قبل اسبوع ونيف أدلى رئيس الاركان الامريكي الجنرال مارتين دمبسي بشهادة أمام مجلس الشيوخ ضمن أمور اخرى حول ما يتعلق بامكانية العمل في سوريا. وكان هذا قبل الفضيحة التي اندلعت في أعقاب ما كشف عنه النقاب العميد ايتي بارون بان لدى اسرائيل معلومات ثابتة بان السوريين استخدموا سلاحا كيميائيا (غاز سارين). وسُئل دمبسي اذا كان متأكدا من ان القوات الامريكية قادرة على حماية مخزونات السلاح الكيميائي في سوريا. اجاب: ‘ليس في وضع مثلما هو اليوم. ببساطة لانهم نقلوه من مكان الى مكان وعدد مواقع السلاح الكيميائي كثيرة جدا’. ليس لدى الامريكيين، وهذا يتضح بالتدريج، مصلحة حقيقية في العمل حسب الخط الاحمر الاخلاقي والاستراتيجي الذي وضعه الرئيس براك اوباما حول استخدام السلاح الكيميائي في الحرب في سوريا. فليس من الاخلاق النظر الى الفظاعة السورية من هذا الجانب، ولا سيما عندما تكون لديك الوسائل للعمل، ولكن محقين اولئك المحللين الامريكيين الذين يقولون ان ليس لما يجري في سوريا أثر حقيقي على أمن الولايات المتحدة. الوضع الذي تتحطم فيه سوريا في داخل نفسها بالتأكيد مريح للامريكيين. ولاسرائيل ايضا، كما ينبغي الاعتراف. كل الاحاديث عن أنه يجب منح كامل المساعدة لمنظمات الثوار تتضح كاحاديث عديمة المضمون. لا توجد اي قوة في سوريا قادرة على أن تضمن الا تصبح هذه دولة فاشلة اخرى. ناهيك عن أن معارضي الاسد في معظمهم اصبحوا في معظمهم منظمات ارهابية، السائدة بينها هي جبهة النصرة، الفرع الاقليمي للقاعدة. هذه اللحظة نتذكر تطور موقفنا من الثوار ضد نظام الاسد. فقد استثمر الكثير من الانفعال في هؤلاء الثوار. فعندما ظهروا على المسرح قبل اكثر من سنتين بقليل أثاروا الاعجاب. فقد خرجوا بأيادٍ خاوية للتظاهر في الشوارع حيال نظام ارهابي مزود بكل ما لدى دولة الشرطة، ولا سيما انعدام الثبات. وقد اصيبوا بالعشرات وبالمئات وبعد ذلك بالالاف، الى أن بدأت تتبلور اطر قتالية. وعندها بدأت تظهر تقديرات أولية في أنه قد لا يكون في القصة السورية أخيار وأشرار. اليوم، حين يكون واضحا بان البديل لحكم الاسد هو فوضى اسلامية مع تغلغل ايراني من جهة وترسخ القاعدة من جهة اخرى، من الصعب تقدير ما هو الافضل. النظرية التي تقول ان سقوط سوريا الاسد سيكون ضربة قاضية لايران وحزب الله، هي مجرد نظرية غير مثبتة على الاطلاق. وقد فقدت في السنة الاخيرة مفعولها. العكس هو الصحيح يبدو أنه اذا ما اختفى الاسد وقواته، فستكون ‘لبننة’ تامة للاراضي السورية وفي داخلها ستنمو منظمة حزب الله محلية والايرانيون سيزدهرون. هكذا بحيث أن الوضع القائم، طالما استمر، هو وضع مريح للامريكيين ولاسرائيل على حد سواء. الشيء غير المريح هو أن اسرائيل والولايات المتحدة، الدولتين الديمقراطيتين ذات المثل العليا، تبحثان عن شيء ما يزين ضميرهما في ضوء اجتياز الخط الاحمر في استخدام سلاح الدمار الشامل. لقد قررت اسرائيل مسبقا بان خطها الاحمر هو نقل مثل هذا السلاح الى خارج سوريا، الى حزب الله، مثلا. اذا كانت هناك متابعة استخبارية من النوع الذي كشف النقاب عنه العميد بارون، فانه توجد امكانية لتنفيذ هجمات موضعية وعدم الادعاء بالعمل بشكل عرضي مثلما تعهد الامريكيون، والان يتبين أنهم عاجزون، على حد قول دمبسي. تبقى فقط مصلحة واضحة واحدة في رد قاطع على استخدام السلاح الكيميائي: التأثير الذي سيكون للعملية في سوريا على ايران. من هذه الناحية، توجد الان فرصة ذهبية لاختيار هدف موضعي في سوريا وتدميره. ولكن توجد هنا مشكلة حاملي مسدسين خلوقين جدا. الاول يمكنه ويريد أن يطلق فجأة رصاصة، ولكن الرجل الشرير لم يفعل أي شيء؛ والثاني، الذي استفزوه، يتردد أكثر ويجد كل الذرائع في العالم كي لا يضغط على الزناد. المشكلة موضوعة أمام اسرائيل. اذا لم تقع عملية امريكية او اسرائيلية في سوريا، فلن يكون ممكنا الاقناع بعد اليوم بان الخيار العسكري في ايران يوجد فوق الطاولة.