حرصا على حرمة الاجداد

حجم الخط
0

رداً على ما نشر في ‘القدس العربي’ تحت عنوان ‘احتجاج علني ضد الرقابة في التلفزيون السوري’: كمال جمال بكبقوة الرقابة الثقافية في إذاعة دمشق استمر برنامج (كاتب وموقف) للزميل الكبير عبد الرحمن الحلبي منذ منتصف ستينات القرن الماضي وحتى اليوم.. وبصمت كامل وبعيدا عن الأضواء أمّنت هذه الرقابة للأستاذ الحلبي منبرا ليتابعه جمهورها على مدار عقود، حرصا على مستمعيها، وعلى معد رأت فيه زميلا وأستاذا لسنوات طويلة. وعندما تم إيقاف المتقاعدين عن العمل كانت الدائرة الثقافية بكل ‘الرقباء السطحيين’ حريصة على المطالبة بإعادة البرنامج، تكريسا لمفهوم ‘كبارنا أجدادنا’. وعملت الدائرة الثقافية خلال هذه السنوات على إخراج مادة الندوات المسجلة بشكلها شبه الخام، التي كان يسلمها المعد إلى الدائرة من دون جهد لتحويلها إلى مادة إذاعية نوعاً ومضموناً، (والفارق كبير بين مادة ندوة ومادة إذاعية لأي عارف بدقائق الحقل الإعلامي، فما يقال في البيت غير الذي يقال في الشارع أو المدرسة أو مكان العمل، مثله مثل الفارق بين ما يقال في الندوة أو في الإذاعة والتلفزيون). وحرصا على اسمه وتجربته، وحرصا على موقعها وتاريخها، لمّعت هذه الدائرة، وهو دورها، تجربة كاتب وموقف لتُخرج المادة إذاعية لجهة الشكل والمضمون. وبشهادة كل من اختبر التعامل مع البرنامج منذ عقود، بمن فيهم من تعاقب على رئاسة الدائرة الثقافية خلال سنوات، الإعلاميون فردوس حيدر ـ مروان الخاطر ـ بدور عبد الكريم ـ فريال أحمد ـ كمال جمال بك، شكّل برنامج الندوة في شكله الإذاعي مادة أخذت من أعمار مراقبيها سنوات طويلة صعبة، أهم ما فيها أن الأستاذ الحلبي كان يقسر الإذاعة بجمهورها العريض على قياس الندوة بحضورها الذي لا يتجاوز عشرات من المتابعين النوعيين.

ومرارا وتكرارا احتاجت مادة الأستاذ الحلبي إلى ما يشبه (كونسولتو) ثقافي لدراسة سبل معالجة المادة وبثها، حرصا على ألا يتم تعطيلها، وحتى لا يضيع للأستاذ الحلبي حق مادي أو لغيره حق معنوي في كلمة قالها خلال الندوة. ولمّا كانت المادة الخام للندوة في كثير من مفاصلها لا تعالج بالشكل الذي يستوفي محاورها والتي يمكن أن تعبر في بث إذاعي سريع لتترك في ذهن المتلقي العابر تشويشا من دون اكتمال الصورة، كان الرقيب الثقافي يأخذ محلّ المعد لإخراج المادة مفهومة للمتلقي، ولم يسبق أن اعترض الزميل الحلبي على أي حذف أو مونتاج طالما قام غيره بهذه المهمة.

وعندما كانت تستعصي على الإذاعة حلقة تخرج بمعظم مفاصلها السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية على المقبول قوله في منبر إعلامي كإذاعة دمشق، كانت الحلقة توقف ولم يسبق أيضا للزميل المعد الحلبي أن أبدى أي اعتراض منبوس أو مكتوب، طالما كان يتقاضى الأجر المستحق والبالغ ألفي ليرة سورية عن بث حلقة معادة، وهو أجر يضاف إلى ما يتقاضاه عن الندوة بدون أي عناء إذاعي. وفي الحلقة الأخيرة مدار البحث تدارست الدائرة مهام المعد ورأت أنه من الواجب عليه القيام بعملية صنع الشكل المطلوب للحلقة، نظراً لأنها لا تكلفه (أي المعد) تسليم المواد للمنفّذ الفني إلا في خمس دقائق، بينما تكلّف الرقيب قضاء ساعات لإعدادها عمليا، وعندها تم إبلاغ الزميل الحلبي برجاء مونتاج حلقته بنفسه ليصار إلى إذاعتها، وعندها أيضا صار طلب الحق باطلا وصارت المهنية معيارا للحرب على الإعلاميين، فوقف الأستاذ الحلبي على منبر ندوته ليعلن أن الإذاعة أوقفت بث المادة وعلى هذا فهو يوقف البرنامج. هذا بعض ما لنا بأعيننا، ونبقي الباقي طيا حرصا على حرمة الأجداد.

ونظراً لأن ما مضى قد مضى وبرضاه، نفتح الآن صفحة الحلقة الأخيرة مثار الجدل لنعلن في نقاط ثلاث ردنا على ما أخذه علينا بعيونه:1ـ أول ما صفع (المراقب السطحي) في الحلقة كان ساعة الزمن المتأخرة بين يدي الأستاذ الحلبي 43 عاما منذ عدوان 67، الذي تزامن شوق الحديث عنه عند الأستاذ الحلبي وضيوفه بالمعنى الهزائمي وليس الاعتدائي، مع نشر البروتوكول الأكثر سرية حول حرب تشرين على وجه الصحافة الإسرائيلية، ومع تصريحات رئيس أركان الجيش الإسرائيلي حول عجز كيانه عن خوض معركة أخرى لها طعم حرب تشرين، وما واكبها من عجز إسرائيل عن تقدير القدرات القتالية التي نمت للعرب خلال ست سنوات من عدوان حزيران. وسط هذه الأجواء رأى الحلبي أن يعزف على أوتار ‘الهزيمة’ من دون أن تسعفه وسائله بما هو أكثر قربا في التاريخ وأكثر قدرة على توليد الحلم في الوجدان العربي عبر أحداث 2000 لبنان 2006 لبنان 2008 ـ 2009 غزة أو حتى من دون عناء إيراد تواريخها.

ورأى احد ضيوف الندوة في متابعة القيادة العسكرية بشكل مباشر لإدارة الحدث الإعلامي خلال العدوان من داخل استديو أخبار التلفزيون السوري، مؤشرا على ما سماه ‘استهتارا بالإعلام’ معتبرا ألا ضرورة لتمحيص هذا المسؤول في خبر مادته الحرب العربية الإسرائيلية! وهنا خرج المعد عن دوره في إدارة الحوار وانضم إلى جوقة اللاهين بحديث عن هزيمة وتحول بقدرة قادر الى خبير عسكري ليقول: لذلك كانت النتيجة هكذا.

وهذا للتذكير جاء بالتزامن مع نشر إسرائيل ما تأخرت في إعلانه عن حرب تشرين سبعة وثلاثين عاما، فهل يبدو هذا تأخرا للإعلام الإسرائيلي في عين الزميل المعد أم سيطرة لمسؤوليها العسكريين والسياسيين على الإعلام؟ وهل يدري الزميل المعد كيف تسير الشؤون العسكرية والسياسية أم انه لا يدري، أم انه لا يريد أن يدري! 2 ـ وسقطت معايير المهنية الإعلامية مجددا من بين يدي الحلبي بعد أن كرس دوره في الندوة كضيف لا كمدير للنقاش في مختلف محاوره عندما فتح الأبواب للهجوم على عدد من الشخصيات الإعلامية، من دون أن يرى ضرورة حتى لتنويه مقتضب عن حق هؤلاء الغائبين عن جلسة الهجوم بالرد، ولو في وقت لاحق. 3 ـ وفي زحمة أذرع الإخطبوطات الإعلامية التي تمتد لتغرق متلقينا بين الماء والماء في دوامات الإعلام المفتوح، عبرت الندوة بلا شراع ولا بوصلة لتتلمس ما رأته نقاطا مضيئة في عالم 690 فضائية فخلطت على عجل بين ما لا يستوي وضعه في سلة واحدة، فجاء على اللسان شيء عن قناة الجزيرة تلاه استحسان للوصفة الأمريكية الإعلامية في تمويل قناة الحرة.

ختاما نقول: على عجل وبلا أي مراجعة مرت ندوة الحلبي بيدها على كمشة ملح ترشه فوق جرح من دون دراية (بحساب النيّات الحسنة) ضمن تقليعة لبعض المعدين (الكبار) الذين يتحصّنون باسمائهم فلا يكلفون أنفسهم عناء النظر خلفهم، عما خلفوه لمستمعيهم من خلط للأوراق وتضييع للمفاهيم، وهي مهمة مازلنا نقوم بها عنهم.. لكن آن الأوان أن تخرج من الصمت إلى العلن.4 ـ وللحديث إذا ما اقتضت الضرورة بقيّات… *رئيس الدائرة الثقافية في اذاعة دمشق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية