مراجعة النكبة
اشتدت حرب التسريبات والإعلانات المغفلة الاسبوع الماضي. فقد قال مصدر امريكي رسمي كبير انه حتى لو كانت اسرائيل لا تحب هذا، الا ان الفلسطينيين سيحصلون على دولة. وقال هذا المصدر الذي يوصف بانه مشارك مباشر في المفاوضات بين حكومة اسرائيل وقيادة السلطة الفلسطينية ان ‘الفلسطينيين سيحصلون على دولة ـ ومهما يكن ذلك سواء عبر المنظمات الدولية أم عبر العنف’. معقول أن يكون هذا مارتين اينديك، بالضبط مثلما كان من زل لسانه هو جون كيري، دبلوماسيين كبيرين يبديان هواية في كل موضوع المفاوضات، وفي كل موضوع الشرق الاوسط.
قبل بضعة ايام اضيف بيان امريكي استفزازي: ‘التجسس الاسرائيلي في الولايات المتحدة تجاوز الخطوط الحمراء. كل هذه التصريحات تطرح السؤال هل نحن ندخل الى مرحلة حرب مكشوفة بين اسرائيل والولايات المتحدة. دون اطلاق النار بالطبع. فادارة اوباما ـ كيري أخطر في المجال السياسي منها على الارض. نتنياهو وأبو مازن على حد سواء يفهمان هذا، وسيضطران الى ايجاد السبل للدفاع عن النفس في وجه الادارة التي لا تفعل شيئاً امام تصفية اوكرانيا وامام استمرار المذبحة في سوريا والتي تتم ايضا بواسطة قصف الغاز.
ولكن من الصعب التصديق بان ادارة اوباما ستؤدي حقا الى المواجهة والى الشرخ بين الولايات المتحدة واسرائيل. فليس لديها مبرر. فهذا خلافا للمصالح الامريكية العميقة ـ اذا كانت ادارة اوباما تولي أي اهتمام بهذه المصالح. يمكن التقدير بان هذا التبادل للاتهامات، والتي يشارك فيها صحافيون كبار في اسرائيل، هي نتيجة تحول السياسة الاسرائيلية الى شيء ينتج عن السياسة الداخلية الامريكية.
أوباما، كيري، اينديك وباقي محافل البيت الابيض ووزارة الخارجية الامريكية يبقون قسما من النخبة الاسرائيلية قريبة من صدورهم. العدو المشترك ـ نتنياهو، حكومة اليمين، المستوطنات، المستوطنين. وهم يلعبون اللعبة القذرة للصندوق الجديد لاسرائيل ولجماعة جي ستريت: جعل اسرائيل منبوذة في نظر يهود امريكا، وربط بقايا النخبة القديمة في اسرائيل بالادارة.
هذه النخبة لا تزال تنجح في السيطرة على الخطاب الجماهيري، ولكنها عمليا اصبحت شريحة اجتماعية رقيقة جدا. في نظر اليسار الامريكي، على اي حال، والذي يستند الى تقديرات الاعلام الاسرائيلي، فان الائتلاف اليميني هش ومترنح. في داخله توجد تضاربات وتمزقات. ويمكن في وضعية معينة أن يقام مرة اخرى ائتلاف ما يتصرف حسب سيناريو كيري واوباما. وهم يرون مواجهة بين بعض زعماء البيت اليهودي وبين رئيس الوزراء. ويبلغون عن هجمات رجال الاحتجاج على صفقات السجناء في احتفال يوم الذكرى في جبل هرتسل.
النخبة الاسرائيلية التي يعولون عليها ترى الواقع مثل البروفيسوريين عمانويل سيفان وتمار هيرمان في المقدمة التي تتباهى بكتاب جديد عن سائقي السيارات العمومية في مصر: ‘زاوية النظر الثانية لدينا، كقراء اسرائيليين، هي لجمهور شهد … موجة احتجاج كبرى، لم تؤدي خلافا لمصر الى تغيير للسلطة.
ومع ذلك فان موجة صيف 2011 شهدت بان هنا ايضا تآكلت هيبة السلطة بل وشرعيتها كانت موضع شك … فموجة الاحتجاج التي صعدت قبل سنتين تغذت وغذت فهما جد غير مريح يشبه بقدر كبير فهم سائقي السيارات العمومية في القاهرة الذين يذكرهم الكتاب تجاه حكم السادات ومبارك عدم قدرة حكومة نتنياهو وسابقاتها على الحكم وعدم نقاء أيدي القيادات السياسية والاقتصادية، وعدم نجاعة اداء جهازي التعليم والصحة، وغيرها هنا وهناك’.
هذا المقطع يؤكد بانه كان هناك تطلع ما لهز الدولة لدرجة ‘الانقلاب السلطوي’. فالنخبة المثقفة ترى بحكومة اليمين، حكومة نتنياهو، في ذات المستوى مثل مبارك أو السادات في حينه. حكم غير شرعي، عمليا، مليء بالفساد. من يتابع كل الخطاب النكبوي يفهم بان هذا أيضا يرتبط بالفكرة التي تشبه نتنياهو بمبارك. خطاب النكبة الذي يتصدره اليسار يجب أن يعيدنا الى المفاهيم القديمة التي قلة فقط تتذكرها: الاصلاحية التاريخية والثأرية. هذه بشكل عام هي من مزايا حركات اليمين المتطرف، الفاشية. فقد بدأت النازية بالاصلاحية التاريخية. وكان الكثير من الديمقراطيين ممن اتفقوا معها. هذا هو المفهوم الذي رأى في الالمان المهزومين بعد الحرب العالمية الاولى الجانب المحق، الذي اهين، استغل، سلب، وبترت اراضيه عن خريطة الامة وما شابه.
والثأرية هي سياسة التوسع التي يحركها الغضب الوطني الانتقامي. وهذه بالضبط هي دوافع الفلسطينيين، غير أن حلفاءهم هم من اليسار المتطرف.
إن اعتبار حرب الاستقلال بمثابة نكبة، وليس من قبيل الحرب العادلة لشعب اسرائيل في سبيل وجوده واستقلاله، هو الثأرية في ذروتها: النقيض التام للسبب والمسبب، النقيض للعدالة ونفي الحقائق. والميل هو نحو الموافقة على بند المعاناة والمأساة مع الادعاء بان هذا ذنبهم. هم الذين اجتاحوا، هم الذين لم يقبلوا بقرار التقسيم في 47. وماذا بالنسبة لامكانية أن الفلسطينيين دفعوا بالاجمال ثمنا معقولا، بل وحتى ليس عاليا على نحو خاص، مقارنة بجريمتهم المتمثلة بانضمامهم الى قوات الاجتياح العربية؟
لقد درج بن غوريون على القول ان اسرائيل ستفكر باعادة اللاجئين اذا ما أعاد الفلسطينيون 6.500 يهودي قتلوا في الحرب. هذه هي المأساة في أن العرب حاولوا كتابة التوطئة للحرب العالمية الثانية، واليهود منعوا تحقيق الهدف. فضلا عن ذلك، فقد دفع الفلسطينيون ايضا ثمن الاضطرابات التي جعلوها لليهود منذ القرن التاسع عشر ولا سيما منذ العام 1920، مع مذبحة 1929، وباقي الهجمات الارهابية. في اطار الاصلاحية، فان اعمال القتل البربرية في الخليل تصبح في الادبيات الاكاديمية متوازنة من ناحية اخلاقية بل وربما مبررة او مفهومة على الاقل.
ان حق اسرائيل مثبت في المجتمع وفي الدولة اللذين بناهما مواطنوها. ما يختبىء خلف رؤيا قسم معروف من وسائل الاعلام ورواد الرأي العام فيها هو اقامة طغيان اسلامي في الضفة وغزة. وادخال اسرائيل الى دوامة من الخراب الاجتماعي الداخلي في اعقاب اخلاء جماعي للمستوطنين.
ما يمنع حاليا نجاح الحلف المؤيد للجهاديين بين البيت الابيض واليسار الاسرائيلي والناطقين بلسانه هو الحلف الخفي بين نتنياهو وابو مازن. حكومة اسرائيل تعرف كيف تتوصل الى تفاهمات مع حماس ومع ابو مازن. الخوف من محاولات الامريكيين ضعضعة الاستقرار يقرب محافل متناقضة في الشرق الاوسط.
معاريف/الموقع 9/5/2014