حرب

حجم الخط
0

إيناس العباسيركض بجنون، ركض كما لم يفعل سابقاً في حياته. عليه أن ينفد بجلده، بعظامه، بيديه، بساقيه، بعينيه، بجسده كاملاً. وحين ينتهي هذا الكابوس عليه أن ينفد بعقله وأن لا يُصاب بالجنون.

لم يكفهم الوقت لتجهيز خطة مُحكمة وهذا ما جعلهم يعتمدون على عنصر المفاجأة ما قلل من خياراتهم في الأسلحة. استغنوا عن الدبابات وعن المدافع اليدوية الثقيلة ليتمكنوا من التنقل بخفة. كل معركة شارك فيها هنا في الأشهر القليلة الماضية مثلت صفعة بالنسبة له فالحرب على أرض الواقع مختلفة تماما عن الحروب التي اعتادها. هنا لا يتم التعامل بين الجنود بالبديهية والبساطة التي تعود على التعامل بها مع جنوده الذي كانت أوامر قليلة كافية لتوجيههم. هنا يتعامل الجنود فيما بينهم بإشارات سريعة وصامتة كثيرا ما تتحول إلى خرس قاتل حين لا يفهمون بعضهم البعض. هنا حين يُصاب أحدهم برصاصة في الرأس لا يُعاود النهوض مجدداً بسلاح أقل فاعلية مثلما يحصل في عالم الحروب الالكترونية التي اعتاد أن يلعبها، هنا حين يُصاب أحدهم برصاصة في الرأس لا ينهض أبداَ.

اليوم حين حاصروا البيت بعد أن هُيئ لهم خلوه سوى من بضعة أشخاص اقتحموه بسرعة، تجاوزوا البوابة الخارجية ليجدوا انفسهم في باحة واسعة وعارية سوى من بضع نخلات. قبل أن يتمكنوا من كسر مقبض الباب الداخلي للبيت أو يفهموا شيئا، حاصرتهم الطلقات. مثل قطعة سكر سحقتها يدٌ عصبية وحولتها إلى ذرات، فرقهم وابل الرصاص الذي انهمر عليهم من كل صوب.

من حسن حظه أنه كان آخر الجنود الذين اقتحموا المكان ما جعله يستعمل البوابة الخارجية كدرع حماه من رصاصة قاتلة. وقف وراء الباب المُوارى، بعجز شاهد مقاومة زملائه الذين تساقطوا قتلى وجرحى في دقائق قليلة، كان عددهم غير متكافئ مع عدد المتمردين ما جعل معركتهم عبثية. في حالة جموده تلك شعر بأنه تحول إلى عين مرعوبة اكتفت فقط بالمشاهدة وبتسجيل ما يحدث، عين انتبهت أن دورها آت فتراجعت بسرعة. ركض بجنون، ركض كما لم يفعل سابقا في حياته. مادت به الأرض. وبالرغم من أنهم طيلة الأشهر الماضية درسوا خريطة المدينة بكل أحيائها وتفرعاتها حتى كادوا أن يحفظوها عن غيب، إلا أن المسألة اختلفت تماما على أرض الواقع فكل الطرقات تشابهت أمامه ولم يعرف كيف يعود إلى معسكرهم. عمل عقله بفوضى وسرعة تضاهي سرعة ركضه الذي تحول إلى هرولة. عرف جيدا ما الذي يريده في تلك اللحظة بالذات، أن لا يتواجد في هذا المكان بعد اليوم، أن يستلقي على فراش حقيقي أو يشاهد التلفزيون، أو يكتفي بالتحديق في السقف، أن يقوم بأي شيء سوى أن يكون هنا. حرك رأسه من اليمين لليسار في حركة نفي وكأنه يُذكر نفسه بأن ليس هذا هو التوقيت المناسب للتفكير في مثل هذه الأفكار.

عليه أن يفكر فقط كيف ينفد بجلده، بعظامه، بيديه، بساقيه بعينيه، بجسده كاملاً. عليه أن يجد مكانا يختبئ فيه ليتمكن من استعادة أنفاسه والتفكير في خطة تمكنه من النجاة قبل أن يقع أسيراً.

على الرغم من كون الفصل شتاء، إلا أن نهار هذه المدينة كان طويلاً وطقسها حاراً ورطباً بطريقة جهنمية. أي لعنة ألقت به في هذه الحرب ولما لم يلتقِ أحداً؟ هل من المعقول أن يكون كل زملائه قد قُتلوا أو ربما احتجزوا المصابين؟ الموت أفضل من الأسر.

لا يفهم كيف حصل كل هذا، من المفروض أن العملية كانت لتكون من أسهل ما يكون فـ’ميم’ الرجل المطلوب يختفي في ذلك البيت مع بضعة مرافقين لحمايته. لكنهم بدلاً عن ذلك وجدوا البيت مُلغما بالمسلحين الذين طوقوهم من كل جانب، وكأنهم كانوا بانتظارهم.

عند هذه النقطة من التفكير برقت في ذهنه الإجابة، بكل تأكيد، لقد كان هذا فخاً. ابن العاهرة الذي أخبرهم بمكان اختباء ‘ميم’ في ذلك البيت، هو نفسه من سرب للمتمردين معلومات عن قدومهم وربما عمل من البداية لصالحهم. كان من الغباء اقتحام البيت دون خطة مُحكمة، خطوة مُتهورة وغير مدروسة، كيف اعتمدوا على معلومات دون التأكد منها؟ يبدو أن قائدهم يتبع نظرية أخرى، نظرية تنصُ على أن لا وقت لدينا لإضاعته للتأكد من صحة مصادرنا، لا يتوجب علينا أن نهدر الوقت فمن الممكن أن يهرب ‘ميم’ أثناء ذلك ونفقد أثره من جديد.

لا وقت لدينا لنهدر دماءه لكن بدلاً عن ذلك لدينا دماء جنود من الممكن أن نهدرها… اللعنة عليه وعلى هذه الحرب الخاسرة.

كان من المهم القبض على ‘ميم’ حياً لاستجوابه ومعرفة خططه وأسماء مساعديه، فهو العقل المُدبر لحركة المقاومة وموجود على قائمة المطلوبين من بداية الحرب أي منذ عشر سنوات! عشر سنوات كاملة، يا للغباء لما قد يهدر أحدهم عشر سنوات من حياته من أجل هذه الحرب أو أي حرب سواها؟ عليه أن ينفذ بنفسه في أقرب وقت، لن ينتظر انتهاء العقد، يكفيه مجموع الرواتب التي تقاضاها عن الأشهر الماضية. عند هذه النقطة من التفكير شعر بالحماسة وبرغبته في النجاة تتجدد، فقط لو يتمكن من الاتصال بأي مجموعة أخرى من الجنود لكنه فقد جواله وسط المعركة ولن ستطيع التجول بزيه العسكري وسط المدينة بحثا عن هاتف عمومي. قطرات كبيرة من العرق سالت من جبينه وتساقطت على جفنيه ممتزجة بذرات الرمل العالقة برموشه ما أربك رؤيته. اللعنة على هذه المدينة القذرة لما هي دائمة الغبار، لما لا يحل الليل سريعاً، فالعتمة صديقة الجنود أما الضوء فلص الحرب الذي يكشفهم ويسرق فرصهم في النجاة. من فرط تعرقه، شعر بأنه تحول إلى كتلة مائية تتدحرج صوب وجهة غير معروفة، إذا لم يجد مخبئا بسرعة فسيُشوى في هذا القيظ ويجدوه مثل حبة أفوكادو مُتيبسة يكتفي أحد المتمردين بدهسها بحركة واحدة من كعب حذائه ليتخلص منها نهائياً.

لم ينتبه إلى وصوله لإحدى الضواحي النائية إلا حين قلّ عدد المنازل من حوله. أبطأ خطواته وأصاخ السمع، ما عدا أزيز الذباب المُتصاعد مثل ترنيمة مثيرة للغثيان كان السكون سيد المنطقة. وجود الذباب بتلك الكثرة لا يُفسر إلا بشيء واحد، هذا المكان هو مقبرة مفتوحة الأمعاء، وكلما اقترب أكثر كلما تأكد من هذا، كانت الجثث ملقاة في عراء الشارع. ربما في لهفة الهرب لم يهتم الأحياء بدفنها أو ربما لم يتبق أي شخص حياً ليدفنها. ستكون مجازفة ثمنها حياته إذا ما اختار أحد البيوت بصفة عشوائية. مرة أخرى تفقد ذخيرته، قنبلتان يدويتان ومُسدس كاملة رصاصته. ومع ذلك لن يستطيع استعمال السلاح في هذا السكون فصوت رصاصة سيتفجر مثل دوي. ليست لديه خيارات كثيرة، عليه أن ينتظر حلول الليل قبل أن يقترب من أحد هذه البيوت. لف كثيراً إلى أن وجد فجوة جانبية بين بيتين بالكاد تكفي ليمر فيها، بصعوبة تمكن من الدخول في الحيز الضيق ومثل حيوان ضربه صاحبه وقف هناك منهكاً منكس الرأس. مضى الوقت مثل سلحفاة مقلوبة على ظهرها تحاول استعادة وضعيتها الصحيحة. رغم الحرارة والعطش، حاول أن ينام دون جدوى. تذكر أكلات شهية يحبها ليتحلب ريقه ويتجمع قطرات قليلة حاول ابتلاعها لكن تفاحة آدم آلمته ففي كل مرة تحركت مثل نواة مُتيبسة في حلقه. تمنّى لو خلع ثيابه وعصرها وشرب الماء الذي سيسيل منها حتى لو كان مالحاً.

حين انتشر الظل الداكن لليل تشجع واقترب من أحد البيوت، كان الباب مفتوحا ما وفر عليه عناء كسر نافذة، ألقى نظرة سريعة على الغرف الثلاثة، كان البيت مهجوراً وكأن لم يكن هنا بشر البتة. ولسوء حظه كان الماء مقطوعاً، يبدو أن البنية التحتية لهذه المدينة قد دُمرت تماماً.. بخطوات متعبة جر قدميه بحثا عن قارورة أو إناء، لم يكن مخيرا، عليه أن يستعمل حيلة العطشى منذ أبد الآبدين. قضى حاجته في أول إناء وجده، ثم أغمض عينيه وشرب. ثم دخل إحدى الغرف واستلقى على الفراش. ورغم كل الوهن الذي سيطر عليه لم يستطع النوم بسهولة. لم يعتقد أن الحرب ستكون هكذا.

عند بداية الحرب تضافرت جهود وسائل الإعلام ووسائل التكنولوجيا الحديثة وتسللت مثل أطراف الاخطبوط لبيوت الناس وعقولهم وقلوبهم. مصممو ألعاب البلاي ستايشن وألعاب الكمبيوتر، صمموا برامج ألعاب جديدة تتلاءم مع الحرب الجديدة وتغرس في نفوس اللاعبين حب أُمتنا وتدعو شعبنا العظيم للدفاع عنها، إنه نداء الواجب فخطر الأسلحة النووية يُهدد الوطن. وقتها، كان في أول العشرينات وكان لا يحب إلا شيئين ألعاب البلاي ستايشن والفتيات. هو نفسه قضى ساعات طويلة منغمساً في لعبة اسمها ‘الحرب في بلد نون’، يُكون اللاعب جيشا ويجهزه بالأسلحة ليقتحم مدن ‘نون’ بالتدريج وكلما قتل من المقاومين كلما ارتفع رصيده من الأسلحة المستعملة، الفوز النهائي يحدث حين يقضي على المقاومة وتسقط عاصمة البلد. كانت اللعبة مهيأة بطُرق قتل مُتنوعة، فلا يكفي طلقة أو اثنتين لقتل أحد الثوار بل يمكنك أن تختار من بين أكثر من ثلاثين طريقة للقتل كما يمكنك بكبسة زر أن تختار التمثيل بالجثة تقطيع أوصالها أو رميها للكلاب لتنهشها. حرارته المرتفعة جعلته يشعر بالوهن أكثر ويستسلم للنوم الذي سحبه نحو قاعه.

لم تمض ساعات كثيرة قبل أن توقظه حركة يدان قيدتاه بسرعة. حاول النهوض للدفاع عن نفسه لكن الوقت كان قد فات، في غيبوبة الحمى رأى وجهاً مُغضناً بآثار السنوات يقترب من وجهه. كان الصوت أنثوياً… لم يفهم ما الذي كانت تقوله، لكنها بكل تأكيد كانت غاضبة. اختفت فجأة ثم عادت بعد دقائق حاملة بيدها رفشا حديدياً، بصقت عليه وبدأت في ضربه بحركات متواترة. مع كل ضربة هوت على جسده، رافقتها صرخة من صرخاته التي تحولت إلى عواء للألم.. استجداها أن تتوقف دون جدوى إما أنها لم تفهم لغته، أو لم تهتم بأن تفعل… الضربات الأخيرة التي وجهتها لرأسه فجرت دماءه وغطت عينيه بطبقة لزجة… مع كل ضربة منها تدافعت في عقله صورة من صور ذكريات السعادة القليلة التي عاشها في حياته… ضربته العجوز بحَمية لا تتناسب مع سنها وهي تردد بلغتها كلمات لم يفهمها ولن يجد الوقت ليفهمها: هذه من أجل ابني الذي قتلتموه وهذه من أجل ابني الذي اعتقلتموه وهذه من أجل بلدي الذي قمتم باحتلاله وهذه الضربة الأخيرة هدية مني أيها الكلب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية