حرب لبنان كشفت عن حجم الفساد والعفن الذي اصاب مجتمعنا وجيشنا بسبب اضطهادنا الفلسطينيين

حجم الخط
0

الكاتب حاييم غوري اعتاد القول في السنوات الاخيرة أن اليمين محق في نظرته التشاؤمية لموقف الفلسطينيين من دولة اسرائيل أما اليسار فمحق في ادراكه بان الاحتلال هو عامل حاسم في تأجيج العداء عند الفلسطينيين. نتائج حرب لبنان الثانية توفر للدولة فرصة لاختيار طريق جديد للتغلب علي التناقض الذي يحدث الشلل بين هذين التصورين ولكنها ستفوتها علي ما يبدو كما يظهر من المجريات السياسية.

غوري يقول في الواقع ان اسرائيل في مصيدة: عداء الفلسطينيين يبرر القلق الجوهري الذي يشتق منه موقف الدولة منهم الي جانب ذلك تعتبر السيطرة الاسرائيلية في المناطق المعللة بذرائع امنية كثيرة هي الجمرة الرئيسة التي تغذي نار الكراهية الموجهة اليهم. هذا هو العام الاربعون الذي تقوم فيه اسرائيل بشق طريقها وهي تحاول الجسر فوق التناقض بواسطة سياسة عملية تسمح لها للوهلة الاولي بالتهرب من الحسم. هذا التوجه ادخل الدولة في متاهة اخلاقية وسياسية وأمنية وضعت علامة استفهام فوق قدرتها علي الحفاظ علي بقائها.

احد المظاهر الصارخة لذلك كان تأسيس حزب كديما: هذا الحزب ظهر بعد أن توصل قادته الي استنتاج بوجوب احداث انعطافة في علاقات اسرائيل والفلسطينيين وفي سلم الاولويات الوطني الذي سارت عليه اسرائيل منذ حرب حزيران (يونيو). ارييل شارون فسر خروجه من الليكود بالحاجة الي فتح بارقة أمل جديدة للدولة بعد أن يئس من قدرة الليكود علي مواجهة التحديات التي تواجهها اسرائيل ومن خلال رغبته في التوصل الي تسوية سياسية ومن ثم الي السلام. ايهود اولمرت كان أكثر وضوحا ودقة: هو اعتبر تناسب القوي الديمغرافية بين اسرائيل والفلسطينيين تهديدا وجوديا وبني عليه خطة الانطواء التي تقوم علي الانفصال عن الجزء الاساسي من الضفة وطمح لتحديد حدود دائمة للدولة ووضع مواجهة الفجوات الاجتماعية في مركز برنامج كديما السياسي واعدا بتحويل ميزانيات التطوير للنقب والجليل والقدس بدلا من الضفة الغربية. حرب لبنان الثانية اعادت الشريط للوراء: قادة كديما يتحدثون في الشهر الاخير مثل قادة الليكود قبل 10ـ 15 سنة. ردودهم علي التطورات في العالم العربي ـ المقصود اعادة طرح المبادرة العربية للسلام ونجاح تحرك محمود عباس في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وخطته للشروع في المفاوضات مع اسرائيل – تذكر بردود فعل اسحق شامير وبنيامين نتنياهو: الرفض التلقائي والمناورات والمساعي الفزعة لحشد تأييد الولايات المتحدة وتبديد التحركات العربية. اولمرت الذي وضع خريطة الطريق في الجارور قبل نصف سنة عشية الانتخابات عاد وأخرجها من هناك حتي يشل المبادرات العربية الجديدة وتسيبي لفني سارعت الي التذكير بالشروط المسبقة التي وضعتها اسرائيل من أجل تأكيد عدم قابليتها. حتي ان كانت حكومة اولمرت تملك امورا شكلية لاستخدامها في عرقلة التفاعلات في السلطة الفلسطينية والجامعة العربية عليها أن تدرك انها تعبر عن الفزع والخوف من امكانية حدوث تغيير في الوضع القائم. اولمرت ولفني يبدوان مثل من يسعي للدخول للملجأ اختباء من مبادرات السلام القادمة الساعية لتخليص المنطقة من الوحل الذي تغرق فيه. هذا رد لا يغتفر من قبل من سارعوا للخروج للحرب بعد نقاشات لم تستغرق اكثر من نصف يوم.

الحرب في لبنان وضعت علامة استفهام فوق التصورات الامنية التي ترتكز علي الاراضي والجدران الفاصلة. هي تجسد حاجة اسرائيل الحاسمة في التوصل الي تسوية مع جيرانها وعلي رأسهم الفلسطينيون. الحرب علمتنا الي أي مدي تسبب الاحتلال في افساد المجتمع الاسرائيلي وادي الي تعفن جيشها وضموره. العبرة العامة والعاجلة لحرب لبنان هي الحسم الصحيح بين المعضلات التي شخصها حاييم غوري وعدم مواصلة التغطية عليها من خلال سياسة الغموض والمراوغة.

عوزي بنزيمان(هآرتس) ـ 17/9/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية