لندن ـ «القدس العربي»: أشعلت عملية «نفق الحرية» التي تمكن بفضلها ستة أسرى فلسطينيين من تحرير أنفسهم من قيود سجن جلبوع الإسرائيلي، أشعلت صراعاً إعلامياً على شبكات التواصل الاجتماعي بين رواية الاحتلال والرواية الفلسطينية، كما نبهت إلى الحجم الكبير للشائعات التي يطلقها الإسرائيليون والتي يتورط في تداولها كثير من الفلسطينيين.
واستنفر الفلسطينيون على شبكات التواصل الاجتماعي وعبر مواقع الإنترنت من أجل تفنيد بعض الادعاءات الإسرائيلية التي رآى فيها البعض محاولة لضرب الروح المعنوية في أوساط الفلسطينيين بمن فيهم الأسرى أنفسهم الذين ارتفعت الآمال في أوساطهم بعد عملية «نفق الحرية» والذين عادت قضيتهم إلى الواجهة مجدداً بعد أنباء الهروب الذي نفذه الأسرى الستة في سجن جلبوع.
وبدا الصراع الإعلامي في ذروته بعد أن أعلنت قوات الاحتلال الإسرائيلي أنها تمكنت من إعادة اعتقال اثنين من الأسرى المحررين في مدينة الناصرة العربية داخل الأراضي المحتلة عام 1948 وبعدها بساعات قليلة أعلنت الوصول إلى اثنين آخرين في المدينة نفسها وأعادت اعتقالهما، فيما كانت موجة تعليقات وشائعات قد اشتعلت على شبكات التواصل الاجتماعي.
وتداول الفلسطينيون شائعة إسرائيلية مفادها أن عائلة فلسطينية من الناصرة هي التي أبلغت الشرطة الإسرائيلية بمكان الأسرى، وهو ما تبين سريعاً بأنه غير صحيح، فضلاً عن أنه لم يرد في رواية رسمية إسرائيلية وإنما تم بثه عبر وسائل إعلام عبرية وحسابات مجهولة على شبكات التواصل. أما الشائعة الأخرى التي انتشرت على شبكات التواصل فهي صورة لشرطي إسرائيلي يقول أصحاب الشائعة إنه «عربي درزي» وإنه الذي نفذ عملية الاعتقال، وهو ما تبين أيضاً أنه غير صحيح، لا بل تبين أن الشخص في الصورة اسمه مختلف عن الاسم المزعوم، أي أن صاحب الشائعة لا يعرف اسم الشرطي أصلاً.
أما الشائعة الأخطر التي تمكن الفلسطينيون من اكتشافها فهي صورة شاب فلسطيني كانت قوات الاحتلال قد اعتقلته بسبب مشاركته في تظاهرات مساندة للأسرى وبسبب رباطه في المسجد الأقصى لحمايته، حيث يزعم أصحاب الشائعة أن هذا الشاب هو الذي أرشد الاحتلال على مكان الأسرى، ليتبين سريعاً بأن الشاب لا علاقة له بالقصة وإنما هو أحد المناضلين المدافعين عن الأقصى والأسرى ويبدو أن الاحتلال أراد الانتقام منه بنشر هذه الشائعة.
ورصدت «القدس العربي» استنفاراً واسعاً على شبكات التواصل الاجتماعي من قبل النشطاء والصحافيين الفلسطينيين لدحض هذه الشائعات التي يسود الاعتقاد بأن مصدرها اسرائيلي وأنها تهدف لخدمة الاحتلال.
منصة فلسطينية
تكشف الأكاذيب
ونشرت شبكة «تيقّن» وهي منصة فلسطينية تقوم بتفنيد الشائعات والتنبيه لها، نشرت تدوينة استعرضت فيها أبرز الأخبار الخاطئة المتداولة بشأن اعتقال الاحتلال لأربعة من بين الأسرى الستة الذين تحرروا من سجن «جلبوع».
ومن أبرز تلك الشائعات خبر تضمن صورة قيل إنها لشاب أبلغ عن الأسيرين، حيث أكدت «تيقّن» أن الخبر كاذب تماماً، وأوضحت أن الصورة للشاب الفلسطيني عماد الدين يونس جبارين، وهو ابن مدينة أم الفحم، وقد اعتقل عقب تظاهرة تضامنية مع الأسرى على مدخل مدينته.
وأضافت الشبكة المتخصصة: «الخبر الذي تضمن اسم وصورة قيل إنها لشرطي درزي يخدم في صفوف قوات الاحتلال، هو أيضا خبر غير دقيق والاسم في الخبر مختلف تماما عن الاسم المكتوب على سترة الشرطي في الصورة المرفقة مع الخبر». كما انتشر فيديو «قيل إنه لحرق منزل الذي بلّغ عن الشابين، مع حديث عن إلقاء قنابل وإطلاق رصاص، وهو ما نفاه نشطاء من الناصرة لتيقن».
ولفتت الشبكة أيضا إلى انتشار مقطع فيديو «قيل إنه للحظة هجوم قوات الاحتلال على الشابين واعتقالهما، ولكنه في الحقيقة غير صحيح حيث نشر موقع الجرمق الإخباري المختص بأخبار الداخل المحتل الفيديو مع خبر اعتقال شاب في أم الفحم، في حين خبر اعتقال الأسيرين اللذين انتزعا حريتهما كان يتحدث عن منطقة في الناصرة» بحسب المنصة.
وأضافت: «انتشرت أخبار تفيد بأن عائلة فلسطينية من مدينة الناصرة قد بلّغت عن الأسيرين المحررين، وأنهما كانا في وضع سيئ بلا مأوى ولا طعام ولا شراب، وهذه رواية لا يوجد تأكيد لها ولا يمكن التحقق من صحتها من الإعلام العبري، كما أنها تُخالف المنطق؛ حيث إن هيئة الشابين لا تُوحي بأنهما على الحال الذي وُصفا به».
كما فندت «تيقن» خبرا يفيد بأن مصدرا في الشاباك قد صرّح بأن المعلومة الذهبية التي دلت على الأسيرين، كانت عند اكتشاف اتصال بينهما مع قيادي كبير في غزة، وهذا الخبر لم يعثر فريق الترجمة العبرية في «تيقن» على أي مصدر له.
ونوهت الشبكة إلى أن الفلسطينيين في الداخل المحتل «نظموا فعاليات جماهيرية داعمة للأسرى الستة وباقي الأسرى في سجون الاحتلال، وقُبيل دقائق من اعتقال الأسيرين كانت أراضي الداخل المحتل تشهد 3 فعاليات جماهيرية على الأقل في حيفا وأم الفحم وعكا لنصرة الأسرى».
وختمت الشبكة بالقول؛ إن «الإعلام العبري حين يتناقل روايات معينة لا يعني ذلك أنها روايات حقيقية، والحقيقة الوحيدة الثابتة في هذه الحكاية، أن الأسرى الستة حققوا إنجازا يفوق التصور البشري، وانتزعوا حريتهم بعد أن حفروا باطن الأرض».
حرب على المعنويات
ويقول ناشطون فلسطينيون؛ إن الاحتلال يتعمد بث أكاذيب لاستغلال مشهد اعتقال الأسيرين، ومحاولة تشويه مشهد إذلالهما لأجهزته الأمنية والعسكرية، وذلك في محاولة لضرب المعنويات المرتفعة في أوساط الفلسطينيين.
وقال الأسير المحرر أمير مخول في تدوينة على «فيسبوك»: «صورة مؤلمة. حرب على معنوياتنا – حرب على معنويات الشعب. لن تنحفر صورة في الوجدان الفلسطيني ولا في الإخفاق الإسرائيلي، كما هي صورة فتحة نفق الحرية، المسعى الإسرائيلي الحالي هو احتلال معنويات شعبنا الفلسطيني، وزرع الشك والشقّ بين مكوناته في الداخل وفي الضفة والقطاع. لكن المعنويات والإرادة هي ملك أصحابها فقط. لا يمكن للأسرى حين خططوا تحرير أنفسهم إلا وأخذوا بالحسبان كل الاحتمالات وفي مقدمتها الحريّة وبذات المدى الشهادة، وكذلك إلقاء القبض عليهم أحياء».
وكتب الناشط عمار قنديل من الناصرة: «ما في أي نية تصديق رواية الشرطة بهاي البساطة، هي محاولة لتسخيف الحدث قدام الفشل، ومحاولة لتصغير البطولة قدام العجز! عملاء وجواسيس وهِبل موجودين بكل محل، بالناصرة وغير الناصرة، فش اشي بتخبى، كله ببين. السخف طبعاً ربط الموضوع بالبلد، أو بالسياسة الداخلية وتاريخ البلد. وفي حال كانت رواية الشرطة صحيحة، وزر الإخبارية بتقع على صاحبها، لا حارته، لا بلده ولا عيلته! من مصلحة الشرطة زرع صورة عمالة من جهة وذل للأسرى من جهة، لا تكونوا أسرى لفخ الشرطة. الحرية لأسرى الحرية».
وكتبت المرابطة هنادي الحلواني: «نعم، أُلقي القبض على أربعة من أبطالنا، ولكنّ هذا لا يغيّر من بسالة المشهد وعظمة البطولة المكتنفة فيه! المشهدُ الحقيقي هو أن هناك ستة من العُزَّل خرقوا منظومة أمنِ لكيانٍ يرى نفسه الدولة الأقوى، وترى في جيشها جيشاً لا يقهر. ستة من الأبطال أثبتوا أن هذه القوّة التي تروّج لنفسها الخرافات ما هي إلا قوّة كرتونيّة هشّة تكسر بإرادة مناضلٍ واحد. ستة من أبطالنا علّموا الاحتلال درساً لن ينساه، وعلّمونا ألف درسٍ في النضال، والبسالة، واليقين، والمقاومة. لا تجعلوا الاحتلال يزحزح عظمة هذه الصورة ويكسر جلال هذا المشهد. واحتفوا بأبطالكم».
أما الناشط أسامة برهم فكتب يقول: «روايتان يتم تسويقهما؛ الأولى: كانا جائعين، وحيدين، وأبلغ عنهما شخص عربي. العبرة المطلوبة: لا تهرب من سجنك، ستموت جوعا ووحدة وخيانة، لن تجد لك ملجأ كزنزانتك. الثانية: لم يبلغ أحد عن زكريا وصديقه، بل هناك وحدة تعقب مميزة ترصد حجم الحذاء وشكله وتطارد علبة السجائر الفارغة الملقاة في أرض بور. العبرة المطلوبة: إعادة الهيبة لأجهزة أحرجها النفق وهزمتها الملاعق، وتذكير كل واحد منا أننا تحت المجهر، حتى لو كنا بلا هواتف ذكية، وتسويق لجهاز استخباراتي جديد وتحذير للذين بالأسر وخارج الأسر. باختصار، هزمهم الستة على الأرض وهزمونا بالإعلام الموجه، ونحن ننقل الرواية من دون وعي. ربنا معهم».
وكتب أحد المغردين: «ليس صحيحاً أنهم استجاروا بعائلة عربية فسلمتهم، وليس صحيحاً أن عربياً أبلغ عنهم.. الرواية الإسرائيلية الكاذبة ليست سوى محاولة لتفتيت الشعب الفلسطيني وبث الفتنة بعد (هبة رمضان) التي وحّدت الفلسطينيين في كل مكان لأول مرة». وأضاف: «هدفان لرواية الاحتلال الكاذبة: أولاً، إظهار فلسطينيي الـ48 على أنهم مؤيدون لدولة الاحتلال ورافضون للمقاومة، وثانياً، التمويه على الطريقة الحقيقية المستخدمة في الوصول لهؤلاء الأسرى الاثنين حتى لا يتنبه الأربعة الباقون».
وكتب الصحافي الفلسطيني محمود أبوطاقية: «الجميع منتصر؛ وعلى رأسهم أبطال الليلة، إلا ذلك صاحب الوعي المهتز، والذي رغم مرور السنوات والتجارب ما زال ينطق بلسان افخاي ومنطقه».
أما الصحافي عز الدين أحمد فغرد: «لا لتهويل حجم الألم باعتقال أبطال نفق الحرية ولا لتهوين إنجاز كسر عين الاحتلال ومنظومته الأمنية.. الحرب سجال ومعركة الحرية طويلة».
وغرد الناشط يوسف بكر: «القبض على جميع الأسرى الستة أمر متوقع وغير مستبعد نتيجة عوامل عديدة تتعلق بالجغرافيا والديموغرافيا ووجود الاحتلال على الأرض الفلسطينية.. الأهم من ذلك حفظ صورة الأحرار في أذهاننا».