حرب على الكوفية الفلسطينية بين أغنية عساف وجريمة القتل الفرنسية … وجنبلاط كرمز لمرحلة

حجم الخط
3

 بعد جدل وتعليقات ساخنة حول خبر حذف أغنية محمد عساف «علّ الكوفية» من موقع قناة «أم بي سي» السعودية على «يوتيوب» جرى التوضيح أن الأغنية ما زالت على موقع القناة، لكنها محجوبة من الظهور في الولايات المتحدة وفي فلسطين، حيث قامت شركة إنترنت إسرائيلية بحظر الأغنية هناك.
اجتهد الناس في تفسير غياب الأغنية، لكنهم لم يخطئوا تماماً، إذ بات سلوك السعودية تجاه الفلسطينيين ورموزهم غير خاف على أحد، وربما لولا أن القناة ما زالت تستثمر في الأغنية، التي وصل عدد مشاهداتها في يوتيوب إلى أكثر من 91 مليون مشاهدة، وكان عساف غناها فور حصوله على لقب «محبوب العرب» منذ سبع سنوات في برنامج «أراب آيدول» لما ترددت في حجبها، بالقياس إلى تخلّيها، إن لم نقل إلى انقلابها على الفلسطينيين وكل ما يجمعها بقضيتهم.

يتكهن كثيرون اليوم أن محمد عساف لن يكون محظوراً في فلسطين وحسب، بل وكذلك في السعودية والإمارات، جرياً على عادة الدول المطبّعة، تلك التي تمهد للتخاذل بالتضييق على الفلسطينيين.

ربما ما زاد النار اشتعالاً منع المغني الفلسطيني من دخول بلده فلسطين بقرار إسرائيلي، مع تصريح لعضو كنيست يقول إنه سيطلب من الإمارات، حيث يقيم، حظر نشاطه الفني.
علماً أن عساف حصل على تصريح لدخول إلى القدس بصفته سفير الشباب لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا».
تصريح عضو الكنيست قد يشي بما تحمله السنوات العجاف المقبلة، إذ إن التطبيع قد يعني، من بين أشياء كثيرة، أن الإسرائيليين قد يتحكّمون قريباً بكل صغيرة وكبيرة، من المطاعم إلى الأغاني، إلى حذف الكوفية من أساسها، بعد الإمساك بالملفات الكبير المعتادة.
يتكهن كثيرون اليوم أن محمد عساف لن يكون محظوراً في فلسطين وحسب، بل وكذلك في السعودية والإمارات، جرياً على عادة الدول المطبّعة، تلك التي تمهد للتخاذل بالتضييق على الفلسطينيين. وقد يسمح لعساف، لكن من دون كوفيته.

الكوفية في قلب الجريمة

أمام محرر الأخبار في موقع إذاعة «مونت كارلو الدولية» الفرنسي العديد من الخيارات من أجل صورة مرفقة مع خبر عنوانه «من هو عبد الحكيم سيفريوي الذي حرّض ضد الأستاذ المقتول؟».
الخبر يتحدث عن رجل سبعيني مغربي الأصل، اعتقل أخيراً، حيث «جرى تداول فيديوهات نشرها سيفريوي قبل الجريمة المروعة التي هزّت مدرسة كونفلان سانت أونورين بالضاحية الباريسية، حيث ظهر وهو يحرض ضد الأستاذ الضحية سامويل باتي واصفا إياه بالنذل».

هذا الزجّ للكوفية الفلسطينية في جريمة بغيضة كقتل أستاذ التاريخ الفرنسي ليس الخيار المهني الأدق، إن لم نقل إنه تصرف بغيض من محرّر الأخبار.

محرّر الخبر يستثمر الإشارة إلى تأييد سيفريوي لـ «حركة حماس الفلسطينية» ليختار له صورة من «فيسبوك» يضع فيها كوفية فلسطينية حول عنقه. ولا نحسب أنه استخدام بريء من قبل المحرر، فلا شك أن  لديه أرشيفاً أغنى من الصور، ما دامت صفحة الرجل في فيسبوك مفتوحة أمامه، وعلى الأقل كانت لديه الفيديوهات المحرضة كي يختار منها ما يشاء.
هذا الزج للكوفية في جريمة بغيضة كهذه ليس الخيار المهني الأدق، إن لم نقل إنه تصرف بغيض آخر من محرر الأخبار.

«تكويعة» البيك

من بنى أملاً على ثورة الاستقلاليين اللبنانيين بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري العام 2005 لا يمكن أن ينسى أداء الزعيم وليد جنبلاط، الذي كنا نتابعه من محطة لمحطة آنذاك، ليس فقط كبوصلة، كما فهمنا من سياسيين خبراء، لاستكشاف الأحداث السياسية المحتملة، بل كبوصلة للأمل. حينذاك لشدّ ما تغنّينا بخطابه أمام الجماهير، متوجهاً إلى بشار الأسد: «يا حاكم دمشق، أنت العبد المأمور ونحن الأحرار». وكما هو واضح، لم تستطع السنون أن تمحو العبارة الخالدة، كما مشهد الزعيم، رافعاً يده إلى أعلى ما يستطيع، وقامته كذلك.
في محطات أخرى عديدة تخاذلَ الزعيم، ولا بدّ من الاعتراف أننا كنا نتسامح مع الأمر، على أساس أن هذا هو وليد جنبلاط، كأننا نريد أن «نأخذه على قد عقله» أو أننا لا نريد أن نصدّق أن صاحب الخطاب الرائع ذاك يمكن أن يتراجع أو يخور.

لشدّ ما تغنّينا بخطاب جنبلاط أمام الجماهير متوجهاً إلى بشار الأسد: «يا حاكم دمشق، أنت العبد المأمور ونحن الأحرار».

لكن الرجل أصرّ على تذكيرنا بمعدنه مرة تلو المرة، أن يعود بنا إلى تلك اللحظة المؤسسة في أدائه السياسي والشخصي، عندما قبل بمصافحة قاتل والده، وهو يعرف جيداً أنه قاتله، تحت يافطة حماية الطائفة، وحماية لبنان، وخلافه.
آخر تصريحات وليد بيك جنبلاط لقناة «الجديد» أخيراً جاءت مذهلة أكثر من أي مرة؛ قال: «افتعلتُ 7 أيار. أخطأت بالحسابات.. تحمّست. حمّسوني». محللون سياسيون فهموا أن تلك التصريحات هي من أجل التقارب مع «حزب الله» في إطار قراءة جديدة للمشهد السياسي، يصل فيه إلى تبني رؤية الحزب من ثورة «17 تشرين» التي تستعاد الآن ذكراها الأولى.
«تكويعة» جنبلاط الجديدة قد لا تقف عند حدّ تبرئة القمصان السود من غزوة بيروت، فقد يصل بعدها إلى تأكيد صوابية الذهاب إلى السيدة زينب.
ويا له من خذلان! ألا يليق بجنبلاط أن يكون رمزاً؟!
بلى، هو بالذات يمكنه أن يكون خلاصتها. لولا تلك النظرة المنفعية، وقلة الأصل، والمبادئ عند عموم السياسيين، لما وصل لبنان، والمنطقة عموماً إلى ما وصلت إليه.

كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية