حركة النهضة في مسعاها لإدخال الإعلام بيت الطاعة

حجم الخط
0

د. خالد شوكات لا يتردد شيطان الاستبداد في أن يزين للقابض على السلطة جريمة السعي إلى جعلها مطلقة بذريعة أن الأمر ضرورة يبيح كل محظورة، تماما كما يسعى بعض مستشاري السوء أن يزينوا لسلطان حركة النهضة أمر إدخال الإعلام ‘العمومي’ بيت الطاعة ‘الحكومي’، بحجة أن قلة قليلة من اليساريين المتطرفين أو بعض فلول النظام السابق، يستغلون وسائله لعرقلة مشاريع السلطة أو تحريض العامة ضدها والتشكيك في بياض حقائقها الناصعة. إن النجاح في الاختبار الديمقراطي لا يتأتى كما هو متعارف عليه، من أن يتعايش الماسك بمقاليد الحكم مع من يحب ويرضى، فذلك حال المستبد أيضا، بل إن كل النجاح في أن يقبل الحاكم بالعيش مع من هو أشد اعتراضا ومخالفة، وفي أن يكون مستعدا لدفع دمه من أجل أن يقول مخالفه رأيه مثلما عرف فلاسفة الأنوار وآباء الديمقراطية الخلق الديمقراطي قبل مئات السنين، ولهذا فإن الكيفية التي ستدير بها حركة النهضة معركة ‘الإعلام العمومي’ التي قررت إعلانها، ستكون شهادة اختبار جديد لحقيقة توجهاتها الديمقراطية، التي طالما أكدت عليها. و على الرغم من اقتناعي بوجود أطراف يسارية ويمينية متطرفة تعمل بما أوتيت من عزم وقوة على إفشال عمل حكومة الحركة الإسلامية التونسية، من خلال بث المزيد من الأعمال التي تعرقل الحركة الاقتصادية، وتدفع البلاد إلى الفوضى، بما قد يكسر مسيرة الانتقال نحو الديمقراطية، ويخلق في الأفق المنظور مناخا مناسبا لظهور بدائل حكم ديكتاتورية تحت مبررات وعناوين متعددة، فإن كل ذلك لا يبرر ما أقدمت عليه الوزارة الأولى في التعامل مع سد الشغور الحاصل في المواقع القيادية للمؤسسات الإعلامية الحكومية، في سيرة تكرر منهج النظام السابق وخطوة أحادية قد تقود إلى خطوات أخرى مشابهة.

إن إخضاع الإعلام العمومي باعتباره إعلاما يعبر عن مصالح الشعب العليا، والتشبث بإعادته مرة أخرى إلى ‘إعلام حكومي’ يمثل وسيلة دعاية (بروباغندا) للحكومة، لن يفيد صاحب القرار أي النظام الجديد، ناهيك عن إفادته الشعب والوطن، فالأصوات المنادية من داخل الحكومة بخنق الأصوات المخالفة، بحجة أنها لا تمثل سوى أقلية ناشزة، هي نفسها التي ستعمل باستمرار – إن هي نجحت هذه المرة- في المضي في خطوات استبدادية أخرى، ولن تعدم في كل مرة قادمة أن تجد للسلطان حجة، في ظاهرها مقنعة وفي واقعها باطلة باطشة. إنه ليس بمقدور متابع الزعم بأن أداء الإعلام الحكومي في تونس ما بعد الثورة، لا تشوبه شائبة، أو أنه كان على الدوام مهنيا محايدا، لكن لا أحد أيضا بمقدوره أن ينفي أن أداء هذا الإعلام قد تطور كثيرا، على نحو أصبحت معه قنوات التلفزية الوطنية الأكثر مشاهدة قياسا بتلك العربية التي طالما استحوذت على لب المشاهد التونسي، وقد أضحت نشرة أخبار الثامنة مساء على الوطنية التونسية الأولى مصدر خبر البلاد الرئيسي لدى أكثرية أبنائها، وإن دربة الإعلاميين الديمقراطية لم تقل تطورا عن دربة السياسيين وسائر المواطنين، فقد كان لزاما على الجميع في تونس الجديدة تعلم السلوك الديمقراطي كدرب الوليد مع تعلم المشي خطوة خطوة. وإذا ضاقت الحكومة التونسية اليوم بإعلام متشبث باستقلاليته وحياديته، فإنها ستضيق غدا بكل موقف مخالف وشخص معارض، وستجد في أوساط حزبها الرئيسي من يحضها من باب التزلف والرياء والمصلحة الضيقة، أو من باب الجهل والعناد والمكابرة، من يشجعها على إتيان فاحشة إلغاء الآخر المخالف أو إدخاله عنوة وقسوة إلى بيت الطاعة، وإن كل سلطة كما يقال مفسدة وكل سلطة مطلقة مفسدة مطلقة، وإن كل الفضل في أن يحمد للحكومة صبرها على ظلم الإعلام لها، لا أن يكتب في سجلها أنها كانت للإعلام ظالمة وللرأي الآخر نافية. وإن إعلاما مدجنا ومداهنا ومرائيا وخشبيا وسائرا في ركاب السلطة، لن يفيد النظام بشيء ولن يساعده على تهدئة العامة أو إثناء المعتصمين والمضربين وسائر المحتجين أو إقناع أحد من المواطنين بفضائل الحكم الجديد ومساعيه التنموية الحميدة، بل إن الإعلام إذا ما كان مستقلا ومحايدا ومهنيا، فإنه سيكون خير معين للسلطان، فهو مرآته التي يرى فيها عيوب وجهه وبدنه فيعمد إلى إصلاحها، وعينه الثاقبة التي يرى من خلالها ما خفي عنه من مظالم فيسارع إلى رفعها، فهل من المعقول أن يسير عاقل إلى تحطيم مرآته الصادقة أو فقء عينه الثاقبة؟’ كاتب من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية