لندن – “القدس العربي”:
نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرا قالت فيه إن الخرطوم العاصمة السودانية انفجرت في حرب مفتوحة، حيث يتصارع متنافسان داخل المؤسسة العسكرية للسيطرة على العاصمة والبلد.
وأضافت أن علامات التحذير كانت واضحة ولم يكن من الصعب قراءتها، فعلى مدى الشهور الماضية، كان التوتر يتزايد بين أقوى رمزين في جيش الحكومة، الجنرال عبد الفتاح البرهان، الزعيم الفعلي للبلاد منذ عام 2019، ومحمد حمدان دقلو، حميدتي، أمير الحرب. وهو زعيم قوات الدعم السريع، القوة شبه العسكرية التي خرجت من جماعات الجنجويد المتهمة بأعمال إبادة وقتل واغتصاب في دار فور. وقد حذر الكثيرون من المواجهة الوشيكة بين قوات الدعم السريع والقوات السودانية المسلحة.
وتصاعدت الأزمة عندما استفاق سكان مروي، في شمال السودان في 13 نيسان/إبريل ليشاهدوا مقاتلين من الدعم السريع وهم يتخذون مواقع حول المطار وقاعدة للمقاتلات العسكرية، وردت القوات المسلحة على التحرك بمحاصرة قوات الدعم السريع وأمرت عناصرها بالمغادرة.
وبعد ذلك حذرت الحكومة من مواجهة محتومة بين الطرفين وحذر أيضا الممثلون الأمريكيون والاتحاد الأوروبي وعدد آخر من الحكومات الغربية من خطر المواجهة. وشهدت الساعات الـ 24 محاولات دبلوماسية بين المعسكرين لمنع النزاع، ولكن السكان في العاصمة الخرطوم حضروا أنفسهم للأسوأ.
ولم تتأخر المواجهة، حيث اندلع القتال في صباح 15 نيسان/إبريل وتبادل الطرفان الاتهامات حول من بدأ الحرب أولا. وبحسب الجيش الوطني، فقد شنت قوات حميدتي حرب تمرد ضد الدولة. وردت قوات الدعم السريع أن قوات الجيش قامت بحملة واسعة ضد عناصرها. ووصف حميدتي رئيسه بالمجرم الذي يجب تقديمه للعدالة أو “الموت مثل الكلب”، وزعم أنه المنتصر.
وبعد ساعات على الطلقة الأولى هدرت الدبابات في شوارع العاصمة وحلقت المقاتلات في أجوائها، ففي الوقت الذي قصفت فيه القوات الجوية قواعد الدعم السريع، قام مقاتلوها بالهجوم على المطار الدولي، حيث أظهرت لقطات الفيديو التي انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي أعمدة الدخان تعلو من مدرجه، وتوسعت المواجهات حول القصر الرئاسي والتلفزيون الرسمي.
وأطلق جنود الطرفين الصواريخ على المناطق السكنية التي بحث سكانها عن ملجأ. وقال مواطن في وسط الخرطوم في رسالة نصية “نسمع طلقات مدفعية ثقيلة” و”الأصوات مخيفة”.
وانتشر القتال حول البلاد مباشرة، حيث زعم الدعم السريع سيطرته على مطار مروي وقاعدة عسكرية في الأبيض بولاية كردفان ومواقع في دار فور، حيث قتل 3 من عمال الإغاثة في الفاشر. وشوهدت عمليات نشر للقوات في مدينة القضارف في الشرق.
ولا أحد يعرف إن كانت المناوشات ستكون محدودة أم أنها ستتحول لحرب شاملة، حيث قال الرجلان إنهما لن يوقفا القتال ويتفاوضا.
وتعلق المجلة أن خلف المواجهات الأخيرة معركة على السلطة بين البرهان وحميدتي وبين مجموعة معقدة من الأحزاب السياسية والميليشيات والمتمردين وحتى القوى الأجنبية المتحالفة مع كل منهما. وفي قلب القتال، معركة حول من سيدير وجهة العملية الانتقالية السياسية التي بدأت قبل أربعة أعوام برحيل نظام عمر البشير الذي أجبرته ثورة شعبية استمرت لأشهر على التنحي عن السلطة.
وشعر حلفاء البشير في الجيش أن وقته قد انتهى وقاموا، ومنهم البرهان وحميدتي، بانقلاب أخرجه من السلطة. ثم توافقت الأطراف المدنية والمتمردون والجيش على جدول للتحول الديمقراطي يقود إلى حكومة مدنية وانتخابية، لكن حكم فرق تسد الذي خلفه البشير ترك معه قنبلة موقوتة: وهي مجموعة متنوعة من الميليشيات والجماعات المسلحة تتنافس على السلطة. وأقوى فصيل بينها هي قوات الدعم السريع التي أنشئت كمواز للجيش والمخابرات بقيادة مركزية وتمويل منفصل، ولم يخف الرجل الذي يقودها، حميدتي، طموحاته بقيادة البلد. ولم يخف البرهان طموحاته أيضا، فقد صعد إلى السلطة في عهد البشير وينظر لنفسه كحارس لمصالح المؤسسة العسكرية، بما في ذلك إمبراطورية تجارية واسعة.
وهيمن العسكر على السودان منذ استقلاله عام 1956، وهم من سحقوا تجربتين ديمقراطيتين، 1961 و1985 وقام البرهان الذي يحظى بدعم قوى إسلامية مرتبطة بنظام البشر بتوجيه ضربة قاسية للديمقراطية عندما نفذ انقلابا عام 2021 ضد الحكومة المدنية وأدخل منذ ذلك الوقت البلاد في حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.
ووقع قادة النخبة العسكرية وكتلة مدنية في كانون الأول/ ديسمبر على اتفاق إطاري يعد بحكومة مدنية شاملة وانتخابات في عامين. ولو نفذ لساعد في تعافي اقتصاد البلاد وتخفيف الدين وتدفق المساعدات الأجنبية.
وكان يعني هذا دمج قوات الدعم السريع في الجيش وخلق قيادة مركزية واحدة. وكان من المفترض توقيع اتفاق نهائي بداية نيسان/إبريل، إلا أن منظور التوافق سرع المواجهة. وكان الرجلان سيخسران من الاتفاق لأنه يعني حدا لدور الجيش في السياسة والاقتصاد.
ولأنه كان يمقت التخلي عن قيادة قواته، فقد أصر حميدتي على عملية تستمر 10 أعوام لدمجها في الجيش الوطني والزعم في الوقت نفسه أنه مع الاتفاق. وأصر البرهان على مدة عامين من أجل نزع مخالب منافسه والتأكيد على هيمنة القوات المسلحة. علاوة على ذلك لم يكن البرهان ولا الحرس القديم من الإسلاميين حوله مستعدين للتوقيع على اتفاق يحد من تأثيرهم في السياسة والاقتصاد.
كما أن مطلب حميدتي عزل أكثر من 800 ضابط كشرط للموافقة على دمج قواته في الجيش، مطلبا كبيرا للبرهان لم يكن قادرا على تلبيته، حسب جوناس هورنر، الخبير بالمنطقة. وقبل أسبوع أخبر مسؤول في حزب البشير المحظور الآن وكالة “رويترز” أنهم يحاولون منع الاتفاق. ويرى هورنر أن الإسلاميين داخل الجيش ربما قرروا شن هجوم سريع للسيطرة على العملية الانتقالية.
وقام الطرفان قبل المواجهة بأشهر بتعزيز قواتهما ونقل الدبابات من النيل للخرطوم. وتوقف البرهان وحميدتي عن الحديث مع بعضهما البعض قبل أيام من المواجهة، حسب بعض الروايات.
والمخاوف من انتشار القتال حول السودان كبيرة، فكل من القوات المسلحة والدعم السريع لديهما شبكة رعاية قبلية وإثنية في البلاد. كما أن الإسلاميين حول البرهان متمكنون بشكل جيد في الجيش والاقتصاد. ويحظى الجنرال بدعم من الجارة مصر. وانتشرت أشرطة فيديو في بداية القتال عن اعتقال الدعم السريع جنودا وطيارين مصريين في مطار مروي.
وبالمقارنة يحظى حميدتي بدعم من رئيس إريتريا، أسياس أفورقي المعروف بتدخله في شؤون جيرانه، كما وتقرب من السعودية والإمارات بعدما أرسل مقاتليه للحرب في اليمن، مما يقترح أن الدعم السريع حصل على تسليح منهما. ويسيطر الجيش الوطني على الأجواء وهذا يفسر تركيز جنود حميدتي على القواعد الجوية. وربما أنهى القتال عملية التحول الديمقراطي التي واجهت معوقات، وفي الوقت الذي يتقاتل جيشان علق السودانيون العاديون في الوسط وباتوا في مرمى كل منهما. وقتل حوالي 27 مدنيا منذ بداية المواجهات وجرح أكثر من 400 شخص. وقال أحمد عصمت أحد قادة المحتجين في الخرطوم “لا ندعم أيا منهما” و”أي حرب تعني نهاية الثورة”.