حرب لبنان ستدخل كتب التاريخ كمثل عن نهاية وهم اسطورة الجيش الذي لا يقهر

حجم الخط
0

حرب لبنان ستدخل كتب التاريخ كمثل عن نهاية وهم اسطورة الجيش الذي لا يقهر

ليست صفعة ولكنها هزيمة بالضربة القاضيةحرب لبنان ستدخل كتب التاريخ كمثل عن نهاية وهم اسطورة الجيش الذي لا يقهر فشل الولايات المتحدة في حرب لبنان بدأ يتضح عندما تبني الجنرال فستمورلاند، قائد القوات الامريكية في فيتنام، نهج احصاء الجثث ، كبديل للانتصارات العسكرية. عندما لم يكن بامكانه الاشارة الي انجازات في ارض المعركة، قام هذا القائد بارسال عدد جثث جنود الفيتكونغ الذين قتلهم جنوده يوميا الي واشنطن.في الاسابيع الأخيرة تبني الجيش الاسرائيلي، كما تبين لنا، نهجه هذا. عندما يقوم الجيش الأكبر والأقوي في الشرق الاوسط بخوض منازلة طوال أكثر من اسبوعين مع 50 مقاتلا من حزب الله في بنت جبيل ولا ينجح في اخضاعهم، لا يتبقي أمام قادته إلا الاشارة الي عدد جثث مقاتلي العدو. بنت جبيل، كما يجب الافتراض، ستتحول الي رمز لحرب لبنان الثانية. ستكون هذه المعركة في تراث وتقاليد مقاتلي حزب الله مثل ستالنغراد لبنانية. أما بالنسبة لنا فستكون تذكارا مؤلما لفشل الجيش الاسرائيلي في الحرب.زئيف شيف ( هآرتس ، 11/8 ) قال إننا تلقينا صفعة . يبدو أن المصطلح الأكثر ملاءمة هو ضربة قاضية . نحن لسنا أمام فشل عسكري فقط. هذا فشل استراتيجي لم تتضح بعد تبعاته واسقاطاته السلبية بعيدة المدي. ومثل الملاكم بعد أن يتلقي الصدمة، نحن ما زلنا جاثمين علي الارض في شبه إغماء محاولين فهم ما حدث لنا. مثلما أفضت حرب الايام الستة الي تغير استراتيجي في الشرق الاوسط وتكريس مكانة دولة اسرائيل كدولة اقليمية عظمي، قد تؤدي حرب لبنان الثانية الي عملية معاكسة. فشل الجيش الاسرائيلي في القتال يقضم ثروتنا الأهم بالنسبة للأمن القومي – صورة الدولة القوية الجبارة التي تمتلك جيشا ضخما وقويا ومتطورا قادرا علي ضرب أعدائنا وتوجيه ضربات ساحقة لهم إن تجرأوا فقط علي التحرش بها. هذه الحرب، كما اتضح بسرعة كبيرة جدا، كانت حربا علي الوعي و الردع . وقد فشلنا في الحالتين.ليست هناك أهمية بالمرة بالنسبة لقوة الجيش الاسرائيلي الحقيقية، كما أنه لا توجد أي أهمية للقول بأن الجيش الاسرائيلي قد استخدم نسبة صغيرة فقط من قوته، وأن لديه اسلحة متطورة في ترسانته. الأمر المهم فعلا هو صورة الجيش الاسرائيلي ومعه صورة اسرائيل في نظر العدو الذي نقاتله وفي نظر الخصوم الآخرين في المنطقة. وهنا يكمن الخطر الأفدح الذي تسببت به هذه الحرب. في دمشق وغزة وطهران، وفي القاهرة ايضا، ينظرون باستغراب للجيش الاسرائيلي الذي لا ينجح في إخضاع تنظيم عصابات صغير (1500 مقاتل حسب رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية وبضعة آلاف حسب مصادر اخري) طوال أكثر من شهر، ويفشل مع دفع ثمن فادح في اغلبية المعارك التي يبادر اليها في جنوب لبنان، والأدهي من كل ذلك ـ أنه لا ينجح في شل قدرة حزب الله علي اطلاق الصواريخ، الأمر الذي يُجبر أكثر من مليون مواطن اسرائيلي علي ملازمة الملاجيء لأكثر من اربعة اسابيع. ما الذي حدث لهذا الجيش العملاق الذي لم ينجح بعد شهر من التقدم أكثر من بضعة كيلومترات في الاراضي اللبنانية ـ يتساءل الكثيرون من اولئك الذين يخططون للحروب القادمة ضد اسرائيل.نجاح الردع الاسرائيلي كان مرتكزا علي اعتراف العدو بأنه سيدفع ثمنا باهظا جدا اذا مس باسرائيل. هذا الأمر حال علي سبيل المثال حتي اليوم، وخلال الحروب، دون اطلاق مئات الصواريخ السورية علي العمق الاسرائيلي، حيث كان هناك خوف من توجيه اسرائيل لضربات قاسية لدمشق وغيرها من المدن السورية المركزية. ولكن عندما يُطلق أكثر من 3 آلاف صاروخ علي الجليل وحيفا والخضيرة من دون أن تتمكن اسرائيل من جني الثمن من أي أحد، يتصدع الردع الاسرائيلي ويتضرر.من المحتمل أن يظهر في دمشق في مناسبة قادمة من يقرر أن دفع العملية السياسية يستوجب اطلاق الصواريخ علي تل ابيب، ذلك لأن اسرائيل لم تقم فقط بالرد الحقيقي علي اطلاق الصواريخ من لبنان، وانما اضطرت ايضا الي الموافقة علي تسوية أممية تُبقي علي الترسانة الصاروخية بيد حزب الله.لجنة أغرانت منحت مصطلح النظرية مغزي سلبيا في السياق الاستخباري. لجنة التحقيق التي ستتشكل كما نأمل، بعد هذه الحرب، سرعان ما ستكتشف أن الجيش الاسرائيلي وصانعو السياسة من خلفه قد أُصيبوا بسرعة كبيرة بداء النظرية الخاطئة في مسألتين. أولا، خلال السنوات الست الأخيرة تكرس الاعتقاد بأنه لن تكون هناك حاجة لمقاتلة حزب الله علي نطاق واسع. اذا حدثت عمليات عسكرية في جنوب لبنان فستكون قصيرة ومحدودة حسب اعتقادهم. ثانيا، واذا ظهرت الحاجة لشن الحرب علي حزب الله رغم ذلك، فان الجيش الاسرائيلي سينجح في تحطيم هذا التنظيم خلال ايام معدودات، وتفكيك قيادته وانهاء الحرب بشروط مريحة لاسرائيل. وهكذا دخلنا الي الحرب. الجيش ترك رئيس الوزراء والحكومة يعتقدان أن سلاح الجو سينجح في تصفية قدرات حزب الله القتالية خلال ايام معدودات، ومن ثم سيسود وضع جديد في لبنان. علي أساس هذه الوعود حدد اولمرت أهداف الحرب الطموحة والتي لم تكن قابلة للتحقق بطبيعة الحال.مثلما حدث قبل حرب الغفران، كان هناك مزيج هدام من العجرفة والغرور والغطرسة والاستخفاف بالخصم. الجنرالات كانوا واثقين جدا من نجاح سلاح الجو لدرجة أنهم لم يُعدوا أي بديل في حالة الفشل في تحقيق الأهداف. وعندما اتضح بعد اسبوع أن حزب الله لا ينهار، وأن صواريخه لم تتضرر بصورة ملموسة، علق الجيش الاسرائيلي في ضائقة حقيقية وحالة من الإرباك. هذا هو سبب التردد في استخدام القوة وانعدام العزيمة والتصميم في الدفع بالقوات البرية. لجنة التحقيق ستضطر الي تفحص كيفية دخول الجيش الي هذه الحرب من دون اعداد بدائل لاستخدام القوة، ومن دون التخطيط لكيفية انهائها. فشل المستوي السياسي في تبني السياسة التي اقترحها الجيش من دون محاولة تفحص منطقها واحتمالات نجاحها، ومن دون تفحص البدائل لهذه السياسة. عملية اتخاذ القرارات التي قادت الي هذه الحرب كشفت مرة اخري عن الخلل الخطير جدا في عملية رسم السياسات علي مستوي الأمن القومي. منذ اقامة الدولة لم تُشكل أي حكومة هيئات استشارية مهنية قادرة علي مساعدتها بصورة جدية في تدارس وتفحص اقتراحات الجيش وخططه. في هذه المرة، مثل كل المرات السابقة، كان الجيش وليس الحكومة هو الذي حدد ما ستفعله اسرائيل في لبنان. مجلس الأمن القومي الذي يعتبر هذا دوره المنوط به لم يُطالب بتمحيص خطط الجيش وآثارها واقتراح البدائل.الغطرسة والثقة الذاتية المفرطة التي ميزت قيادة الجيش تسببت في اهمال تحصين الجبهة الداخلية. ذلك لأنه اذا كان من الواضح أن سلاح الجو سيقضي علي القواعد الصاروخية خلال عدة ايام فلماذا يُطلب من سكان المنطقة الشمالية اعداد الملاجيء والتزود بالمؤن. النتيجة معروفة. أكثر من مليون مواطن قبعوا في الملاجيء لأكثر من شهر باحثين عن الطعام من دون ظروف حياتية ملائمة.وبطبيعة الحال الاستخبارات ايضا. المفاجآت تتالت مرة اخري ومعها الاخفاقات، التي يعود بعضها لتبني النظرية الخاطئة بصدد قوة وقدرات حزب الله. نجاح حزب الله في مفاجأة دورية للجيش الاسرائيلي واختطاف اثنين من عناصرها، الأمر الذي أدي الي اندلاع هذه الحرب، نابع من فشل استخباري. مخابرات الجيش الاسرائيلي لم تُقدر بصورة صحيحة قدرات حزب الله القتالية، ولم تعرف بوجود أنفاق علي مقربة من مواقع التنظيم، كما اخطأت في جمع المعلومات حول استعدادية حزب الله وجاهزيتهم في بنت جبيل وغيرها المزيد المزيد من الاخفاقات الاستخبارية.استخبارات سلاح الجو فشلت هي الاخري عندما لم تعرف بوجود صواريخ ارض – جو الايرانية لدي حزب الله، والتقدير الاستخباري بصدد المحافظة علي القدرة الصاروخية للحزب واستمراره. الاستخدام الناجح للصواريخ المضادة للدبابات علي أيدي مقاتلي حزب الله كشف هو الآخر عن فشل استخباري يُذكر بدرجة كبيرة لما حدث في عام 1973.الجيش الاسرائيلي قام بنصب بطاريات الباتريوت بصورة صاخبة ومدوية بجانب حيفا وصفد. التغطية الاعلامية الواسعة لنصب هذه المنظومة الدفاعية رمت الي طمأنة سكان الشمال. ولكن منذئذ لم نسمع حتي كلمة واحدة عن هذه المنظومة الدفاعية المدهشة. كل ما هو معروف أنه لم تجر محاولة واحدة حتي لاعتراض صواريخ حزب الله. لجنة التحقيق ستضطر ايضا الي التحقق من قرارات الجيش في مجال الوقاية من الصواريخ الهجومية. مليارات الدولارات صُرفت علي المنظومة المضادة للصواريخ، إلا أنها لم تتجسد في ساعة الاختبار. كما يتوجب التحقيق في قرار الجيش للتوقف عن تطوير مشروع النيوتيلوس ، المنظومة الدفاعية القائمة علي استخدام الليزر ضد الكاتيوشا.الدولة تخصص 11 مليار دولار في كل سنة لميزانية الدفاع. 15 في المائة تقريبا من المنتوج القومي الخام مخصصة للأمن. ومع ذلك، عندما يستدعون جنود الاحتياط يتبين أنهم يفتقرون للعتاد الأساسي: الخوذات، والسيارات وحتي النقالات. وحدات كاملة اضطرت للقتال أكثر من يوم من دون طعام وماء. الي أين ذهب كل هذا المال؟ هذا موضوع يجب أن تتناوله لجنة التحقيق.يبدو أن ذروة الوقاحة هي تلميحات ضباط كبار في أن النقص في العتاد للجنود الذين أُرسلوا الي لبنان نابع من تقليص الميزانية الأمنية. ربما تعتبر هذه فرصة للقضاء علي الذريعة المتواصلة التي تذرع بها الجيش وهي تقليص الميزانية. هذه الميزانية لم تتقلص في العقد الأخير، بل ازدادت، واسرائيل تخصص للميزانية الدفاعية من مجموع مواردها أكثر من أي دولة ديمقراطية اخري في العالم ( 15 ضِعفا بالمقارنة مع اليابان وثلاثة أضعاف بالمقارنة مع امريكا ). هذه مسألة يتوجب التحقق من مصداقيتها ومبرراتها.حرب يوم الغفران محفورة في الذاكرة كحدث انعطافي استنهاضي، حيث تصدعت بسببها ثقة الجمهور بالجيش. مرت سنوات غير قليلة الي أن استعاد الجيش هذه الثقة. ما زال من المبكر أن نُقدر اذا كانت حرب لبنان الثانية ستُستذكر كخط انكسار سيصحو الجمهور من بعده من وهم قوة الجيش الاسرائيلي غير المحدودة.رؤوبين بدهتسوركاتب دائم في الصحيفة(هآرتس) ـ 16/8/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية