أطلقت حكومة إسرائيل على حربها الأخيرة في غزة عملية «الفجر الصادق» وكانت واضحة أنها هي البادئة في الهجوم، حيث وصفتها بالعملية الوقائية وتوفر معلومات عن عملية تخطط لها حركة الجهاد الإسلامي من غزة. وذكرت صحيفة «التايمز»8/8/2022 أن هدفها كان سحق حركة الجهاد الإسلامي. ولا ريب فالحركة تعاني منذ عدة أشهر من حملة اعتقالات واغتيالات في منطقة جنين، ردا على العمليات التي نفذت في إسرائيل خلال الأشهر الأخيرة. وحاولت إسرائيل تلفيق رواية عن علاقة هذا بهجومها في غزة وشنت في الخامس من آب/أغسطس سلسلة من الهجمات الصاروخية وقتلت قائدا عسكريا وفرق صواريخ تابعة للجهاد الإسلامي الفلسطينية التي ردت بوابل من الصواريخ وقنابل الهاون ضد البلدات الإسرائيلية. وردت إسرائيل بغارات جديدة وقتلت قياديا ثانيا في الجهاد الإسلامي. وفي ثلاثة أيام من الغارات قتل 46 فلسطينيا في غزة، من بينهم 16 طفلا و 350 جريحا.
وعلقت مجلة «إيكونوميست» (7/8/2022 ) أن المواجهة الأخيرة هي الأكثر خطورة من جولات الحرب بين إسرائيل وغزة منذ حرب الـ 11 يوما في أيار/مايو 2021 والتي قتل فيها 270 شخصا معظمهم من الفلسطينيين.
وفي الجولة هذه المرة كانت الهجمات والهجمات المضادة محدودة، حيث توصل الطرفان في ليلة الأحد لاتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه مصر. واختارت حركة حماس التي تسيطر على القطاع منذ 15 عاما البقاء بعيدا عن المعركة. وهذا راجع حسبما زعمت المجلة إلى «رضاها» عن تدمير الحركة الصغيرة المنافسة لها ولأنها لا تريد المخاطرة بالتقدم البسيط في المجال الاقتصادي الذي تحقق منذ الحرب الأخيرة العام الماضي. ورأت المجلة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد، الذي تولى حكومة تصريف الأعمال قبل شهرين، بعد انهيار الائتلاف الحكومي بزعامة نفتالي بينيت، يواجه معركة صعبة لإعادة انتخابه في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر. فعلى خلاف المرشحين الرئيسين في الانتخابات، رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الحالي بيني غانتس، يفتقد لابيد الخبرة العسكرية والأمنية لقيادة بلده في حرب. ورغم قصرها، فلو ثبت أن الحرب أضعفت الجهاد الإسلامي وأبقت حماس بعيدة عن الحرب وبدون تكبد إسرائيل خسائر بشرية، فإنها ستزيد من مصداقيته الأمنية. والمخاطر تظل قائمة، فغزة لديها طرقها لجر قادة إسرائيل لورطة وعندما لا يتوقعون ذلك. ومن هنا تظهر استطلاعات الرأي في إسرائيل تقدما للابيد.
وعلى العموم فهذه هي الملامح التي ركز عليها الإعلام الغربي، الحديث عن العملية بنفس الطريقة التي تحدثت بها إسرائيل دونما مساءلة المعتدي هذه المرة، والتأكيد على الخلافات بين الحركات الفلسطينية، ومحاولة ربط ما جرى في غزة بجنين واعتقال الزعيم البارز في الحركة بسام السعدي.
بين حماس والجهاد
والثيمة الأساسية التي وردت في معظم التقارير الإعلامية هي أن حماس كحركة اجتماعية تدير القطاع منذ عام 2007 لا تستطيع تحمل حرب جديدة مثل حرب أيار/مايو الماضي، وأنها لا تزال تتعافى وتعيد بناء قدراتها العسكرية، بالإضافة إلى أن الحركة لم ترد خسارة بعض المحفزات الإسرائيلية ومنح 14.000 غزي تصاريح عمل في داخل إسرائيل، بالإضافة لتخفيف القيود على بعض مواد البناء والبضائع الأخرى في الدخول إلى غزة. كل هذا رغم تأكيد حركة حماس في بياناتها وتصريحات قادتها أنها تقف مع الجهاد الإسلامي وشجبت العملية الإسرائيلية غير المبررة ضد غزة. ونقلت صحيفة «الغارديان» (11/8/2022) عن باسم نعيم، رئيس القسم السياسي في حماس نفيه التقارير عن خلافات بين حماس والجهاد الإسلامي قائلا «تعمل القيادة في حماس والجهاد الإسلامي معا، وهناك الكثير من الفصائل الفلسطينية في غزة ولا نتعامل معها كمنافسة، وبعضها إسلامي وآخر شيوعي ولكن هدفنا واحد وهو التخلص من الاحتلال». و«ربما كانوا في المقدمة وبقينا في الخلف ولكننا لم نترك الجهاد وحدها، ولم يكن التصعيد في مصلحتنا هذه المرة، وهذه معركة واحدة للجميع ويجب قياس الرد على الكثير من العوامل المعقدة». ورأت صحيفة «فايننشال تايمز» (11/8/2022) أن موقف حماس من الحرب الأخيرة كشف عن خلافات في الأساليب بين الفصائل الفلسطينية هناك. فقد تمسكت حركة الجهاد الإسلامي التي كانت هدف الحملة الأخيرة بخيار البندقية، أما حركة حماس التي تدير القطاع المحاصر منذ 2007 فلم تكن راغبة بتوسع الحرب. ولهذا قررت عدم التدخل، تاركة الحركة الأصغر في المواجهة. وأضافت أن العملية الإسرائيلية أظهرت المصالح المتباينة بين الحركتين وأثارت الشكوك حول المحاولة الإسرائيلية الأخيرة لإدارة النزاع المحتدم والذي يتطور إلى نزاع مسلح. وزعم المسؤولون الإسرائيليون أن المحفزات لعبت دورا في عدم دخول حماس المعركة، إلا أن مراقبين يستبعدون هذا وأنه وراء قرار حماس عدم المشاركة في الحرب، كونها لا تزال في مرحلة إعادة بناء قدراتها العسكرية بعد حرب العام الماضي.
كاتب فاشل للسيناريو
والمشكلة أن إخراج العملية لم يكن منطقيا وكاتب النص فيها كان فاشلا، وقال الصحافي الإسرائيلي ميرون رابوبورت في «ميدل إيست آي»(7/8/2022) إن الاحتلال بادر إلى شن هجوم على قطاع غزة دون صدور أي تحرك من قبل الجهاد الإسلامي، والذي حذر الاحتلال شفويا من استمرار اعتقال القيادي في الضفة، بسام السعدي.
وأوضح رابوبورت وجود دوافع لهذا العدوان، أهمها مسألة الانتخابات المقبلة للكنيست ومحاولة إسرائيل توجيه ضربة لإيران، عبر الفصيل المتحالف معها في قطاع غزة. وعلق أن السعدي رغم أهميته إلا أن اعتقاله ليس استثنائيا، فقد سبق وأن اعتقلته إسرائيل سبع مرات كان آخرها في العام الماضي. فليس من المبالغة وصف الاعتقال الأخير بأنه روتيني. ولم يحظ اعتقاله باهتمام ملحوظ في الشارع الفلسطيني، ربما لأنه لم يصب بجروح بالغة أثناء العملية، بما يشير إلى أنه لم يكن مسلحاً، وهو ما ثبت بالفعل، أو ربما لأنه لم يكن معروفاً على نطاق واسع خارج منطقة جنين ولا حتى داخل أطر حركة الجهاد الإسلامي نفسها. ولم تسجل احتجاجات تذكر داخل الضفة الغربية، وكل ما صدر من حركة الجهاد الإسلامي هو تحذير لإسرائيل بعدم الإضرار بصحة السعدي. وقالت في بيانها: «نحن على استعداد للرد على هذا العدوان بالقوة إذا لم يتوقف». ولكن على الرغم من عدم صدور تهديد فعلي من حركة الجهاد الإسلامي، على الأقل علانية، بإطلاق صواريخ من غزة باتجاه إسرائيل إذا لم يتم إطلاق سراح السعدي، فقد قررت إسرائيل في تحرك مفاجئ تقييد الحركة حول التجمعات السكانية الإسرائيلية المحاذية للحدود بين غزة وإسرائيل، أو ما تعرف داخل إسرائيل باسم «غلاف غزة». ومع ذلك لم تنفذ الجهاد الإسلامي انتقامها للسعدي، واستمر الهدوء داخل القطاع، لكن إسرائيل شنت هجوما جوياً على نقاط متعددة داخل القطاع الفلسطيني المحاصر. وكان التركيز بشكل أساسي على بناية سكنية داخل مدينة غزة. سقطت عدة صواريخ دقيقة التوجيه على ثلاث شقق من المبنى. وقتل في الهجوم تيسير الجعبري، قائد القطاع الشمالي في سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي. وقتلت في الهجوم الطفلة آلاء قدوم، وهي في الخامسة من عمرها، بالإضافة إلى امرأة في الثالثة والعشرين وسبعة رجال آخرين. ومثل السعدي، لم يكن الجعبري معروفاً لدى الجمهور الإسرائيلي، وربما ولا حتى لدى الجمهور الفلسطيني كذلك. بل وحتى ران كوتشاف، الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، نسي اسم الجعبري عندما كان يكرر الإعلان عن اغتياله عبر بث تلفزيوني حي ومباشر صباح السبت. ومن هنا يثور تساؤل حول ما دفع لتنفيذ العمليات العسكرية الإسرائيلية في غياب أي فعل عنيف من قبل الجانب الفلسطيني سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة؟
لا عذر
ولم يكن لدى إسرائيل حتى العذر المعتاد من أنها كانت «ترد» على هجمات تعرض لها مدنيوها وجنودها. فلماذا اختارت إسرائيل بمحض إرادتها وضع مواطنيها رهن الإغلاق داخل التجمعات السكانية المحيطة بقطاع غزة، على الرغم من أن حركة الجهاد الإسلامي لم تهدد بالقصف ولم تطلق أي صاروخ؟ لماذا اختارت إسرائيل استهداف غزة، على الرغم من معرفتها بأن قصفها سوف يستفز الفلسطينيين وينجم عنه إطلاق الصواريخ على المناطق الإسرائيلية، وسوف يتضمن ذلك إغلاقاً لمناطق جنوب إسرائيل مع احتمال وقوع ضحايا؟ يقول كثير من الفلسطينيين واليساريين الإسرائيليين إن لابيد قصد متعمداً وضع إسرائيل قيد الإنذار لخوض مواجهة عسكرية بهدف تعزيز وضعه السياسي قبيل الانتخابات العامة المقبلة. وربما كان مبررا لأن لابيد لم يكن جنديا وقضى خدمته العسكرية صحافياً يعمل داخل الصحيفة الناطقة باسم الجيش. ومن خلال صناعة هالة أمنية من حوله، وعلى الرغم من انعدام خبرته العسكرية، بإمكانه الآن تعزيز موقفه لدى الجمهور في بلد يميني يعشق العسكر مثل إسرائيل. وهناك العامل الإيراني، فقد تجددت النزاعات مؤخراً بين الولايات المتحدة وإيران والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا حول مسألة تمديد معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. ويتنبأ المراقبون بأن فرص تحقق ذلك ليست جيدة، ولأن هذه المحادثات لا تزال جارية، مثار قلق لإسرائيل، التي تبذل قصارى جهدها لتعطيلها.
ورأت إسرائيل أن زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى الشرق الأوسط الشهر الماضي كانت وسيلة لإزالة آخر الفرص لإبرام اتفاق مع إيران، وبدلاً من ذلك فقد أشارت إلى خلق تحالف عسكري إقليمي ضد إيران تكون إسرائيل طرفاً فيه. وهي قلقة من رفع العقوبات المفروضة على إيران ما سيعزز من موقعها الاقتصادي والسياسي في المنطقة ويقوي بشكل غير مباشر القوى المعارضة لإسرائيل. قد تنجح محاولات إسرائيل إجهاض اتفاق فيينا فيما لو اندلعت عملية عسكرية في غزة تجبر حركة الجهاد الإسلامي على إطلاق النار على إسرائيل، وحينها يبرز دور إيران كراعية للإرهاب لأنها تدعم حركة الجهاد الإسلامي.
إسرائيل تتصرف كما تريد
ولا تحتاج إسرائيل لتفسير منطقي لأفعالها، فهي تتصرف كما تريد، ولو أخذنا ردة الفعل الدولي على عدوانها، فلازمة أمريكا «لإسرائيل حق الدفاع عن نفسها» بدت في تغريدات سفير واشنطن في إسرائيل وتصريحات بايدن وتبع ذلك التصريحات البريطانية التي يتنافس فيها المرشحان لخلافة بوريس جونسون على تقديم الولاء لإسرائيل. وفي الاتحاد الأوروبي، كانت التصريحات غامضة وحاولت إخفاء المعتدي والتعمية على الضحية، والحديث عن إطلاق الصواريخ كسبب للهجوم. وكان وزير الخارجية الأيرلندي والأمم المتحدة الاستثناء في «حفلة» الدعم والثناء على لابيد، حيث عبرا عن القلق من أثر الغارات الإسرائيلية على المدنيين، ولكن ليس أكثر من هذا. ويرى ديفيد هيرست في «ميدل إيست آي» (10/8/2022) أن هذه رسالة خطيرة من العالم لكل من الفلسطينيين الذين تم التخلي عنهم وإسرائيل التي تشعر أن لديها الأحقية بعمل ما تريد. فالمسألة هنا لم تكن من أطلق الرصاصة الأولى، ولكن لأن لابيد يريد تحسين حظوظه. وجنود إسرائيل لن يتبعوا قيادته، بل الكاهاني إيتمار بن غفير الذي يقتحم الأقصى كل يوم. ومن خلال منح الغرب لابيد الضوء الأخضر فإنه يرسل رسالة خطيرة لقادة إسرائيل الذين يريدون قتل العرب في أي وقت. وأحداث جنين ومقتل إبراهيم النابلسي، صورة عما تفعله إسرائيل يوميا في المناطق المحتلة. كما أن لجوء الجيل الجديد من الناشطين في الضفة إلى السلاح السهل شراؤه من إسرائيل يشير إلى عجز في القيادة، سواء كانت فتح أم حماس أو الجهاد الإسلامي.
تعقيم الصورة
وإلى جانب الغطاء السياسي الغربي لعدوان إسرائيل على غزة، يقدم الإعلام الغربي تغطية تتجنب تصوير الضحايا الحقيقيين، ورأى موقع «ذي انترسيبت» (10/8/2022) أن وسائل الإعلام الأمريكية عادة ما تتجنب نشر الصور المروعة والموت في غزة وتقوم بتقديم صورة «معقمة» عن العدوان الإسرائيلي ضد الفلسطينيين. وبطريقة ما تحرم الأمريكيين من مشاهدة الوجه الحقيقي للقصف الإسرائيلي على غزة. وطغى على التغطية الإعلامية الأمريكية للهجوم صور السماء المغبرة أو الغزيين الذين يسيرون وسط ركام من الأنقاض. وهي صور حقيقية ودقيقة إلا أنها محاولة لتقديم واقع للمشاهد الأمريكي منفصم عما تكشف الحقيقة على الأرض. فوكالات الصور حافلة بمشاهد القتلى والجرحى في المستشفيات والمشارح في غزة، إلا أن محرري الصور في غرف الأخبار يتجنبون وضعها. وفي كل الصور ظهر الأطفال الذين قتلوا بالقصف الإسرائيلي بشكل بارز. وتقدم الصور مشاهد الجنازات، وجوه الضحايا مكشوفة وجثامينهم مرفوعة عاليا أثناء مسيرات الشوارع. وفي بعض الصور بدا المعزون وهم يلتقطون الصور لأنفسهم من هواتفهم وهم يقفون إلى جانب الجثامين- كدليل وإثبات عن الرعب الذي حدث وكانوا شهودا عليه. إلا أن غزة تبدو في الإعلام الغربي من خلال صواريخ وركام بيوت ودخان أسود يرتفع في السماء. ورغم كون الصور هي الملمح الرئيسي لنزاع غير متساو لم يقتل فيه أي إسرائيلي إلا أن من النادر نشرها. وحتى صورة الصغيرة ألاء قدوم، لم تنشرها صحيفة «نيويورك تايمز» إلا في نهاية تقريرها، وليس مركزه. وغابت صورتها عن الوسائل الإعلامية الأخرى من «واشنطن بوست» إلى «أن بي سي نيوز» مع أن اسمها ورد في تقارير.
وهناك نوع من النفاق في التعامل مع الضحية الفلسطينية وضحايا آخرين. فعندما بدأت روسيا قصف أوكرانيا بداية هذا العام، سيطر التوثيق المرئي لجرائم روسيا على نشرات الأخبار. وكانت الجرائم الروسية صادمة لدرجة قامت فيها صحيفة «نيويورك تايمز» بنشر صور للموتى التقطتها المصورة الصحافية لينزي أداريو على صفحتها الأولى. ووصفت أداريو الصحيفة بالشجاعة لأنها نشرت الأدلة عن جرائم الحرب. ولاحظ النقاد التباين الصارخ في الاهتمام العالمي بمعاناة الشعب الأوكراني مقارنة مع الآخرين، وكذا الطرق التي تم فيها تغطية الغزو الروسي على أنه عدوان غير مبرر بدلا من كونه صراعا عاما، وهو التأطير الذي استخدم لتصوير الهجمات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين بل وفي نزاعات أخرى. ففي هذا الأسبوع مثلا، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» مزيدا من صور القتل كاستمرار للمذبحة التي ارتكبت بداية العام في بوتشا الأوكرانية وأكثر من صور الموتى في غزة.