حرق القرآن.. مسجد قرطبة.. التنصير والأسلمة: مخاطر التشدد الديني من القاهرة إلى نيويورك

حجم الخط
0

فرانسوا باسيلي

فوجئ العالم بتصريح جنوني من قس مغمور يعلن فيه عزمه على حرق عدة نسخ من القرآن، وأخطأ الاعلام الأمريكي بأن منح هذا الرجل وتصريحه الاخرق مساحة ضخمة حولته إلى شخصية عالمية بين ليلة وضحاها. وكانت فرحته الكبرى حين أدلى الرئيس الامريكي أوباما بدلوه في استنكار هذا الأمر، وطلب القس أن يتصل به أوباما بنفسه لكي يطلب منه العدول عن فكرته هذه، ففضح بذلك غرضه الاساسي في طلب الشهرة وتضخم الذات المريضة بأمراض الجهل والكراهية والتعصب الديني. وقد كتبت من قبل أشجب مباريات القذف والسب المتبادل بين المتعصبين من المسيحيين والمسلمين، خاصة تلك التي تشتم أو تستهزأ بمعتقدات ومقدسات الآخرين، وأوضحت أن الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لرسول الاسلام ليست ‘حرية رأي’ وإنما هي ابتذال وحماقة وبذاءة، ومنطلقي هو أن لكل متدين أو رجل دين الحق في شرح وتوضيح دينه والدعوة السلمية له، ولكن ليس من حقه سب معتقدات الآخرين أو التهكم عليها وعلى مقدساتهم وأنبيائهم، هذه هي أولى أولويات قواعد العيش المشترك الكريم للبشر من جميع الطوائف في بلد واحد وفي عالم صغير، ولذلك فإن شجبي لفكرة حرق القرآن أو الإساءة إلى الإسلام ورسوله هو شجب بلا حدود، وفي اعتقادي أن من يقومون بهذا يؤججون نار كراهية عارمة يمكن أن تؤدي إلى عنف طائفي وإلى حروب أهلية وحروب دينية عالمية المفروض أن تكون حضارتنا الانسانية اليوم قد تجاوزتها بعدة قرون.

ومن نفس هذا المنطلق المؤمن بحرية الاعتقاد مع الالتزام بعدم الاساءة للآخرين أقول انني أصبت بالدهشة لذلك الأصرار غير المبرر من جانب الإمام عبد الرؤوف على بناء جامع قرطبة على بعد مرمى حجر من ‘غراوند زيرو’ بنيويورك، وعدم قبوله دعوة الكثيرين، ومنهم حاكم ولاية نيويورك بتدبير مكان بديل في موقع آخر يبعد قليلا عن ‘غرواند زيرو’، ولو كانت الحملة هذه هي ضد بناء مسجد في أي مكان في نيويورك لكنت في مقدمة صفوف الشاجبين لها المطالبين بحرية المسلمين الأمريكيين في بناء أماكن للعبادة لهم. ولكن هناك أكثر من مئة جامع ومصلى في مدينة نيويورك يقوم فيها المسلمون بممارسة عباداتهم كغيرهم من المواطنين، ولكن الإمام أساء التقدير في اختيار هذا الموقع المشكل، الذي رأى فيه كثير من الأمريكيين أمرا استفزازيا، ألم ير الأمام أن أهالي ضحايا البرجين عرقلوا بناء أي مبنى بديل في ‘غراوند زيرو’ لمدة تسع سنوات تقريبا. ولم يكن ممكنا البدء في بناء أي شيء هناك الا مؤخرا؟ ألم يدله هذا على مدى حساسية هذا الموقع والمنطقة المجاورة له؟

ثم أساء التقدير أيضا عندما اختار اسم ‘قرطبة’ لمشروعه هذا. فقرطبة هي المدينة التي أنشأها المسلمون بعد غزوهم لاسبانيا الكاثوليكية، حيث قاموا بتحويل أكبر كنائسها إلى جامع مازال قائما حتى اليوم فبأي منطق يختار الامام هذا الاسم الاستفزازي لمشروع يقول ان هدفه هو إقامة الجسور بين الأديان وتقديم صورة لإسلام يحض على السلام والتآلف؟ وقد شاهدت الإمام في حلقة كاملة من برنامج لارى كينج يدافع عن مشروعه، ورغم أنه كرر أنه حساس جدا لمشاعر ضحايا محرقة البرجين فإنه لم يترجم إحساسه هذا إلى موقف مرن، بل راح يكرر أهمية بناء المسجد في هذا الموقع ‘حتى لا ينتصر المتطرفون’ والمؤسف أنه بإصراره المتعنت غير المبرر هذا، أعطى الأمريكيين صورة من صور التشدد الديني ليست في صالح الاسلام والمسلمين، والنتيجة أن اكثر من سبعين في المئة من الامريكيين يقفون ضد بناء مسجد في هذا الموقع، وإن كانوا في نفس الوقت مع بنائه في مكان آخر، أي هم ليسوا ضد المساجد بشكل عام. وفي لقاء آخر تساءلت شقيقة أحد ضحايا ضربة البرجين الارهابية: ‘إنني أسأل لماذا الإصرار على هذا الموقع بالذات؟ إن كان الهدف حقا هو بناء جسور من التفاهم والقبول بين أصحاب الديانات فإن نيويورك هي نموذج التفاهم والقبول، حيث أن بها مئة مسجد، فهي لا تحتاج إلى مثل هذه المبادرة، وإنما الذي يحتاج هذا هو الشرق الأوسط. فلماذا لا يقوم الإمام ببناء مسجد هناك حتى يكون عمله فعلا جسرا للتفاهم والتسامح الديني’. أما الحديث عن الاسلام غير المقبول في أمريكا والإسلامفوبيا، فمن المجدي أن يسأل المسلمون الأمريكيون أنفسهم عن مبعث هذه الظاهرة، ولماذا لا توجد تجاه أتباع أي دين آخر كالبوذية أو الهندوسية أو اليهودية؟ ومارأيهم في العدد الكبير من الرسائل الالكترونية المتداولة التي تحمل صورا لمصلين مسلمين يفترشون الأرض ويسدون الطرق العامة في مدن مثل لندن وباريس واحتجاج أهالي تلك المناطق من عدم القدرة على السير؟ هل يمكن أن يساعد هذا على قبول الأوروبيين والأمريكيين للمسلمين على ضوء هذه الممارسات المتعدية على حقوق الآخرين؟ إننا لا نرى الهندوس ولا البوذيين ولا اليهود ولا الأقباط ولا الأرمن ولا أي طائفة أخرى تسد الطرق العامة لكي تصلي؟! فكيف يستبيح المسلمون لأنفسهم هذا؟ وأزور القاهرة التي لم تعد تحمل من أواصر الوحدة الوطنية بين المسلمين والاقباط سوى مظاهر فارغة كثيرا ما تكون هي نفسها أدلة على الانفصام الوطني وليس الوحدة، فكثيرا ما نرى في شوارع القاهرة والاسكندرية الجامع لصق الكنيسة. فيكتب البعض مهللين لأن هذا في رأيهم من نماذج الاخاء والتسامح والقبول الديني. ولكنهم لا يسألون: يا ترى ما الذي كان قائما قبل الآخر، الجامع أم الكنيسة؟ فالواقع المؤلم والمعروف هو انه إذا كان الجامع قائما فلا يمكن لأحد أن يبني كنيسة مجاورة أو مقابلة له. لابد إذن أن الكنيسة كانت قائمة أولا ثم جاء أولاد الحلال وبنوا جامعا ملاصقا أو مقابلا لها، ولك أن تتخيل كيف يصلي المسيحيون قداس الجمعة بينما ميكروفونات الجامع الملاصق تملأ المكان بخطبة الجمعة التي كثيرا ما تتضمن لعنات على ‘الكفار من اليهود والنصارى’! هذا الاصرار على فرض النفس على الآخرين بالقوة ومزاحمتهم من دون مراعاة لمشاعرهم هي نزعة عدوانية متأصلة تاريخياً لدى بعض التيارات الاسلامية وهي موجودة اليوم بفضل الفكر المتشدد المسيطرعلى الشارع سواء في العالم العربي أو في’أوروبا وأمريكا، ولعلها وراء الرغبة الغريبة في فرض بناء مسجد باسم قرطبة بجوار غراوند زيرو بنيويورك!

تلاصق الجوامع والكنائس في مصر ليس من مظاهر الوحدة الوطنية وقبول الآخر وإنما هو أحد مظاهر التطرف الديني الذي اجتاح مصر في ثلث القرن الماضي، فمنذ رحيل عبد الناصر ولا هوية للشارع المصري سوى الهوية الدينية المتأججة المهوسة من قبل المسلمين والمسيحيين على حد سواء، ولكن تشدد الاقباط جاء حماية للنفس كرد فعل لهجمة التشدد الديني الهائلة التي أشعلها السادات منذ بداية حكمه وما تزال متأججة اليوم في غياب مأساوي لقيادات عاقلة حازمة تضع حدا لهذا الالتهاب الحاد في المشاعر الدينية السطحية البدائية التي ستسارع في الانحدار الحضاري لمصر، أم الحضارة وفجرها المضيء.

تركت القاهرة بقلب موجع والمشاعر بين المسلمين والاقباط متأججة بسبب مشكلة السيدة كاميليا وهي زوجة القس القبطي التي اختفت لبضعة أيام ثم سلمها الأمن للكنيسة لتختفي في ‘مكان آمن’ مع إشاعات هائلة من الطرفين عن اختــــــطافها أو اســــلامها أو الضغط عليها أو احتجازها، ثم ظهور فيديو لها تعلن فيه أنها على مسيحيتها ولم تسلم، وصاحب ذلك لأول مرة في تاريخ العلاقة بين المسلمين والأقباط في مصر مظاهرات قام بها مسلمون ضد البابا شنودة ـ بالاسم- ثم أعقب ذلك كله لقاء خطير لمذيع الجزيرة أحمد منصور مع السيد محمد سليم العوا كانت محصلته تحريضا سافرا ضد الأقباط واتهامات غير مسبوقة للكنيسة وقياداتها بأنها تعمل ضد المصلحة الوطنية، بل وتجلب السلاح من إسرائيل لتخزينه داخل الأديرة استعدادا لحرب استشهاد! وهي أوهام بالغة الشطط لا تقوى عليها سوى عقلية أصولية لا ترى الواقع سوى منبعج مشوه في مرآة محدبة على خلفية عاطفة دينية متشددة.

والسبب في صعود مثل هذه الأوهام والاتهامات هو غياب الدولة وتقاعسها عن القيام بدورها في تفعيل القانون بشكل قوى فوري محايد مهما كانت النتائج، فما معنى أن يختفي مواطن أو مواطنة مصرية بعد أحداث وشائعات كهذه! ولكن الدولة نائمة لعن الله من أيقظها وهي لا تريد صداعا ولا وجع دماغ، ولذلك لا تتعامل مع مشكلة التنصير والأسلمة بشكل واضح شفاف يستند إلى القانون، وتفضل أساليب الرقص على الحبل والعمل في الخفاء وتطويق الموضوعات ولمها وليس حلها، على أساس من الحسابات السياسية والصفقات الانتهازية، وعــــلى القانون والمواطنة السلام. وبهذا تتخلى الدولة عن أول مسؤولياتها وتهبـــــط إلى مستوى العزبة، والواقع أن اختفاء السيدة وفاء قسطنطين لسنوات دون شفافية أو تصريح من الدولة عما حدث وكيف طبق القانون وعلى أي أساس هو أمر مازال يفرز تداعيات بالغة الضرر. والمفروض أن تكون للكنيسة والدولة مصلحة واحدة هي إظهار حقيقة ما حدث وتطبيق القانون في حيادية وشفافية. وهذا ما كان يجب أن يحدث في أمر السيدة كاميليا أيضا ولا يترك الأمر لفيديوهات تظهر فجأة على النت ولا نعرف من أي جهة ولا على أي أساس قانوني، ثم تختفي السيدة كاميليا هي الأخرى ولا نعرف لكم سنة قادمةمن الضروري لعلاج مشاكل التنصير والأسلمة أن تكون الدولة فاعلة وواضحة في تطبيق القانون المصري القائم على حماية حرية المعتقدات، فليسلم من يسلم ويتنصر من يتنصر، في الدولة العصرية لا يهتم أحد بهذه الأمور سوى أصحاب الشأن وحدهم، ويظل الأمر مسألة شخصية، وليحدث هذا يجب شجب مفهوم ‘حد الردة’ باعتباره لا ينطبق على العصر والمجتمع الراهن، والذي بسببه يخشى الكثيرون الاعلان عن تغيير أديانهم ويضطرون للاختباء أو الهروب خارج مصر. ويجب أن تعيد الكنيسة النظر في أسلوب تعاملها مع الدولة في هذا الخصوص لكي يتم تطبيق القانون في شفافية وصرامة مع حـــــماية المواطنين والضرب على أيدي الغوغاء الذين يهـــــددون أمن المتنــــصرين أو المتأسلمين ويدفعونهم إلى الاختفاء، كما يجب على القـــــيادات الكنسية الكف تماما’عن الدخول في السياسة وإعلان تأييدها لهذا أو’ذاك فهذه مغازلة غير مقبولة’للنظام لا يليق بالكنيـــسة أن تنزلق إليها. ” الأمر في النهاية أكبر بكثير من مشكلة امرأة وهل أسلمت أم لا، الأمر الآن هو الشرخ العميق الذي وقع بين شركاء الوطن، والذي من أسبابه الجذرية حالة الهياج الديني التي تسيطر على الشارع المصري، فمظاهر التدين ولغته وصوره ومسالكه وهواجسه تسد كل المنافذ في مصر من الشوارع إلى المكاتب إلى المواصلات إلى التعليم إلى الفضائيات فلا تسمح سوى باستنشاق هواء التشدد الديني الفاسد المضيع للوقت المؤجج للكراهية والدافع نحو الخروج خارج العصر، لم تعد هنالك ساحة مفتوحة للمواطنة المشتركة في مصر- وإنما هناك ساحة إسلامية هائلة الوجود والثقل والضجيج، وفقاعات للتنفس القبطي داخل هذه الساحة يوجد فيها الأقباط في عالم فقاعي خاص بهم منغلق عليهم يعيشون فيه في مزيد من الخوف والتوجس والاحباط والاستنفار الطائفي والخضوع البائس لرجال الدين في أمور الدنيا وليس الدين- كرد فعل للدولة الدينية والمجتمع الديني والثقافة الدينية الإسلامية الطاغية حولهم التي طردتهم من ساحة المواطنة العامة.

حالة خطيرة تنذر مصر بعواقب وخيمة لأول مرة في تاريخها، وللأسف الشديد لا توجد قيادات واعية تعي هذه الاخطار وترتفع إلى مسؤولية تحملها وعلاجها، ولهذا لنا أمل في شباب مصر الصاعد المطالب بالتغيير، والتغيير المطلوب ليس سياسيا فقط، ولكنه اجتماعي وثقافي أيضا، وإلا فتأهبوا للانحطاط الحضاري والحروب الدينية القادمة.’ كاتب من مصر يقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية