ليبيا. وبالإضافة للنفط الآتي من ليبيا بصورة قانونية، يعتمد الايطاليون أيضا على البنزين المُهرب من ليبيا، والذي يشكل حسب إحصاءات ايطالية 9 في المئة من البنزين المُوزع في محطات بيع الوقود في كافة أنحاء إيطاليا.
ويُعتبر مخزون ليبيا من المحروقات والمواد الأولية، المصدر الأول لأطماع الدول الصناعية الكبرى في ثرواتها، لا سيما أنها تمتلك أكبر مخزون من النفط في القارة الافريقية. والغريب أن باريس وروما باتتا تتصارعان علنا على الكعكة الليبية وتدفعان الفئات المحلية الموالية لهما إلى الاقتتال، وهو ما أدى إلى اندلاع المعارك الدائرة حاليا في الضواحي الجنوبية والشرقية للعاصمة طرابلس.
اختلال الموازين العسكرية
وتظهر بشكل واضح بصمات الفرنسيين في الهجوم الذي شنته قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر بداية من يوم 4 الجاري، للسيطرة على المدن الرئيسية في الغرب الليبي، وخاصة العاصمة طرابلس، ما أدى إلى اختلال الموازين العسكرية في تلك المنطقة، التي كانت خارجة عن مناطق نفوذ حفتر. وكان الأخير أطلق في بواكير العام الجاري هجوما على الجنوب الليبي، تمكن بعده من بسط سيطرته الكاملة على المدن الرئيسة في الجنوب، وهي سبها، عاصمة اقليم “فزان” والقطرون ومُرزُق والجفرة وغات. ولم تكن السيطرة على تلك المدن أمرا صعبا بسبب غياب الدولة عن مناطق الجنوب الليبي منذ خمس سنوات، حيث انتشرت عصابات التهريب والجماعات المسلحة التي تم إبعادها من مدينة سرت الساحلية في 2016. واتخذ حفتر من مطاردة تلك العصابات المسلحة ذريعة لتبرير هجومه على الجنوب والاستيلاء على القواعد العسكرية، وأهمها قاعدة تمنهنت القريبة من سبها، والتي غيرت موازين القوى لصالح حفتر.
ويضم الجنوب معظم حقول النفط في البلاد، وتنتج فزان قرابة نصف مليون برميل يوميا. وحسب خبراء نفطيين بات 70 في المئة من حقول النفط الرئيسية، التي تقع في مناطق الشرق والجنوب، في قبضة حفتر، ما شكل انعطافا كبيرا ليس فقط في موازين القوى بين الفرقاء الليبيين، وإنما أيضا في ميزان الصراع العسكري والسياسي والاقتصادي بين فرنسا وايطاليا، إذ تبقى مجموعة “إيني” الشريك الأول لمؤسسة النفط الليبية متقدمة على مجموعة “توتال” الفرنسية.
تحذيرات إيطالية
دبلوماسيا تكثفت الاتصالات بين الفرقاء الليبيين والعواصم الغربية بحثا عن مخرج لإيقاف القتال، واجتمع رئيس الوزراء الايطالي جوزيبي كونتي مع موفد من حفتر لم يكشف عن هويته، وقال كونتي للبرلمان الايطالي إنه بحث مع الموفد الليبي تطورات الموقف في طرابلس، من دون إعطاء إيضاحات. لكنه حذر من احتمالات تدهور الأوضاع الانسانية في ظل عدم وجود علامات على التراجع. وأكد كونتي أن السفارة الايطالية في طرابلس ستظل تعمل و”مصالحنا على الأرض ستبقى محمية”.
أما نائب رئيس الوزراء الايطالي لويجي دي مايو فنفى نفيا قطعيا أي نية لايطاليا للتدخل العسكري في ليبيا “سواء اليوم أو غدا”، مؤكدا أن بلده لن يُكرر أخطاء الماضي، و”لا نريد تدخلاً مكررًا في ليبيا”، في إشارة إلى التدخل الفرنسي في العام 2011 على أيام الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، مُضيفا “لن ندعم أبدا أية تدخلات محتملة من دول أخرى”. في الجانب المقابل استدعى السراج السفيرة الفرنسية لدى ليبيا بياتريس دو هيلان وأبلغها احتجاجا شديد اللهجة على دعم باريس للواء حفتر، غير أن مسؤولين فرنسيين في الأمم المتحدة حاولوا إبعاد الشبهة عن بلدهم وأكدوا أن باريس لا تملك أجندة خفية في ليبيا.
وأقر رئيس البرلمان الأوروبي أنطونيو تاجاني (ايطالي) بأن مصالح فرنسا وايطاليا متضاربة. وقال “إن أوروبا تحتاج أن تتحدث بلغة واحدة وصوت واحد، لكنها منقسمة على نفسها في الملف الليبي”. ويتعاطى الفرنسيون والايطاليون مع ليبيا الغنية بالثروات الطبيعية كما لو أنها كعكة جاهزة للتقسيم. ويرتبط الموقف الفرنسي المؤيد لحفتر بما تعتبره باريس “مصالح حيوية” لها في المنطقة، وهي تشمل جنوب ليبيا (فزان) وتشاد والنيجر ومالي وشرق السودان. وبهذا المعنى فإن سيطرة حفتر، حليف باريس، على الجنوب الليبي تندرج في إطار حماية المصالح الفرنسية في المنطقة، وهي تشكل درعا للقوات الفرنسية المرابطة في كل من مالي والنيجر. أما ايطاليا، المُستعمر السابق، فتعتقد أنها أكثر استحقاقا للاستئثار بالثروات الليبية. وقد نسجت علاقات وثيقة مع القوى السياسية والقبلية الداعمة للمجلس الرئاسي في طرابلس، وكذلك مع التشكيلات المُسيطرة في مدينة مصراتة.
خطة جاهزة
وكشف أحمد المسماري قائد الأركان في قوات حفتر، أن السيطرة على الجنوب لم تكن سوى تمهيد للاتجاه شمالا صوب طرابلس. ومنذ نهاية “عملية الكرامة” التي أطلقها حفتر في 2014 استمر صراعه مع غرمائه في العاصمة بأشكال مختلفة طيلة السنوات الأربع الماضية، وخاصة حكومة الوفاق الوطني، التي يعتبرها غير شرعية. لذا ما أن استقرت له الأوضاع في الجنوب، الخارج عن قبضة الدولة المركزية، حتى باشر تنفيذ خطة غزو العاصمة.
عسكريا تستمر حرب المواقع بين قوات حفتر والقوات التابعة للمجلس الرئاسي في ضاحية عين زارة ومطار طرابلس الدولي، من دون أن يتفوق أحدهما على الآخر. كما نشبت اشتباكات عنيفة في منطقة السواني بلا حسم أيضا. ويستدل خبراء على خطورة المعارك الدائرة حاليا في ضواحي طرابلس، بأن طلقة واحدة من أحد المدافع قتلت ستة مدنيين، بينهم طبيب كان يحاول إنقاذ المصابين على متن سيارة إسعاف، حسب ما روى الباحث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية جلال حرشاوي. وتضاربت تقديرات الخسائر البشرية جراء الاشتباكات الجارية حاليا في طرابلس، إلا أن المنظمة العالمية للصحة قدرت عدد الجرحى بأكثر من 300 جريح والقتلى بـ56 قتيلا بينهم طبيبان وسائق سيارة إسعاف، بالإضافة لأكثر من 9000 نازح. وحذرت المنظمة من انتشار أوبئة من بينها السل وأمراض المعدة جراء التدهور البيئي والأوضاع المعيشية المتردية. كما أثارت المعارك في طرابلس مخاوف لدى دول الجوار، وخاصة تونس والجزائر من احتمال نزوح سكان المدينة عبر الحدود بحثا عن الأمان.
رعبٌ في طرابلس
واستولى الرعب على سكان العاصمة بعد عودة شبح المعارك التي اكتووا بلظاها في 2014، غداة الصراع بين قوات “فجر ليبيا” القادمة أساسا من مصراتة وقوات “الجيش الوطني” الذي أطلق “عملية الكرامة” بقيادة حفتر. وتركزت المعارك على خمسة محاور في الضواحي الجنوبية والشرقية لطرابلس، وهي قصر بن غشير ووادي الربيع والمطار وعين زارة وخلة الفرجان. وشارك الطيران الحربي في المعارك، إذ قصفت طائرات يُعتقد أنها أقلعت من مطار مصراتة مواقع قوات حفتر، كما استُخدمت الأسلحة الثقيلة والصواريخ. والأرجح أن قوات مصراتة التي أخرجت عناصر تنظيم “داعش” من مدينة سرت العام 2016 في إطار عملية “البنيان المرصوص”، ستزحف على طرابلس إذا ما عجزت القوات التابعة للسراج عن احتواء تقدم جيش حفتر في أحياء المدينة. وحذر مصطفى صنع الله رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في تصريح لصحيفة “فايننشال تايمز” من كارثة أكبر، مؤكدا أن استمرار القتال بين الفريقين “يمكن أن يقضي على إنتاج ليبيا من (النفط) الخام”. كما نددت المستشارة الألمانية انغيلا مركل بما يُسببه هجوم قوات حفتر على طرابلس من ترويع وتهديد لحياة المدنيين، مشددة على ضرورة إيقاف القتال والانسحاب.
حصيلة كارثية
يمكن القول إن أكبر خسارة ترتبت على حرب طرابلس هي تعطيل المسار السياسي الذي كاد يُفضي إلى عقد “الملتقى الوطني الجامع”، والذي كان مقررا إقامته في مدينة غدامس بين يومي 14 و16 الجاري بحضور كافة الأطياف السياسية. وقضى إرجاء الملتقى إلى تاريخ غير مُحدد على جهود مكثفة بذلتها الأمم المتحدة وغالبية الفرقاء الليبيين، وأعطت مؤشرات على وضع الأزمة على سكة الحل السياسي من خلال اجتماع السراج وحفتر في أبو ظبي يوم 27 شباط/فبراير الماضي، واتفاقهما على “ضرورة وضع حد للمرحلة الانتقالية من خلال إجراء انتخابات عامة”. بهذا المعنى تُعتبر مبادرة حفتر إلى الهجوم على طرابلس إعادة للملف إلى دائرة الصراع العسكري وإفشالا للجهود الدولية والأممية الرامية لإنهاء الصراع الليبي سلما والتوجه إلى الانتخابات. ومع ضياع هذه الفرصة سيكون من المضني استئناف الجهود في المستقبل لإعادة المسار السياسي إلى السكة.