عزت القمحاوي
القصص الأكثر رواجاً في مصر هذه الأيام تتعلق بثلاثة من الشباب رشحتهم الشائعات والصحف الخاصة والفضائيات للتغطية علي ثورة العطش وإضرابات العمال احتجاجاً علي النهب الذي تمارسه المافيات وتبديد الممتلكات العامة في صفقات الخصخصة المشبوهة وشائعات صحة الرئيس: الشباب الثلاثة هم: محمد حجازي المتنصر الذي صار بيشوي، وزينب سليمان التي صارت كريستين وتزوجته، وثالثتهما أمل زكي المختفية حتي كتابة هذه السطور، والتي لن تكون بحاجة إلي تغيير الاسم عندما تظهر وتستقر علي دين لأن اسمها يصلح علي الضفتين. نقص الإسلام اثنين ومن المحتمل أن تنقص المسيحية واحدة ـ إن ثبت إسلام أمل ـ وهي خسارة لاتذكر بالنسبة للعدد الأصلي لأبناء الديانتين، ومن المحتمل ألا يستفيد الدين المنافس أو يكسب تابعاً جديداً إذا ما تعرض هؤلاء لانتقام المتشددين في الجانبين! لكن يبقي أن قصص الشباب الثلاثة وما ينشر حولها يكفي لحرث أرض الفتنة وبذرها انتظاراً للحظة الحصاد المر. وكما يعرف الركاب أن سفينتهم موشكة علي الغرق من حركة هروب الفئران، يدرك المصريون أن التهاب الملف الطائفي لايكون إلا في أزمان النهايات، لكن النظام الموجود حالياً طور آليات الرخاوة التي تسمح بامتصاص الصدمات، وتجعله يعطي المراقب انطباعاً بأن لديه كالقطط سبعة أرواح، كلما ظهر أمل الخلاص نبتت له روح جديدة. ينجو النظام من كل محنة وتوالي الأرواح السبعة الحلول في جسده، لكنها أرواح مجهدة، أو مستهلكة في حماية الذات ولايعنيها من أمر المجتمع شيء. ولهذا تتكرر أحداث الفتنة بتواتر مزعج لم يعد قاصراً علي مناطق الفقر والحر في قري الصعيد والأحياء الشعبية بالعاصمة، بل وصل في يناير الماضي إلي الإسكندرية، المدينة القائمة علي التعدد والاختلاف، وآخر مكان يمكن أن تذهب إليه الفتنة! الجديد أن المطروح علي المجتمع الآن ليس مسرحية كنسية تسخر من الإسلام، وليس شوية مية مش ولابد نزلت من غسيل مواطن علي غسيل مواطن آخر أو نزاع بين مشروع إنشاء مسجد ومشروع كنيسة علي قطعة أرض واحدة (السبب الأكثر تكراراً في الأزمات الطائفية). المطروح حروب اختطاف الأتباع تبشيراً ودعوة، بما يجعل من مصر ساحة مفتوحة لحرب طائفية دخلتها أدوات جديدة هي الفضائيات والمنافسة الصحافية فــــي سوق مفــــتوحة، وبالتأكيد الانترنت الذي دخــــل الخدمة ابتــــداء من فتنة قرية الكشح.
انفرد محمد بساحة الإعلام نحو شهرين، بحثاً في أسباب تنصيره، وشرعية الارتداد عن الإسلام، وشرعية حد الردة، وما إلي ذلك من محاولات استعادة المسلم الفار عبر الصحف والفضائيات والإنترنت، وليس انتهاء باتهامات أسرة الفتي لمحام قبطي باستغلال فقره ودفعه إلي المسيحية. ثم ظهرت زينب التي روت كيف تكررت رؤيا المسيح في مناماتها، بكيفية واحدة: رجل يحمل صليباً ثقيلاً وعلي رأسه إكليل الشوك، وكلما همت بمساعدته تشعر بأنها مقيدة فتقول له: مش قادرة أساعدك إلي أن نطق ذات حلم وقال لها: لأ ها تقدري فلجأت إلي زميلتها المسيحية في المدرسة وسألتها عن تعاليم الدين فأحبته وتنصرت وتسمت كريستين وهربت فيما بعد وتزوجت باسم زينب من محمد علي الطريقة الإسلامية، حيث لايمكن أن يتشاركا الحياة كمسيحي ومسيحية، وكان البديل اعتبارهما مترافقين من دون رباط شرعي. أما أمل (الهدف الذي سجله الإسلام في مرمي المسيحية) فلم تظهر لتروي قصة إسلامها، لكن تصريحات أسرتها تقول إن أباها حذرها من مصاحبة المسلمات والمنقبات منهن خاصة، وإنه سبق أن احتجز بطاقتها الشخصية خوفاً من إسلامها، كما عجّل بزفافها إلي خطيبها السائق المسيحي، لكن شيئاً من هذه الإجراءات الاحترازية لم ينفع. قصص الشباب الثلاثة تخرج من الفضائيات والصحف والإنترنت لتتدحرج في أوساط لاتتعرض لأي من الوسائط الثلاثة، فتكبر ككرة ثلج، وتحرق مثل كرة النار. حكايات أسطورية يرويها العطاشي المسلمون الذين لايجدون قوت يومهم عن مؤامرات التنصير، ومثلهم يفعل فقراء المسيحيين بالحديث عن أموال الدعوة. ولا يمكن لأحد أن يتنبأ بحدود أو نهاية سعيدة لهذه الفتنة، طالما اتجه المصريون إلي الخيار الأسهل والأخطر باتخاذ أديانهم أوطاناً، بدلاً من التكاتف لاسترداد وطنهم الأصلي المتشبعة أرضه بدماء شهدائه مسلمين وأقباطاً. الأغلبية المنسية تتخانق مثل مصارين البطن، علي الرغم من كل روابط التاريخ واللغة والهواء الملوث والغذاء المسرطن والماء الفاسد ـ إن وجد ـ وما تبقي من الأرض مما لم يسيج بالأسوار العالية، لتستقل به النخبة المتحكمة بقوة المال والأمن وطناً مرتاحاً في حالة عطلة دائمة. يتربص أبناء ما كان وطناً واحداً لبعضهم البعض علي الرغم من اشتراكهم في الإيمان بالله، بينما يتعامون أو يتسامحون مع الأقلية التي لايمكن أن يرضي عنها عيسي أو محمد. ولايعنيها مصير أي زينب أو كريستين. وليس هناك من وسيلة لإقناع الخائفين علي دينهم بأن الخطر ليس في قسمة: مسلم وقبطي، بل في قسمة الأغلبية المنسية والمتروكة للتباغض المجاني بلا مدارس أو مستشفيات أو فرصة عمل أو شربة ماء، والأقلية الفاسدة مسلمين وأقباطاً من تحالفات السلطة ورأس المال المحروسة في مواكبها، المحروسة في منتجعاتها، التي تحرز الصفر تلو الصفر، تبدد الممتلكات العامة وتنهب كأنها تموت غداً، وتتفرج علي النار إذ تحرق المتباغين بلا سبب.