الإنجازات التي حققها شعب فلسطين المقاوم في المعركة، لم تكن صفعة للحكام العرب، المتخاذلين عن نصرة أهم قضية عربية، وحدهم، وإنما أيضا للجهات التي تتاجر بشعارات المقاومة والممانعة.
بغداد-»القدس العربي»: مع احتدام معارك البطولة والفداء التي يخوضها الشعب الفلسطيني دفاعا عن المقدسات وحماية الحقوق وردع الاعتداءات الصهيونية، لم تحرك الفصائل التي صدعت رؤوسنا بشعارات المقاومة والجهاد والممانعة، صاروخا واحدا من ترسانتها الهائلة لدعم المقاومة الفلسطينية.
وفي حين تتساقط صواريخ الفصائل الولائية، على مدن العراق وسوريا واليمن كالمطر، بذريعة محاربة الإرهاب والعدوان، لتدمر كل شيء ضمن سياسة الأرض المحروقة، فإننا لم نرها تتوجه نحو مدن إسرائيل أو قواعدها خلال مواجهتها الأخيرة مع الشعب الفلسطيني. ولم ير العراقيون من الفصائل التي تتمتع بامكانيات عسكرية هائلة، سوى البيانات الرنانة بالقدرة على «محو إسرائيل» واستعراضات مقاتليها وأسلحتها في شوارع العراق، بدون ابداء أي مواقف دعم حقيقي وفعال لأهلنا في فلسطين، بل ان التظاهرات والتصريحات، كان أغلبها مجرد تمجيد للفصائل وقادتها وترويج للشعارات الطائفية. فيما أكد الكثير من العراقيين، ان حجم المشاركة الشعبية في التظاهرات التي دعت لها تلك الفصائل، سيكون أكبر لو لم تكن تحت هذا المسمى.
ولا نبالغ إذا قلنا، إن مواقف الفصائل المسلحة، تجاه الحرب الفلسطينية الإسرائيلية الأخيرة، جاءت بنتائج عكسية على تلك الفصائل، ليس لأنها فضحت متاجرتها بالقضايا العربية، بل انها أعادت إلى ذاكرة العراقيين والفلسطينيين المقيمين في العراق، الانتهاكات التي ارتكبتها الميليشيات ضد الجالية الفلسطينية في العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003. حيث تسابق المغردون في مواقع التواصل الاجتماعي، في نشر المزيد من المعلومات عن الجرائم التي ارتكبتها الميليشيات ضد الجالية الفلسطينية في بغداد والعراق بعد 2003. وفيما أكد المغردون، حقيقة ان من ساعد الأمريكان على احتلال العراق وتدميره، لا يمكن ان يكون صادقا بادعاء حرصه على تحرير فلسطين من إسرائيل، فإن الكثير من التغريدات، أشارت بانه من غير المنطقي، ان يدعي طرف، نصرة قضية فلسطين، ولكنه في نفس الوقت يستبيح دماء العراقيين والعرب، ويزرع الطائفية والفرقة بينهم، وينهب خيرات البلدان، ويسلم شؤونها ومقدراتها للأجانب.
والحقيقة ان الاحتلال الأمريكي وتدمير العراق (المدفوع باللوبي الصهيوني) لم يكن موجها لأهل البلد فحسب، بل شمل كل المقيمين فيه وخاصة من العرب. فقد قمت بعد 2003 بإعداد تحقيقات لـ»القدس العربي» عن أوضاع الجالية الفلسطينية في العراق بالتعاون مع سفارة فلسطين في بغداد، وزرت مجمع البلديات (المخصصة للفلسطينيين) شرق بغداد، حيث تم الكشف عن مئات الاعتداءات والانتهاكات التي ارتكبتها الميليشيات الطائفية ضد أبناء الجالية، ضمن حملة منظمة للضغط عليهم وإجبارهم على ترك العراق. وتبين وقتها تعرض أبناء الجالية، للقتل والتهديدات بالتصفية وتلفيق التهم لبعضهم، لزجهم في السجون، من أجل الاستيلاء على منازلهم التي سبق ان منحها لهم النظام السابق، إضافة إلى حرمانهم من معظم الحقوق التي كانوا يتمتعون بها أسوة بالعراقيين كحرية العمل وامتلاك العقارات والسفر، ما أدى إلى موجة هجرة واسعة لأغلبهم إلى خارج العراق. وقد شاهدت المخيمات المؤقتة للفلسطينيين على الحدود السورية العراقية، التي هربوا إليها من بطش الميليشيات وبقوا فيها لعدة سنوات قبل ان تقبل بهم أحدى دول أمريكا اللاتينية كلاجئين إليها، بعد ان رفضهم الحكام العرب.
وعموما ورغم تدهور أوضاع العراق وعمق معاناة شعبه، فإن العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، وحد مواقف العراقيين بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم وانتماءاتهم، نحو القضية الوحيدة التي لا يختلفون عليها أبدا، مهما تغييرت الأنظمة والأزمنة، لأنها تعيش في ضمائرهم وعقولهم، وسط القناعة الراسخة، بأن وقوف أي جهة مع الشعب الفلسطيني هو شرف عظيم لتلك الجهة، لأنها تقف مع «مقياس العدالة والشرف والصمود» في العصر الحديث.
وفي تعبير عن استعداد معظم أبناء الشعب العراقي، لدعم القضية الفلسطينية بالأفعال لا بالأقوال عندما تتاح لهم الفرصة المناسبة، فقد أعلنت قوى سياسية ونقابية وشعبية، فتح باب الدعم والتبرعات، مع الاستعداد لتقديم المساعدة الطبية والإنسانية للجرحى الفلسطينيين جراء العدوان الإسرائيلي، كما توجهت هذه الأيام، حشود من المتطوعين إلى المعابر الحدودية بين العراق والأردن لمحاولة الوصول إلى الحدود الفلسطينية، إلا ان السلطات الأردنية منعتهم من المرور. وهو موقف ينسجم مع مسارعة الجيش العراقي للمشاركة في كل المعارك العربية الإسرائيلية، فيما يعد العراق البلد العربي الوحيد الذي قصف إسرائيل بـ 43 صاروخا عام 1991.
والمؤكد ان حرب فلسطين الأخيرة، كانت فرصة تاريخية قد لا تتكرر للفصائل الولائية لكي تثبت مصداقيتها إزاء القضية الفلسطينية، إلا انها أضاعتها، لافتقدادها الإرادة الحرة واعتمادها على التوجيهات الخارجية واستخدامها القضية في المزايدات السياسية، رغم تواجد الفصائل الولائية في سوريا ولبنان والعراق، مع توفر أنواع الأسلحة لديها، بما يكفي لحسم موازين القوة في الحرب لصالح المقاومة الفلسطينية بوقت قصير.
وهكذا فإن الإنجازات الرائعة التي حققها شعب فلسطين المقاوم في هذه المعركة، لم تكن صفعة للحكام العرب، عبيد السلطة، المتخاذلين عن نصرة أهم قضية عربية، وحدهم، وإنما أيضا للجهات التي تتاجر بشعارات (المقاومة والممانعة) ولكل الأصوات والأبواق المأجورة التي طبلت للتطبيع وعهد السلام الإسرائيلي، أو الداعين للاستناد إلى الدعم الإسرائيلي لمواجهة الأطماع الإيرانية، متناسين ان الأطماع الإسرائيلية والإيرانية وجهان لعملة واحدة، هدفها استغلال الضعف العربي الرسمي، للتمدد والهيمنة على الأراضي والخيرات العربية، فجاءت انتصارات غزة، لتقلب الطاولة على كل هؤلاء دفعة واحدة، إضافة إلى انها جددت جذوة المقاومة والأمل في نفس كل عربي، فمرحى لشعب البطولات والصمود.