حرب غزة: علاقة الولايات المتحدة مع إسرائيل.. من “حليف استثنائي” إلى نقاط خلافية

حجم الخط
0

إن الوقوف الأمريكي إلى جانب إسرائيل في حرب «السيوف الحديدية» لم يسبق له مثيل، ربما باستثناء حرب يوم الغفران. فالولايات المتحدة تشارك إسرائيل في هدف القضاء على حماس وخلق واقع أمني جديد في قطاع غزة والمنطقة الحدودية. ومن الناحية العملية، كان هناك تقسيم غير رسمي للعمل بين البلدين، حيث ركزت إسرائيل على حماس وعملت الولايات المتحدة على تثبيط همة إيران ووكلائها عن التصعيد إلى حد شن حملة إقليمية. ولكن في الوقت نفسه، وضعت الإدارة حدوداً لتصرفات إسرائيل، ولطبيعة القتال في غزة، وطالبت بتقليص الضرر الذي يلحق بالمدنيين وبتوفير الحد الأقصى من المساعدات الإنسانية؛ واحتواء الحرب في قطاع غزة ومنع التصعيد في ساحات أخرى؛ ومنع ترحيل الفلسطينيين من القطاع؛ والانتقال السريع إلى المرحلة الثالثة من الحملة والتخفيف من حدتها. وتركز الإدارة الآن على جهود التوصل إلى اتفاق لإعادة المختطفين يتضمن هدنة طويلة الأمد، تركز خلالها على تعزيز الخطوات التي ستؤدي إلى نهاية الحرب وتصميم نظام إقليمي جديد على أساس إقامة الدولة الفلسطينية، والتطبيع مع السعودية، وإنشاء جبهة ضد إيران. لكن عدم الاستعداد الإسرائيلي لصياغة مفهوم “اليوم التالي” ومعارضتها للرؤية التي وضعتها الإدارة، وكذلك نية إسرائيل توسيع الحملة في قطاع غزة إلى منطقة رفح أيضاً هي أبرز نقاط الخلاف بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية.
لسياسة الولايات المتحدة دور مركزي في التأثير على تطورات الحرب في قطاع غزة منذ اندلاعها في 7 أكتوبر/تشرين الأول. ويستعرض هذا المقال أبرز سمات الدور الأمريكي في نهاية حوالي أربعة أشهر من الحرب، ويقدم أيضاً الأفكار الرئيسية التي يمكن استخلاصها من هذا.
لقد انعكس الدور الأمريكي حتى الآن في ثلاث خصائص رئيسية: موقف سياسي لا لبس فيه خلف إسرائيل، مع تقديم المساعدات العسكرية المستمرة والدعم الاستراتيجي، ولكن أيضاً مع انتقادات كبيرة للسلوك الإسرائيلي وفي الوقت نفسه زيادة الجهود لتشكيل الحملة في اليوم بعد الحرب.
من موقف سياسي لا لبس فيه من الجانب الإسرائيلي إلى انتقادات متزايدة
علنياً: منذ اندلاع الحرب، انحازت الإدارة إلى جانب إسرائيل بشكل مثير للإعجاب، وتبنت نهجًا مؤيدًا لإسرائيل بشكل واضح، بالإضافة إلى زيارة رئاسية غير عادية أثناء القتال وزيارات العديد من كبار المسؤولين الآخرين إلى إسرائيل. وتكرر الإدارة تأكيد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وكذلك دعمها المستمر لهدف هزيمة حماس. وعلى الرغم من الضغوط المتزايدة من الداخل والمجتمع الدولي، امتنعت الإدارة عن وضع حدود زمنية لإسرائيل على مدة الحملة، وعن تحديد موعد نهائي ملزم لإنهائها، وعن الدعوة إلى وقف إطلاق النار.
لكن شكوك الإدارة حول قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها العسكرية، بثمن مقبول، تزايدت مع استمرار الحملة. ولهذا السبب طرأ تغير في التركيز في تصريحات الإدارة – من هزيمة حماس إلى الحاجة إلى تقليص التهديد العسكري الذي تشكله المنظمة وضمان ألا يشكل القطاع مرة أخرى أساساً للإرهاب ضد إسرائيل. بدأت براعم الانتقادات الموجهة إلى تصرفات إسرائيل بالظهور بالفعل بعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرب. لقد ظل الدعم الأساسي القوي لإسرائيل والحاجة إلى هزيمة حماس على حالهما، ولكن مع اتضاح أبعاد الدمار في قطاع غزة، وخاصة العواقب الإنسانية للقتال، تزايدت الانتقادات. وبمرور الوقت، أصبح أحجام إسرائيل عن وضع رؤية “لليوم التالي” والتحرك نحو التسوية هو المحور الرئيسي لتصريحات الإدارة. في الأيام الأخيرة، أعربت الإدارة عن معارضتها المتزايدة لتحرك إسرائيلي واسع النطاق في رفح، بالتأكيد إذا لم يسبقه خطة موثوقة، من وجهة نظرها، لإجلاء العدد الكبير من السكان الفلسطينيين الذين تراكموا في المنطقة.
على المستوى الدبلوماسي: الجائزة الحكومية هي مظلة دبلوماسية فوق إسرائيل. مع اندلاع الحرب، أصدرت الإدارة بيانًا مشتركًا غير عادي مع زعماء بريطانيا العظمى وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، أدانوا فيه بشدة أعمال حماس وأعربوا عن دعمهم المطلق لإسرائيل. استخدمت الإدارة حق النقض ضد ثلاثة قرارات مناهضة لإسرائيل في مجلس الأمن (في 18 أكتوبر، و8 ديسمبر 2023، و20 فبراير 2024)، وامتنعت عن التصويت على قرار آخر (في 21 ديسمبر)، يدعو إلى زيادة المساعدات الإنسانية. بعد أن تمت إزالة الدعوة لإنهاء النار على الفور. ومن ناحية أخرى، تدرس الإدارة الآن صياغة قرار بمبادرة منها يدعو إلى إطلاق سراح الرهائن ووقف مؤقت لإطلاق النار ويعارض العملية في رفح. من ناحية أخرى، عندما أُعلن عن تورط موظفي الأونروا في هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، جمدت الحكومة التمويل للمنظمة، على الرغم من دعمها الثابت لزيادة المساعدات الإنسانية لسكان غزة.
ويستمر الاستقرار العسكري والاستراتيجي خلف إسرائيل
المساعدات العسكرية والسكك الحديدية الجوية والبحرية: في وقت مبكر من 8 أكتوبر، أعلن الرئيس ووزير الدفاع عن الإطلاق الفوري للمساعدات العسكرية الخاصة لإسرائيل، والتي بدأت بمبلغ ملياري دولار وسرعان ما وصلت إلى 14.3 مليار دولار. ولإسراع عملية تقديم المساعدات، تم إطلاق قطار جوي وبحري ضم، حتى نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي، 240 رحلة جوية لطائرات نقل و20 سفينة شحن، حملت في مجملها عشرات الآلاف من الأطنان من الذخيرة والمعدات. من أجل تجاوز عملية الموافقة المطولة في الكونغرس، استخدمت الإدارة مرتين سلطة خاصة لنقل المساعدات العسكرية في حالات الطوارئ وأبلغت عن نية محتملة من جانبها للقيام بذلك مرة أخرى.
وخلال الحرب، أعلنت الإدارة عن إبرام صفقة ضخمة لتزويد إسرائيل بطائرات مقاتلة ومروحيات جديدة. صحيح أنها صفقة ناقشها الطرفان منذ سنوات، وكان إبرامها متوقعاً، لكن توقيت الإعلان عنها لم يكن صدفة، وكان الهدف منه التعبير عن الدعم لإسرائيل وإيصال رسالة رادعة إلى منافسيها. وبالإضافة إلى ذلك، أرسلت الحكومة “خلية عمليات خاصة” إلى إسرائيل للمساعدة في التخطيط العسكري والاستخبارات، فضلاً عن قوات خاصة للمساعدة في العثور على المختطفين.
التعزيز العسكري الاستراتيجي وتعزيز الردع: طوال فترة الحرب، كان هناك حوار وتعاون استراتيجيان غير مسبوقين بين الدول لتعزيز أمن إسرائيل، وردع خصوم إسرائيل والولايات المتحدة، ومنع التصعيد وتشكيل وجه الحملة. وفي اليوم التالي، 7 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت الإدارة عن إرسال مجموعة حاملة طائرات قتالية إلى المنطقة، وفي غضون أيام قليلة مجموعة ثانية من هذا النوع، بهدف ثني إيران وسوريا وحزب الله والمنظمات الإرهابية الأخرى عن الانضمام إلى الحملة. كما انتشرت في المنطقة قوة خاصة للتدخل السريع قوامها نحو 2000 جندي من مشاة البحرية. وقد عكست هذه التحركات خوف الإدارة من الصعوبات التي قد تفرضها الحرب على جبهتين أو أكثر على إسرائيل، فضلاً عن الخوف من أن تتطلب الحملة الموسعة تدخلاً أميركياً مباشراً.
بناء القوة والردع الإقليمي: بالإضافة إلى نشر مجموعتين قتاليتين من حاملات الطائرات، ستزيد الولايات المتحدة من وجودها العسكري في المنطقة، إلى جانب عدد من حلفائها:
في الخليج العربي: نشرت الولايات المتحدة عدة أسراب مقاتلة ونحو عشرين طائرة للتزود بالوقود. كما تم نشرت بطارية “ثاد” والعديد من بطاريات “باتريوت” المضادة للصواريخ في مكان غير معروف (ربما في المملكة العربية السعودية). وهبطت عشرات طائرات النقل الأمريكية في العراق وقطر والبحرين.
في الأردن: نشرت الولايات المتحدة سرباً من طائرات 15-إف والقوات الخاصة، كما نشرت ألمانيا طائرات مقاتلة
في قبرص ولبنان: قامت الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وألمانيا وهولندا وكندا وإسبانيا وهولندا وإيطاليا بنشر قوات ومعدات خاصة لإجلاء مواطنيها المحتمل، أو أعدت قواعد أمامية لهذا الغرض.

التعزيز العسكري الاستراتيجي وتعزيز الردع: طوال فترة الحرب، كان هناك حوار وتعاون استراتيجيان غير مسبوقين بين الدول لتعزيز أمن إسرائيل، وردع خصوم إسرائيل والولايات المتحدة، ومنع التصعيد وتشكيل وجه الحملة. وفي اليوم التالي، 7 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت الإدارة عن إرسال مجموعة حاملة طائرات قتالية إلى المنطقة، وفي غضون أيام قليلة مجموعة ثانية من هذا النوع، بهدف ثني إيران وسوريا وحزب الله والمنظمات الإرهابية الأخرى عن الانضمام إلى الحملة. كما انتشرت في المنطقة قوة خاصة للتدخل السريع قوامها نحو 2000 جندي من مشاة البحرية. وقد عكست هذه التحركات خوف الإدارة من الصعوبات التي قد تفرضها الحرب على جبهتين أو أكثر على إسرائيل، فضلاً عن الخوف من أن تتطلب الحملة الموسعة تدخلاً أمريكياً مباشراً.
تحديد حدود القطاع: مارست الإدارة منذ بداية الحملة ضغوطاً كبيرة لترسيمه وصولاً إلى قطاع غزة ومن ثم تخفيف شدته والانتقال سريعاً إلى المرحلة الثالثة – الغارات المستهدفة. وفي كانون الثاني/يناير، وعلى خلفية الدمار والقتل الواسع النطاق في قطاع غزة، وخاصة في سياق المفاوضات الرامية إلى إطلاق سراح المختطفين، بدأ العمل من أجل وقف طويل الأمد للأعمال العدائية، وهو ما قد يؤدي من الناحية العملية إلى وقف إطلاق النار. يعني نهاية. وفي وقت لاحق، كما ذكرنا، عارضت الإدارة بشدة عملية إسرائيلية واسعة النطاق في رفح، إلا بعد استعدادات دقيقة لتقليل الضرر الذي يلحق بالمدنيين. كما وضعت الإدارة عدة مبادئ للوضع النهائي في قطاع غزة: يجب ألا يصبح القطاع قاعدة إرهابية ضد إسرائيل مرة أخرى، ويجب عدم طرد الفلسطينيين من غزة بالقوة، ويجب عدم تجديد الاحتلال الإسرائيلي لغزة، ويجب فرض الحصار. ولا يجوز وضعها عليها، ولا يجوز تقليص أراضيها. بالإضافة إلى ذلك، قررت الإدارة أن قطاع غزة والضفة الغربية يجب أن يتحدا في إطار هيكل حكومي موحد، ثم في وقت لاحق في ظل سلطة فلسطينية “متجددة”.
أدوات النفوذ الناعمة: طوال فترة الحرب، شددت الإدارة على الحاجة الأساسية لبذل أقصى جهد إسرائيلي لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين، ولتقديم المساعدات الإنسانية، واحترام القانون الدولي. ولم تعكس هذه التأكيدات موقفاً أخلاقياً فحسب، بل ربما قبل كل شيء، فهم أن قدرته على الاستمرار في تقديم أقصى قدر من الدعم لإسرائيل مشروطة بذلك. ومع مرور الوقت، شددت الإدارة لهجتها وأعربت عن تحفظات متزايدة بشأن تصرفات إسرائيل، بينما حاولت ممارسة ضغوط صامتة وعلنية عليها. ومن بين أمور أخرى، حذرت الإدارة من تكرار الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة نفسها في أعقاب الهجوم الإرهابي في 11 سبتمبر، ومن تحويل النصر التكتيكي إلى هزيمة استراتيجية. من التثبيت الذي قد يضر بإمكانيات تعزيز العملية السياسية؛ وتغير سلبي في موقف إسرائيل في الولايات المتحدة وفي العالم.
ولم تستخدم الإدارة الأدوات الصلبة المتاحة لها، مثل تأخير أو حتى وقف المساعدات، أو الموافقة على قرار ضد إسرائيل في مجلس الأمن، ولكن أدوات النفوذ الناعمة استخدمت بشكل متزايد. وهكذا أعلنت الإدارة قرارها بفرض قيود على منح التأشيرات للمستوطنين المتورطين في أعمال عنف ضد الفلسطينيين ومن ثم فرض عقوبات على أربعة مستوطنين في الضفة الغربية متهمين بارتكاب أعمال مماثلة. قد تكون هذه الخطوة أكثر جذرية مما تبدو عليه في ظاهر الأمر. وقد تكون للعقوبات آثار خطيرة على المجالس الإقليمية الإسرائيلية في الضفة الغربية، وعلى الهيئات الحكومية التي على اتصال منتظم بها، وعلى الشركات التجارية، مثل البنوك الإسرائيلية، التي سبق أن أعلنت إغلاق حسابات الأشخاص الأربعة والحكومة، واتخاذ الخطوات اللازمة لمنع تعرضهم للعقوبات. ليس من الواضح بعد ما إذا كان هذا استياء مركزاً يحيط بزيادة العنف من جانب المستوطنين، أو مؤشراً على نية الإدارة تشديد المواقف فيما يتعلق بالمشروع الاستيطاني برمته. والإشارة إلى الاحتمال الثاني تكمن في إعلانه – بعد ثلاث فترات مختلفة – عن عودته إلى الموقف الأميركي التقليدي (إلا في عهد إدارة ترامب) القائل بأن المستوطنات “لا تتوافق مع القانون الدولي”. وثمة تعبير آخر عن استياء الإدارة، التي رغم أنها لا تشير مباشرة إلى إسرائيل، لكن نيتها واضحة، وهو نشر مذكرة رئاسية خاصة تطالب الدول التي تتلقى مساعدات عسكرية أميركية بتقديم ضمانات “موثوقة وموثوقة”، بأنها سوف نستخدمها وفقاً للقانون الدولي.
وإذا تأكد التقرير عن نية الإدارة الآن دعم قرار في مجلس الأمن يدعو إلى وقف إطلاق النار وتجنب القيام بعملية في رفح، فسيكون ذلك انحرافاً كبيراً عن الخط الذي اتخذته حتى الآن وتعبيراً عن إحباطها في الأمر.
وجه السياسة الإسرائيلية

“اليوم التالي” ورؤية طويلة المدى: أصبح عدم وجود رؤية إسرائيلية “لليوم التالي” نقطة خلاف رئيسية بين البلدين. وترى الإدارة إمكانية حدوث “نقطة تحول” إقليمية تاريخية، استناداً إلى حل الدولتين، ودمج إسرائيل في المنطقة بعد التطبيع مع السعودية ودول أخرى، وإقامة جبهة إقليمية مؤيدة لأميركا رداً على التهديد الإيراني، وإقامة دولة فلسطينية أصبح نذيراً من كل شيء تقريباً في تصريحات الحكومة وخططها، إذ يرى أن الدول العربية، وعلى رأسها السعودية، مستعدة الآن لتغيير علاقاتها تجاه إسرائيل وتزويدها بـ “ضمانات والتزامات ووعود أمنية”، وإذا حدث فستفعل إيران ذلك، وسيتم عزلها وسيتم تقديم رد فعال على التحديات التي تفرضها أمام إسرائيل والولايات المتحدة. وللتقليل من أهمية الخلافات مع إسرائيل، أكد الرئيس “أن هناك عدة أنواع من حل الدولتين، هناك عدة أعضاء للأمم المتحدة التي ليس لها جيوش”.
احذروا من التورط في السياسة الإسرائيلية ـ فقد قدر المسؤولون الحكوميون أن خطط الولايات المتحدة لإعادة تشكيل المنطقة، بشرط إقامة دولة فلسطينية، سوف تؤجل إلى أن يحدث تغيير سياسي في إسرائيل. وتزايد الإحباط الناجم عن رفض رئيس الوزراء نتنياهو المتكرر لمواقف الإدارة مع مرور الوقت، وأصبح ينظر إليه على أنه العائق الرئيسي أمام التقدم، ومدفوع باعتبارات سياسية وليس مصالح. لكن المسؤولين الحكوميين قدروا أن فترة ولايته ستكون محدودة، بل وبدأوا في الإعداد لها في اجتماعات منفصلة عقدوها مع أعضاء مجلس الوزراء، ورئيس المعارضة، ورؤساء المجتمع المدني. وعلى الرغم من الإحباط المتزايد تجاه رئيس الوزراء، فإن الإدارة تعمدت تجنب المواجهة العلنية معه، بدلاً من الإقناع الهادئ، لاعتقادها أن المواجهة معه ستقويه داخلياً، بل وتؤدي إلى تصلب مواقفه.
الرؤى الرئيسية
إن الوقوف الأمريكي إلى جانب إسرائيل في الحرب لم يسبق له مثيل، ربما باستثناء حرب يوم الغفران. وقد تجلى هذا الاستقرار على كافة المستويات، العسكرية والاستراتيجية والسياسية، رغم الخلافات الكبيرة في الرأي، وتجلى عملياً الضمانة الأميركية غير الرسمية لوجود إسرائيل وأمنها. ومن الناحية العملية، تصرفت الولايات المتحدة وكأنها حليف تعاقدي، ومن المشكوك فيه أن تتوقع إسرائيل أكثر من ذلك. قد يُعزى هذا الرد الإيجابي، جزئياً على الأقل، إلى الالتزام الشخصي العميق للرئيس تجاه إسرائيل، ولكن أيضاً إلى إقامة علاقات استراتيجية بين البلدين في العقود الأخيرة، بما في ذلك التخطيط المتبادل للنظامين الأمنيين.
كان السلوك الأمريكي في الحرب مختلفاً عن الماضي في عدد من النواحي الأخرى. الصدمة العميقة التي أحدثتها مجزرة تشرين الأول/أكتوبر خلقت إجماعاً غير عادي فيما يتعلق بأهداف الحرب، حيث امتنع الأميركيون عن وضع حدود “للوقت السياسي” أمام إسرائيل، وإن مشاركتهم في عملية صنع القرار الإسرائيلي، أثناء مشاركتهم في مناقشات مجلس الوزراء، كانت غير عادية. ولم تقاتل القوات الأمريكية إلى جانب الجيش الإسرائيلي، لكن الولايات المتحدة أصبحت شريكة إسرائيل في تصميم وإدارة الحملة. ومن الناحية العملية، كان هناك نوع من التقسيم غير الرسمي للعمل، حيث تركز إسرائيل على حماس في غزة، في حين تعمل الولايات المتحدة على ردع إيران وحزب الله وتتعامل مع التهديد الحوثي في ​​البحر الأحمر.
ومن الجانب الإسرائيلي، قبل بدء الحرب، وضعت الإدارة حدوداً واضحة لتصرفاتها، في الوقت نفسه مع محاولة متواصلة لصياغة تصور معها حول “اليوم التالي”. ولم يتم تقديم إملاءات سياسية فعلية، على حد علمنا، لكن الإدارة بذلت جهداً، ولو بنجاح جزئي، في تحديد طبيعة القتال وحدوده. من وجهة نظر الإدارة، كان لهذه القيود غرض مزدوج: من ناحية وبشكل أساسي – تصميم الحملة، ومن ناحية أخرى، لتلبية الاحتياجات التكتيكية، لتسهيل مواصلة تقديم أقصى قدر من الدعم لإسرائيل، على الرغم من العقوبات. انتقادات متزايدة في الداخل وعلى الساحة الدولية.
لقد أثارت الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة معارضة غير مسبوقة داخل الولايات المتحدة، وفي المقام الأول بين اليسار الديمقراطي والشباب. وحتى في الكونغرس، سُمعت تحفظات جدية على التحركات الإسرائيلية، كما كانت هناك محاولات لربط المساعدات العسكرية لإسرائيل بتغيير في سياستها. وعكست هذه المعارضة، من بين أمور أخرى، الأهمية المتزايدة للجالية المسلمة في الولايات المتحدة، في الوقت نفسه الذي ضعف فيه نفوذ الجالية اليهودية. وفي منتصف يناير/كانون الثاني، بدأت المراجعة العامة في إعطاء الإشارات. ولم تغير الإدارة مواقفها الأساسية، بل تكثفت تصريحاتها وحملت إسرائيل مسؤولية إطالة أمد الحرب وعواقبها الوخيمة، وخاصة عدم وجود إمكانيات للتقدم “في اليوم التالي”. إن القلق بشأن الانتخابات الرئاسية المتقاربة في نوفمبر/تشرين الثاني، والتي يمكن أن يكون للقضية الإسرائيلية الفلسطينية فيها تأثير سلبي على فرص الرئيس في انتخابه لولاية ثانية، كان أيضاً على خلفية التغيرات في طبيعة رد فعل الحكومة.
وتدرك الإدارة الصعوبات المتوقعة في جهودها الرامية إلى تشكيل نظام إقليمي جديد، وأن الأمر سوف يتطلب مفاوضات مطولة. من المشكوك فيه أن تنحرف الإدارة عن المواقف الأميركية الأساسية التقليدية، مثل ضرورة إنشاء دولة فلسطينية في المفاوضات مع إسرائيل، لكنها تبدو عازمة على المضي قدماً، حتى مع تبني مسارات عمل جديدة. وترى الإدارة الآن أن رئيس الوزراء هو العائق الرئيسي أمام التقدم وتسعى جاهدة إلى تأجيل الأزمة العامة في الوقت الراهن، من ناحية أخرى، فإن التسريبات بشأن النوايا بشأن “اليوم التالي لنتنياهو” تعبر عن رغبة في الضغط عليه من أجل التحلي بالمرونة، وتقييم أنه قد يكون هناك تغيير سياسي وشيك في إسرائيل، مما سيسهل عليه المضي قدماً في استراتيجيته وأهدافه في الشرق الأوسط.
هناك عدد من التطورات المحتملة التي يمكن أن تشكل معضلات صعبة للإدارة بالفعل في الأسابيع المقبلة وتؤثر على العلاقات مع إسرائيل. ويظهر الانزعاج في الإدارة من تنامي شعورها بأن قرارات رئيس الوزراء في ما يتعلق بطريقة إدارة الحرب بشكل عام، وقضية المختطفين بشكل خاص، تتأثر باعتبارات سياسية. ورأى أن تطورات قضية المختطفين، وبعضهم مواطنون أميركيون، يمكن أن تشكل الأساس لتمديد الحملة، بل وحتى لقرار إسرائيلي بشن عملية واسعة النطاق في رفح، قبل الاستعدادات الأولية اللازمة لذلك، وتؤدي أيضاً إلى تصعيد كبير من جانب حزب الله على الساحة الشمالية. ومن المرجح أن تستخدم الإدارة أدوات كبيرة لحمل إسرائيل على إظهار أقصى قدر من ضبط النفس. وبشكل رئيسي، تخشى الإدارة أن تجد نفسها، في القضايا الثلاث، في حاجة إلى دعم الإجراءات الإسرائيلية المخالفة لمواقفها.
وهكذا تصبح إسرائيل على نحو متزايد الجانب “المذنب” في الخطاب الأمريكي. إن عقوداً من الإحباط والغضب المتراكم، في مواجهة رفض إسرائيل المستمر للمواقف الأمريكية الأساسية، وفي مقدمتها الحاجة إلى تعزيز حل الدولتين في سياق الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، تصل الآن إلى آفاق جديدة، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. ويساهم هذا أيضاً في تنامي الشعور بالإكراه الجيد من جانب إسرائيل، وهو ما يكافئ الولايات المتحدة على دعمها لسنوات عديدة، مع رفض مستمر وحتى استخدام سياسي من قبل رئيس الوزراء لمعارضته لمواقف الولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، تستمر التغيرات الديموغرافية الأساسية التي يشهدها المجتمع الأمريكي، وبعضها لا علاقة له بإسرائيل على الإطلاق، بل يؤثر سلباً على العلاقات معها. الجمهور اليهودي، الذي هو ليبرالي بأغلبية ساحقة، وخاصة الشباب منهم، يبتعد عن إسرائيل. ويضاف إلى ذلك تزايد عدد السكان المسلمين في الولايات المتحدة، وتنظيمها السياسي، بما في ذلك جماعات الضغط، ووضع أنصارها في مناصب نفوذ في صفوف الحكومة وفي وسائل الإعلام.
لقد أجلت الحرب التوترات وحتى مسار التصادم الذي ميز العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل في السنوات الأخيرة، وخاصة حول القضية الفلسطينية، وفي العام الماضي “الانقلاب النظامي” الذي حاولت الحكومة الإسرائيلية قيادته. من المحتمل ألا تحدث أزمة حقيقية في العلاقات قبل الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/نوفمبر، لكن التوتر يتزايد والأزمة قد تندلع خلال ولاية ثانية، سواء لجو بايدن أو دونالد ترامب، الذي يكنّ بعض الاستياء تجاه نتنياهو وإسرائيل. على العموم. إن الخطر الكامن في جعل المساعدات العسكرية لإسرائيل مشروطة بتغيير سياستها بشأن القضية الفلسطينية أصبح موقفاً مقبولاً بشكل متزايد في الولايات المتحدة وتهديداً ملموساً. تستند خطط البناء التي وضعها الجيش الإسرائيلي على افتراض أن حزمة المساعدات العشرية الحالية (التي تنتهي في عام 2028) سيتم استكمالها بالكامل وعلى حزمة أخرى أكبر لعشر سنوات بعد ذلك. ولم يعد تحقيق هذه الفرضية مضموناً، ومن المناسب أن تتعامل الحكومة الإسرائيلية مع هذا الأمر بكل جدية وتتبنى سياسة وفقاً لذلك.
الداد شفيت وتشاك فرايلخ
منشورات خاصة/ معهد بحوث الأمن القومي 29/2/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية