حركة حماس وسياسة اللاحرب واللاسلم
أ. د. ابراهيم أبراشحركة حماس وسياسة اللاحرب واللاسلم لا غرو بأن الحكومة الفلسطينية الراهنة حكومة جديدة بما تعنيه الكلمة، فمنذ اثنتي عشرة سنة، كانت كل الحكومات السابقة من نفس النخبة السياسية وذات الوجوه تقريبا، الانتخابات أحضرت للتشريعي وللحكومة حركة حماس وهذا يُعد انقلابا حقيقيا، انقلاب حقيقي، في الوجوه وفي البرامج والمرجعيات، ولكن بأدوات تنسب للممارسة الديمقراطية، ولأنها حكومة جديدة في كل شيء حتي الآن فأمر استيعابها من النخبة السياسية ومن الأطراف الاقليمية والدولية يحتاج لوقت وأمر تكيفها مع هذه الأطراف يحتاج لوقت أيضا ان حدث التكيف. القول بأنها حكومة جديدة لا يتضمن حكم قيمة سلبيا أو ايجابيا بل هو تشخيص ووصف لواقع أهم ملامحه محاولات الحصار والتضييق علي الشعب الفلسطيني بكل السبل، والشلل الذي أصاب مجمل النظام السياسي الفلسطيني بسبب ذلك، فلم يحدث في تاريخ الانتخابات الديمقراطية الحقيقية أن تعرض شعب للحصار لأنه مارس حقا ديمقراطيا وفي فترة قياسية جد قصيرة (شهر تقريبا)، هذا الأمر يدفعنا لقراءة متأنية لما يجري ولا يمكن فهم ما يجري الا بالرجوع الي الملابسات الأولي لبداية ما أُطلق عليه المسلسل الديمقراطي والذي تُوج بما سُمي بالعرس الفلسطيني. المتمعن بما يجري بعقلية عميقة تتجاوز لغة الشعارات والعواطف يجد نفسه أمام رزمة من التساؤلات مثلا: هل بالفعل نعيش مرحلة انتقال ديمقراطي؟ وهل خطاب الديمقراطية في الساحة الفلسطينية خطاب بريء؟ وهل الحكومة الحمساوية هي المحاصرة أم الشعب وما أقام من مؤسسات في عهد الحكومات السابق؟ وما هي استراتيجية هذه الحكومة ان كان لها استراتيجية؟ والأهم من ذلك هل يريد المحاصرون للشعب اسقاط الحكومة الفلسطينية بالفعل؟أولا: هل اللجوء للانتخابات كان امراً محتومالا نريد تكرار ما سبق وان أكدنا عليه من أننا لسنا ضد الديمقراطية من حيث المبدأ، وأن حركة حماس هي فصيل فلسطيني فاعل واكتسب ثقة ناخبيه، كما أننا دوما نؤكد علي أن النظام السياسي الفلسطيني منذ نشأته الأولي مع منظمة التحرير وهو يعيش مأزقا متعدد الأسباب والتجليات ومع وجود السلطة تعمق هذا المأزق، مما كان وما زال يتطلب عملية اصلاح شاملة لهذا النظام، اصلاح لنهج وسياسات المجال السياسي لحركة تحرر وطني أكثر مما هو اصلاح سلطة دولة، وآليات اصلاح نظام حركة تحرر تختلف عن آليات اصلاح سلطة دولة مستقلة. أيضا يجب التذكير بان خطاب الاصلاح كان خطابا فلسطينيا قبل أن تصادره الولايات المتحدة والأوروبيون ليجعلوه خطابا خارجيا، ذلك أن فشل القوي السياسية الفلسطينية بالتوصل لآليات اصلاح المجال السياسي لحركة التحرر الفلسطيني علي أسس وطنية وبأدوات وطنية منح القوي الخارجية فرصة لركوب موجة الاصلاح الفلسطينية أساسا ليوجهوها لخدمة أغراضهم وهي غير بريئة بالتأكيد، حيث انصبت آليات الاصلاح علي بعض مؤسسات السلطة بما يجعلها حالة نقيض وبديل لحركة التحرر وبما يجعلها في حالة غربة عن الشعب. كنا نتمني لو نجحت دعوات الاصلاح وجلسات الحوار المتعددة بالتوصل لقيادة وحدة وطنية تضع استراتيجية عمل وطني وثوابت وطنية يتم الاتفاق والاختلاف فيها لا عليها قبل دخول متاهة الانتخابات الموجهة خارجيا، ولكن وللأسف فشلت كل جولات الحوار، ليس فقط لأن القوي الخارجية تريد افشال الحوار بل لأن هذه القوي وجدت أدوات داخلية تُسهل عليها المهمة وكانت تعمل علي افشال الحوار عن دراية وسبق اصرار أو جهل وسوء تقدير. فشل المتحاورون بالتوصل لمرجعيات حيث كان الوطن والمصلحة الوطنية هو المبتغي والهدف يشكك بامكانية نجاحهم في التوصل لاتفاق عندما تصبح السلطة والسلطة فقط هي المبتغي والهدف؟ هذا لا يعني التبشير بفشل الحوار بل التأكيد بأنه كلما مر الوقت دون التوصل لتفاهم علي مرجعيات وثوابت كلما تعقدت وصعبت عملية الحوار. ثانيا: لماذا الاصرار الأمريكي علي اجراء انتخابات؟؟ولنكن صريحين ودون مكابرة فإن العملية الانتخابية وما يسمي بالمسلسل الديمقراطي لم يكونا تعبيرا عن نضج الوعي الديمقراطي أو عن قناعة راسخة بالديمقراطية لا عند حركة فتح التي كانت تمسك السلطة ولا عند حركة حماس التي كانت تتطلع للسلطة. الانتخابات فرضت كجزء من استحقاقات التسوية، ولأن الحكومات السابقة كانت مأزومة ليس فقط بالفساد الذي ينخرها بل بالاعاقات التي وضعتها في وجهها اسرائيل وحتي أمريكا، فلم تكن تستطيع معارضة المطلب الأمريكي والأوروبي باجراء الانتخابات، ولأن حركة حماس كانت مأزومة بتآكل شرعيتها الجهادية وبمحاصرتها خارجيا، فقد تمسك الطرفان بالانتخابات وتزينوا بزي الديمقراطية وهم في داخلهم يدركون الحقيقة بأن ما يجري هو مخطط خارجي لا علاقة له بالديمقراطية الحقيقية.وهنا يجب التمييز ما بين السلطة والحكومة، في الوضع الطبيعي يفترض عدم وجود تعارض ما بين السلطة والحكومة باعتبار أن الحكومة هي الأداة التنفيذية للسلطة، في الحالة الفلسطينية الوضع مختلف وقد بان التباين بين الحكومة والسلطة في ظل الحكومة الحالية. في الحالة الفلسطينية أي في ظل السلطة التي أوجدتها اتفاقية أوسلو، السلطة ليست مشروعا وطنيا خالصا بالرغم من صدور قرار تأسيسها من المجلس المركزي لمنظمة التحرير، بل هي مشروع فلسطيني وأمريكي وأوروبي واسرائيلي أو بشكل آخر هي مشروع دولي ونجاح التسوية مرتهن بوجود السلطة، ومن هنا يكون وجود السلطة ضرورة لمن يريد الحفاظ علي نهج التسوية كحالة بديلة عن نهج المقاومة المسلحة، وهذا لا يعني التشكيك بالسلطة والقول بأنها تخدم مصالح خارجية، بل ما نريد قوله هو أن السلطة جواد رهان لمن يريد المراهنة علي التسوية والشاطر من يحسن ركوب هذا الجواد. فيما الحكومة نتاج وطني أو الفارس الذي يراهن عليه الشعب حتي يمكن توجيه مسار التسوية بالشكل الذي يخدم حقوقنا المشروعة، وأمريكا والخارج يدعمونه بقدر ما يخدم تصورهم للتسوية و السلطة وليس بقدر ما يخدم المشروع الوطني، وهذا يعني بأن وجود السلطة ليس بالضرورة دوما يخدم المصلحة الوطنية. الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها لم يكونوا حريصين بان نكون ديمقراطيين ولا يريدون بالانتخابات ان تهيئ الأمور للعودة لنهج السلام، أمريكا كما هو الحال مع اسرائيل خرجتا عن سكة التسوية السلمية منذ مقتل رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين، وبالتالي فإن حديثهما عن الاصلاح والانتخابات وسعيهما لذلك انما بهدف استمرار سلطة فلسطينية تنوب عن سلطة الاحتلال وتتعايش مع حالة من اللاحرب واللاسلم، وحالة السلطة قبل الانتخابات وصلت لدرجة من التردي والخطورة بحيث باتت مهددة بالانهيار وانفلات الأمور من تحت الضبط. فكان لا بد من تحديث أو تغيير في السلطة ولو علي حساب حكومة فتح الشريك في تأسيس السلطة، أيضا شعرت الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها من عرب وعجم بان حركة حماس في الوقت الذي تتزايد شعبيتها فانها أيضا تعيش حالة من انسداد الأفق واليأس الذي قد يدفعها لقلب الطاولة وتخريب حالة اللاحرب واللاسلم وذلك بتدمير مشروع السلطة، فكانت الانتخابات هي الحل الذي ينقذ السلطة ويستدرج حماس لتصبح جزءا من السلطة. وجود حماس داخل النظام يجعلها أكثر خضوعا للابتزاز، وهنا حدث تقاطع بين أهداف متعارضة أصلا، والشعب العادي ساير الانتخابات، لأنه يريد الانتخابات ليقضي علي الركود وحالة العجز اللذين وصلت اليهما الحكومات السابقة وليقيم سلطة قادرة علي استكمال المشروع الوطني علي قاعدة التسوية العادلة، لأنه لا يمكن لسلطة عاجزة داخليا أن تكون قوية علي طاولة المفاوضات، والأمريكيون والاسرائيليون أرادوا الانتخابات ووصول حماس لمحاصرتها ولادخال الساحة الفلسطينية في صراعات داخلية تبعدها عن الهدف الحقيقي لوجودها كفصائل حركة تحرر ضد الاستعمار. ولكن هل دخول حركة حماس للسلطة أخرج النظام السياسي من مأزقه ؟ وهل تملك حركة حماس استراتيجية سلام تمكن من كسر حالة اللاسلم بسلام حقيقي أو استراتيجية حرب تكسر حالة اللاحرب بحرب حقيقية تقضي فيها علي اسرائيل كما يطرح ميثاقها؟ثالثا: ماذا تريد حماس والحكومة الراهنة؟ ان كانت حركة حماس لا تريد الاعتراف باسرائيل ولا بالاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير مع اسرائيل ولا بالمبادرة العربية ولا بقرارات الشرعية الدولية… فلماذا دخلت الانتخابات أصلا وهي تعرف أنها انتخابات سلطة حكم ذاتي مرجعيتها اتفاقات أوسلو؟ وماذا تريد من خلال وجودها بالسلطة؟ الجواب الذي يتبادر للذهن مباشرة هو أنها تريد عكس ذلك أي عدم الاعتراف باسرائيل ومواصلة نهج المقاومة المسلحة والتمسك بالشرعية الدينية والتاريخية؟ ولكن كيف نوفق بين ذلك وبين التزام حركة حماس بالتهدئة لأكثر من عام؟ وكيف يستقيم ذلك مع دعوة حماس لهدنة طويلة المدي؟ وكيف يستقيم ذلك واسرائيل تسمح لقادة حماس بالتنقل العلني داخل الوطن وخارجه وعقد لقاءات وندوات داخل الوطن وخارجه؟ أيضا السؤال الذي يفرض نفسه هل ما يجري اليوم قد فاجأ حركة حماس وبالتالي وقعت في مصيدة أُعدت لها؟ أم كان امر متوقعا وبالتالي فهي تعرف ما تريد وليست منزعجة مما يجري؟ نعتقد بأن حركة حماس لم تدخل الانتخابات عن جهل ورعونة، ربما فوجئت بالنسبة الكبيرة من الأصوات ولكنها كانت راغبة بالسلطة وتسعي اليها، كما نعتقد بان ما يجري من حصار لم يفاجيء كثيرا قادة حماس، لأنهم ليسوا من الغباء السياسي ليعتقدوا أنه بمجرد نجاحهم بالانتخابات فان العالم الخارجي سيغير استراتيجياته ومواقفه تجاه الصراع العربي ـ الاسرائيلي وسيشتغل علي أجندة حماس السياسية! وقادة حماس يدركون جيدا بان اسرائيل وحلفاءها لم يعارضوا منحنا حقوقنا المشروعة لأننا كنا غير ديمقراطيين وكنا نريد انتزاع حقوقنا بالكفاح المسلح وعندما نصبح ديمقراطيين ونعلن الهدنة سيقدمون لنا هذه الحقوق علي طبق من الفضة، وقادة حماس يعلنون دوما بأن الراحل أبو عمار والمنظمة قدموا كثيرا من التنازلات ولم يحصلوا علي شيء. مباشرة بعد فوز حماس صدرت عدة اشارات توحي بان لدي حماس استعدادا للتعامل مع اشتراطات التسوية، منها الرسالة التي وجهها وزير الخارجية الدكتور محمود الزهار الي الأمين العام للأمم المتحدة وحديث بعض قادتها عن الاعتراف باسرائيل كأمر واقع أو الاعتراف بالمبادرة العربية، وقد فسرت هذه الاشارات بأن لدي حماس استعدادا مسبقا بالدخول في نهج التسوية ولكنها تحتاج لوقت حتي تستطيع تمرير خطاب التسوية واستحقاقاته السياسية علي قاعدتها الشعبية المعبأة بثقافة مناقضة لثقافة التسوية، ومع أننا كتبنا بان اعتراف حماس باسرائيل سينسف الأسس العقائدية لوجودها وسيؤدي لحدوث انشقاق بداخلها، الا أن الغموض ما زال يكتنف خطاب الحكومة الفلسطينية حول التسوية.واذا ما صدقت توقعات القائلين بان حماس ستنهج نهج منظمة التحرير وتتعامل مع استحقاقات التسوية السلمية في وقت قريب، فإن حركة حماس ستسجل سابقة خطيرة وغير أخلاقية سياسيا وهي استغلال حصار الشعب وتجويعه بل واظهاره بصورة مذلة أمام العالم، وتصعيد خلافها مع حركة فتح، لتوظف ذلك كله كمبرر لتنازلات كانت مستعدة لها أصلا، أي لتقول بأنها لم تتنازل عن ثوابتها الا نتيجة الضغوط التي مورست عليها ولأن هناك مؤامرة داخلية وخارجية لاسقاط الحكومة، وأنها اضطرت للاعتراف باستحقاقات التسوية لأن الوضع الاقتصادي لم يعد محتملا والشعب يضغط علي الحكومة لتقديم تنازلات الخ. مقابل هذا السيناريو هناك سيناريو أكثر احتمالا نتلمس ملامحه أيضا من تصريحات متعددة لقادة حماس بالداخل والخارج، وهو الرفض المطلق للاعتراف باسرائيل أو بالاتفاقات الموقعة. فاذا كانت حماس لا تريد السلام والتسوية ضمن الاتفاقات الموقعة وفي نفس الوقت لا تريد الدخول في مواجهة مسلحة مع اسرائيل وقد ثبت أنها أكثر التنظيمات التزاما بالتهدئة.. اذن ماذا تريد حركة حماس؟ما نرجحه هو أن دخول حركة حماس للانتخابات كان بهدف اسقاط صفة الارهاب التي ألصقت بها وتثبيت قيادتها للشعب الفلسطيني كبديل عن منظمة التحرير وقيادة الشعب في ظل حالة من اللاحرب واللاسلم، هذه الحالة هي أيضا الوضع المناسب لاسرائيل والولايات المتحدة كما ذكرنا، وعلي هذا الأساس فإن اسرائيل والولايات المتحدة غير منزعجتين لوجود حركة حماس علي رأس الحكومة بل يمكن القول بأنهما غير متعجلتين ولا راغبتين بان تعترف الحكومة الفلسطينية التي تترأسها حماس باسرائيل وبالاتفاقات الموقعة، وهذا يعني أنهما لن تعملا علي اسقاط الحكومة الفلسطينية بل من مصلحتهما اطالة عمرها ولكن في ظل استمرار حالة الحصار والتجويع لتبقي حكومة تمنح المبرر لاسرائيل للزعم بعدم وجود شريك فلسطيني مما يمكنها ـ اسرائيل ـ من الاستمرار بتنفيذ سياستها للفصل الأحادي الجانب، أيضا ليبقي الشعب الفلسطيني مشغولا بهمه الغذائي وبمشاكله اليومية في الصراع حول السلطة والتراشق بالتهم، أيضا لأنه كما ذكرنا اسرائيل والولايات المتحدة ودول الجوار تريد الحفاظ علي مشروع السلطة، والسلطة تحتاج لحكومة، وحكومة تترأسها حركة حماس يضفي مزيدا من الشرعية علي السلطة ما دامت هذه السلطة تحت الضبط. اذن هناك مصلحة مشتركة بين طرفين هما في الجوهر أعداء ولكن تجمعهما مصلحة مشتركة في استمرار حالة من اللاحرب واللاسلم وكلاهما يراهن علي المستقبل، اسرائيل تعتقد بأن المستقبل لصالحها، حيث ستستمر بسياستها التوسعية بذريعة غياب الأمن ووجود طرف فلسطيني يرفض السلام والتسوية، أيضا تراهن بان استمرار الحصار وعدم الحل السياسي سيجعل مناطق السلطة مناطق طاردة للفلسطينيين وللكفاءات بدلا من أن تكون مناطق جذب وعودة، أيضا حالة اللاسلم واللاحرب هي الحالة التي تتوافق مع الاستراتيجية الأمريكية، استراتيجية ادارة الأزمات وليس حلها لأنه لو حُلت كل مشاكل المنطقة العربية لتفرغت الشعوب العربية للبناء والتعمير وهذا ما لا ترغب به أمريكا والغرب، وحالة اللاحرب واللاسلم حالة مواتية لحركة حماس التي تدرك بأن اعترافها باسرائيل سيجعلها مساوية لغيرها من القوي السياسية التي كانت تنتقدها بل تشكك بوطنيتها، والاعتراف باسرائيل سيسقط عنها الهالة الدينية التي تميزها عن غيرها، أيضا تعتقد حركة حماس بان المستقبل لصالحها مراهنة علي نهضة اسلامية آتية لا محالة في نظرها وان هناك وعدا الهيا بنصرة المرابطين في أرض الرباط، وأن المشروع الصهيوني مشروع غير قابل للحياة الخ. ولأن حركة حماس لا تريد حلا سلميا مع اسرائيل ولا تريد الدخول بالمواجهة معها، لأنها تدرك بان اسرائيل أيضا لا تريد سلاما حقيقيا، وحركة حماس أدركت وبعد التجربة بان نهجها الجهادي لا يمكنه أن يدمر دولة اسرائيل ..لكل ذلك فان حركة حماس دخلت الانتخابات لتكتسب شرعية شعبية انتخابية تمسك من خلالها الحكم الي أن يتوفر أمر من اثنين: اما شروط السلام الحقيقي وهو في نظرها انسحاب اسرائيل من الصفة والقطاع والقدس كعاصمة لدولة فلسطينية مع عودة اللاجئين الي ديارهم، واما شرط النصر عندما تضعف القوة الاسرائيلية وتتوحد الأمة الاسلامية، وحيث أن كلا الاحتمالين بعيدا التحقق فان حركة حماس ستبقي علي رأس الحكومة الي حين تحقق أحد الاحتمالين، وهنا نفهم قول قادة حماس بان الحكومة ستبقي الي حين تحقيق النصر علي الأعداء. من الآن والي تحقيق النصر فإن الشغل الشاغل لحركة حماس سيكون كيفية الحفاظ علي وجودها كحكومة للشعب الفلسطيني وستعمل علي الحاق كل مؤسسات السلطة بها، وحتي تحافظ علي وجودها فستمارس نوعا من البراغماتية والغموض في الخطاب والممارسة دون أن يصل الأمر لكسر حالة اللاحرب واللاسلم، وهي في ذلك لن تجد كثير ممانعة من دول الجوار ومن الولايات المتحدة الأمريكية ومن الأوروبيين وحتي من اسرائيل، هذه الأطراف ستسمح بوصول الدعم الاقتصادي والمالي للفلسطينيين ليس حبا بحماس وبالشعب الفلسطيني ولكن حفاظا علي وجود السلطة أملا بفتنة فلسطينية داخلية ولأن وجود السلطة يبعد عن اسرائيل صفة دولة احتلال ويعفيها من تبعات ومسؤوليات دولة الاحتلال.رابعا: هل سياسة اللاحرب واللاسلم تخدم المصلحة الوطنية؟اذا كانت الحكومة الفلسطينية غير قادرة علي خوض حرب مضمونة النتائج، واذا كانت اسرائيل غير معنية بسلام عادل في اطار الشرعية الدولية، فهل حالة اللاحرب واللاسلم بما تتضمنه من مراهنة علي المستقبل تخدم قضيتنا الوطنية؟حالة كهذه تحقق مصلحة لطرفيها في حالة توازن القوي راهنا وضمان المتغيرات مستقبلا، هذا مثلا ما كان عليه الحال بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الغربي خلال الحرب الباردة (مع وجود حروب بالوكالة)، ولكن في حالة الصراع في فلسطين فموازين القوي راجحة بدرجة كبيرة لصالح اسرائيل، وحيث أن الحاضر هو ماضي المستقبل، فإن حاضر الحالة العربية والاسلامية والدولية لا يبشر بان المستقبل القريب سيتشكل حسب ما نريد ونشتهي. نؤمن ولا شك بعدالة قضيتنا وبالقضاء والقدر وبان الله علي كل شيء قدير وبارادة الأمة الخ، ولكننا نؤمن بان السياسة هي صراع بين موازين قوي مادية وملموسة، فحتي الأنبياء والرسل هزموا في معارك عندما لم يعدوا للحرب عدتها، وبالتالي المراهنة علي المستقبل في ظل حالة اللاحرب واللاسلم هي مغامرة غير مضمونة النتائج. اذن ما العمل؟كسر هكذا حالة يكون اما بهجوم السلام أو بهجوم الحرب وفي كلا الحالتين فإن الأمر يحتاج لوحدة الموقف والاستراتيجية علي الساحة الفلسطينية اما استراتيجية حرب أو استراتيجية سلام؟ فمثلا حالة اللاحرب واللاسلم التي سادت بين العرب والاسرائيليين ما بين 48 و67 كانت نتائجها وبالا علي العرب لأنهم لم يوظفوا هذه الحالة لامتلاك لا استراتيجية حرب ولا استراتيجية سلام، فيما وظفت اسرائيل هذه المرحلة لتقوم بحرب حزيران (يونيو)، ووظفها السادات لاحقا ليقوم بهجوم مزدوج كسر فيه حالة اللاحرب بالحرب (حرب أكتوبر) وكسر حالة اللاسلام بهجوم سلام (زيارة اسرائيل واتفاقية كامب ديفيد). بالتأكيد فان ما قام به الرئيس المصري أنور السادات كسر حالة اللاحرب واللاسلم علي مستوي العلاقة بين مصر واسرائيل مع أنه دفع حياته ثمنا لذلك، فيما استمرت الحالة الي اليوم علي مستوي الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، أما علي مستوي الصراع العربي ـ الاسرائيلي فلم تعد اسرائيل تشعر بوجود صراع علي هذا المستوي ودوليا تم تغييب الصراع في اطار صراع مصطنع يسمي بالصراع الحضاري أو بالحرب الصليبية. وحتي لا تؤول حالة اللاحرب واللاسلم علي ساحة الصراع في فلسطين الي كارثة وطنية، فإن المطلوب اليوم وبالحاح انجاح الحوار الوطني من أجل التوصل لاستراتيجية عمل وطني تخرج الحكومة الفلسطينية من حالة الانتظار والمراهنة علي قادم غير محدد المعالم، فالبشر يصنعون تاريخهم ومستقبلهم، والانتظار دون استراتيجية عمل معناه انتظار من يصنع لنا تاريخنا ومن يحدد لنا مستقبلنا. استراتيجية العمل الوطني لا يبنيها حزب واحد حتي وان كان الحزب الحاكم، بل يبنيها تحالف وطني يؤسس علي مبدأ الالتقاء وسط الطريق لمواصلة مشوار انجاز المشروع الوطني، وسواء توافقنا علي كسر حالة اللاحرب بالحرب أو كسر حالة اللاسلام بالسلام، فإن الأمر يحتاج لوحدة الموقف، الوحدة الوطنية أمر يمكن تحقيقه بأيدينا وبارادتنا، وحتي لو فرضت علينا حالة اللاحرب واللاسلم فالوحدة الوطنية هي ضمان الحد من النتائج السلبية لهذه الحالة، ان لم ينجح الحوار الوطني في الأسبوع القادم في التوصل لقيادة واستراتيجية عمل وطني أو علي الأقل آلية متفق عليها للتوصل لهذه الاستراتيجية فان القوي السياسية المدججة بالسلاح والمعبأة بثقافة العنف ستنشغل ببعضها البعض مما قد يؤدي لحالة شبيهة بالحرب الأهلية، وللأسف بعض مؤشرات هذه الحرب لمسناها خلال الأيام الأخيرة. ہ جامعة الازهر ـ غزة8