حرب غير ملهمة: ما المنتج الثقافي السوري بعد سنوات الثورة واللجوء؟

خلّفت الحروب الأهلية في العصر الحديث، رغم كل مآسيها، نتائج إيجابية عموماً على المستوى الثقافي، فمن الحروب الأهلية الأمريكية والروسية والإسبانية، مروراً بالحروب التي شهدتها دول العالم الثالث في عصر التحرر الوطني، مثل الثورة الصينية، وصولاً لبعض الحروب الأهلية العربية، وعلى رأسها الحرب اللبنانية، كان لمثقفي وأيديولوجي الحرب، دور كبير في صياغة خطاب ثقافي وفكري، لعب دوراً عضوياً في تطوير الإطار الثقافي عموماً. وصيغت كثير من الأعمال الأدبية والفنية، والنظريات السياسية والاقتصادية، ضمن سياقات الحروب، لدعم الموقف الأيديولوجي والسياسي للأطراف المتنازعة.
وفق هذا المنظور فإن كثيراً من كتابات لينين بعد الثورة الروسية، وقصائد لوركا، وأعمال مهدي عامل، كانت، بشكل من الأشكال، جانباً من «المجهود الحربي». ثقافة الحروب لم تقتصر على فترات المواجهة المسلحة وحدها، فبعد انتهاء الحرب وانتصار أحد أطرافها، قد يستطيع مثقفو الطرف المهزوم تحقيق انتصار ثقافي، عن طريق تحويل مبادئهم إلى قيم مهيمنة، تلقى قبولاً اجتماعياً واسعاً، وتصبح جانباً من «الحس السليم» السائد، وأفضل مثال عن هذا ما حققه المثقفون اليساريون والجمهوريون الإسبان، الذين أصبحت أعمالهم تراثاً إنسانياً عالمياً، ساهم في صياغة الجو الثقافي للقرن العشرين بأكمله، ولعب دوراً مهماً في السقوط التدريجي لنظام فرانكو في ما بعد. من جهة أخرى يسعى مثقفو الطرف المنتصر إلى صياغة هيمنة أيديولوجية وثقافية متينة للأنظمة الناتجة عن الحروب، الأدب والسينما السوفييتية، عن فترة الحرب الأهلية، مثال جيد على ذلك.
لا تبدو الحرب الأهلية السورية ملهمة لهذه الدرجة، فسواء بحثنا في معسكر النظام أو الثورة، لن نجد منتجاً ثقافياً أو أيديولوجياً، قادراً على إضافة قيم وأفكار جديدة أو مبتكرة، وغالباً ما يلعب مثقفو الطرفين في مناطق مريحة ومألوفة، فالحديث المجرد عن الحرية، الديمقراطية، مواجهة العداون الأجنبي والتطرف، العالم الذي خذلنا والمأساة السورية، ليس، في معظم الأحيان، إلا تكراراً لعبارات تهدف إلى مخاطبة ما يُظن أنه متفق عليه عالمياً، بدون محاولة لتقديم مفاهيم أو معالجات جديدة. من الصعب بالفعل الحديث عن إضافة سوريا للثقافة العربية بالحد الأدنى، فما بالك بتوقع إحداث تأثير عالمي مقارب لأبعاد القضية السورية، التي أدت لصراعات إقليمية ودولية واسعة، ومشكلة لاجئين عالمية.
لا يمكن تفسير ضعف المنتج الثقافي السوري بمشاكل لدى السوريين، بوصفهم أفراداً، ربما كان الأجدى النظر إلى الشروط الثقافية البنيوية التي ينشطون ضمنها، والتي يبدو أنها لا تتيح مجالاً كبيراً لإبداع مرتبط بالأبعاد الاجتماعية والسياسية لتجربتهم، وتجعل التميّز الثقافي مجرد حالات فردية محدودة. فما المشكلة البنيوية في التجربة الثقافية السورية المعاصرة؟ ولماذا فشلت سنوات الحرب واللجوء، بكل غناها الحياتي، في إنتاج خطاب ثقافي سوري مُجدّد؟

يمكن البحث في هياكل المؤسسات الثقافية المعنية بالقضية السورية، خاصة في دول اللجوء الأساسية، لمحاولة إيجاد بعض تفسيرات استمرار الجمود: تعاملت هذه المؤسسات مع المثقفين السوريين بوصفهم «شهوداً» على مأساة إنسانية، وأفراداً في حاجة لـ«التمكين» وليس بوصفهم صانعين لمنتج ثقافي فعلي.

مشكلة اللغة

يمكن ملاحظة ميل أساسي في اللغة الثقافية السورية السائدة، وهي الانفصال بين لغة الخطاب السياسي والمنتج الثقافي «الرفيع» من جهة، واللغة اليومية والعادية من جهة أخرى. اللغة الأخيرة تبدو أكثر مباشرة ووضوحاً، وغير صوابية على الإطلاق، مليئة بإشارات عن الأحقاد الطائفية والمناطقية، التمييز الجندري وفساد الأفراد والمؤسسات، في حين تبدو اللغة «الرفيعة» غير قادرة على استيعاب هذه الإشارات، أو إعادة إنتاجها في سياق جديد أكثر متانة، فيتم تمويهها على الأغلب، وتُدفع إلى حيز المسكوت عنه، الذي يعرفه الجميع في الوقت نفسه، فتصبح اللغة العادية أشبه بلاوعي اللغة «الرفيعة» الذي قد يظهر على شكل زلات لسان أو قلم مستنكرة.
تعبير «اللغة العادية» يوضع عادةً مقابل «اللغة الاختصاصية» ويعوّل كثير من الفلاسفة وعلماء الاجتماع على الإمكانيات التواصلية للغة العادية، باعتبارها لغة عمومية، يمكن للأفراد من خلالها التواصل في الحيز العام، ومناقشة مختلف المسائل في إطار عقلاني، مُتضمَّن في اللغة نفسها، في حين لا يمكن للغة الاختصاصية، رغم أنها شديدة العقلانية غالباً، أن تحقق عمومية اللغة العادية. هذا التصنيف لا يمكن تطبيقه على الحالة السورية، فاللغة العادية مقصيّة بشكل مضاعف، فهي تعتبر لغة دونية أولاً، ومقابلها ليس لغة اختصاصية، بل لغة مُعقّمة و«رفيعة» هي لغة الخطاب الثقافي والسياسي المقبول به؛ ولا يوجد ثانياً حيّز عام يمكن التواصل به أصلاً، ما أفقد اللغة العادية كثيراً من إمكانياتها.
معظم الأمور متفق عليها في إطار لغة الإطار الثقافي السائد، فأكثر المتحدثين وطنيون، مع ميل قومي ويساري، يرفضون الطائفية والتطرف. وعلى الرغم من أن نزع الأشكلة من طبيعة أي ثقافة سائدة، إلا أن الشرط الثقافي السوري المغلق والمعزول عن العالم لعقود، وغياب الحيز العام، والتيارات الثقافية والسياسية المتنازعة، جعل لغة الخطاب السائد أقرب لقوالب ليس باستطاعتها القيام بوظيفتين أساسيتين لأي لغة: التعبير والتفسير. من الصعب فعلاً توقع مناقشة مسائل شديدة التعقيد والتركيب، وصراعات شديدة الوحشية، وتفكك اجتماعي شامل ودموي، بلغة محكية، غير قادرة على إنتاج مفاهيم جديدة، مثل اللغة العادية، أو بلغة متخشّبة ومنغلقة، مثل اللغة «الرفيعة». باختصار يمكن القول إن السوريين لا يملكون لغة صالحة للتعبير عن تجربتهم أو تفسيرها.
لا يتعلق الأمر هنا بانفصال بين فصحى وعامية، بل بتعبيرات لغوية خسرت قدراتها، سواء تم التلفّظ بها باللهجات السورية، أو بالعربية الكلاسيكية، لأنها لم تقم بوظائفها التواصلية في إطار عمومي يتسم بحد أدنى من الانفتاح، فصارت أشبه بلغة مجالس مغلقة، عائلية، قروية، مناطقية. وليست لغة صالحة لحياة مدينية. وبالمقارنة مع بقية العالم العربي تبدو حالة اللغة السورية الأشد انغلاقاً، والأضعف قدرة على التعبير والتفسير.

البحث عن رعاة

إلا أنه لا يمكن اختصار المسألة بالمشكلة اللغوية، فمن الممكن نظرياً تثوير اللغة، ومنحها إمكانيات جديدة، مع تغيّر الظروف الاجتماعية والسياسية، وهذا لم يحصل في الحالة السورية، رغم كل التحولات الدراماتيكية التي عرفتها البلاد وسكانها.
يمكن البحث في هياكل المؤسسات الثقافية المعنية بالقضية السورية، خاصة في دول اللجوء الأساسية، لمحاولة إيجاد بعض تفسيرات استمرار الجمود: تعاملت هذه المؤسسات مع المثقفين السوريين بوصفهم «شهوداً» على مأساة إنسانية، وأفراداً في حاجة لـ«التمكين» وليس بوصفهم صانعين لمنتج ثقافي فعلي. معايير الجودة والأهمية لم تكن سؤال تلك المؤسسات بقدر «التمثيل»: هل يملأ المثقفون، الذين يتم دعمهم، خانات التصنيفات الواردة في البرامج التمويلية للمؤسسات (أقليات، معتقلو رأي، نساء، أبناء مناطق ساخنة، إلخ)؟
هذا النمط من التفاعل مألوف للغاية في المؤسسات الممولة من دول غربية، وقد يخفي كثيراً من الفوقية في التعامل، فضلاً عن نظرة أيديولوجية مغلقة، تميّز نمط عمل «المنظمات غير الحكومية» والنتيجة هي أن كثيراً من المتعاملين مع هذه المؤسسات يعملون على تعريف الآخر- المموِّل بمأساتهم، بطريقة تناسب توقعاته، بدلاً من إعادة إنتاجها ضمن منظور ثقافي جديد، قد يكون صادماً أو غير مألوف.
أعاق هذا الإطار المؤسساتي نشوء ثقافة سورية فاعلة في المنافي، وعوّد كثيراً من منتجي الثقافة على البحث عن نمط معيّن من الرعاة، من السهل معرفة مطالبهم وشروطهم. وبدلاً من صراع التيارات الفكرية والسياسية والثقافية، صار الصراع الأبرز غالباً هو التنافس على الوصول إلى الممولين، واستعراض موقع طالب التمويل، ضمن هرم الضحايا. بهذا المعنى فإن مشكلة الإنتاج الثقافي السوري جزء من مشكلة عالمية في الدعم والتمويل الثقافي.

أجيال غير سورية

وإذا كانت أزمتا اللغة والبنية التحتية لإنتاج الثقافة ملازمتين للجيل الحالي من المثقفين السوريين، فلا يمكن توقع ظهور كثير من الأعمال الفكرية أو الفنية، التي تعبّر بشكل مركب عن تعقيد الحدث السوري، أو تسعى جدّياً لتفسيره. بعبارة أخرى يمكن القول إنه من الصعب نشوء أو تطور ثقافة سورية فعلية، ضمن الشرط الحالي. الأجدى التفكير بثقافة «بعد سورية» قد تظهر مع أجيال جديدة، لم تعاصر سوريا التي نعرفها، بل عاشت في شرط تفكك البلاد، بكل منظوماتها الاجتماعية والثقافية. هذه الأجيال، التي لا يمكن اعتبارها سورية تماماً، تملك إمكانية لتجاوز المشكلة البنيوية للوضع الثقافي السوري، فهي لن تعيش في شرط يخضعها لأحادية وانغلاق اللغة الثقافية السائدة، مع انحلال بنى السلطة والمؤسسات الثقافية السورية التقليدية، ويمكن أن تنتج، في البلد والمنافي، نمطاً من الثقافة المستقلة، بعيدة عن برامج المؤسسات الغربية، الساعية لـ«التمكين».
وعلى الرغـــــم من أن الثقافة المستقلة على الصعيد العالمي باتت مُستوعَبة من المؤسسات الثقافية الكبرى، وســـرعان ما تصبح جزءاً من التيار السائد، إلا أن بإمكانها في الحالة السورية أن تُحسّن شروط الدعم الثقافي، وتجعل النظرة للمُنتَج الثقافي السوري أكثر جدّية، وربما يمكن حينها الاستفادة من المادة الغنية التي خلّفتها الحرب السورية.

٭ كاتب من سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية