حروب لم يعد لها من معني الا توليد الكراهية وعدم الاستقرار
د. بشير موسي نافعحروب لم يعد لها من معني الا توليد الكراهية وعدم الاستقرارمنذ هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 والعالم يعيش حالة حرب دائمة. الادارة الامريكية، وحلفاء لها بين الدول الأوروبية والعربية والاسلامية، أطلقت عليها اسم الحرب علي الارهاب. ثمة شكوك واسعة بالطبع تحيط بمصداقية هذا التوصيف، ولكن حتي لو قبل العالم أنها بالفعل حرب محددة بهدف القضاء علي الارهاب العالمي، فمن الواضح أن هذه الحرب تناسخت الي عدد من الحروب. حرب في أفغانستان، حرب في العراق، حرب علي القاعدة وملحقاتها في عدد كبير من دول العالم، حرب علي الفلسطينيين، شعباً وقوي سياسية، وربما حرب وشيكة علي ايران. في أغلب هذه الحروب، تواجه قوات أجنبية، أمريكية وأوروبية، شعوباً ذات تقاليد وقيم ولغة مختلفة، ولا يبدو ان لهذه الحروب من نهاية. النتيجة الوحيدة المتوقعة لهذه الحروب هي تعميق الكراهية بين الأمم، وبالذات كراهية شعوب عربية واسلامية للولايات المتحدة، واطالة أمد الموت والدمار وعدم الاستقرار.لم يكن من المتصور، ولا حتي من دولة من الدرجة الثالثة، أن تترك هجمات مثل تلك التي تعرضت لها واشنطن ونيويورك بدون رد. ولكن الجهة المسؤولة عن ارتكاب الهجمات لم تكن دولة ولا أمة، وفي ضوء الدوافع التي استخدمت لتسويغ تلك الهجمات، كان المفترض ان ترد الولايات المتحدة بعملية أمنية واسعة لملاحقة المسؤولين عن الهجمات، وبسياسة ذكية لعزلهم عن الشعوب العربية والاسلامية. لم يكن مثل هذا الرد معقولاً وحسب، بل وفعالاً أيضاً، فقد شهد العالم عشية الهجمات حالة تعاطف واسعة النطاق مع الولايات المتحدة، في الدول الغربية وبين العرب والمسلمين، كما سارعت الشريحة الأكبر من الزعماء والمفكرين وقادة الرأي الاسلامي الي ادانة الهجمات ومرتكبيها أياً كانوا. ولكن الولايات المتحدة لم تتبن الخيار المعقول والفعال، بل تبنت الخيار الامبراطوري. ما عاشه العالم منذ خريف 2001، لم يكن أقل من عاصفة امبراطورية من الجند والقذائف والأساطيل، تضرب يميناً وشمالاً ضد كل من تجرأ، أو يظن أنه سيتجرأ، علي الخروج عن الطاعة. من يشكك في النوايا الامريكية يقول ان الحرب علي الارهاب ليست أكثر من انشاء سياسي لاضفاء الشرعية علي أهداف من نوع آخر، أهداف مثل السيطرة علي مصادر الطاقة في حقبة بات النفط فيها أحد المحددات الرئيسية للقوة، مثل التحكم في مناطق ذات أهمية استراتيجية لحصار قوي منافسة محتملة كالصين وروسيا، ومثل تأمين التفوق الاسرائيلي الاقليمي. ولكن مهما كانت الحقيقة فقد جاء الوقت لادراك حجم الفشل الذي تواجهه هذه الحرب، وفداحة العواقب التي تهدد بتركها علي العلاقات الدولية وعلي الاستقرار في المجال والعربي ـ الاسلامي والسلم في العالم بأسره.كان الهجوم الامريكي العسكري علي أفغانستان أولي حلقات هذه الحرب، بهدف اسقاط حكومة طالبان. لم تكن لطالبان علاقة ما بالهجمات علي واشنطن ونيويورك، بل ان قنوات دبلوماسية واقتصادية كانت تنسج بين طالبان والادارة الامريكية لاستكشاف امكانية مد خطوط أنابيب نفط وغاز من وسط آسيا عبر الأراضي الأفغانية. ولم يكن لدي طالبان عداء خاص تجاه الولايات المتحدة، التي ساهمت مساهمة بارزة في هزيمة الاحتلال السوفييتي لأفغانستان. كما ان حكومة طالبان، التي سيطرت علي أكثر من تسعين بالمئة من أراضي البلاد وحررتها من أمراء الحرب ومن زراعة المخدرات، كانت في طريقها لاجراء متغيرات هامة علي السياسة المتخلفة التي أدارت بها شؤون الشعب الأفغاني. الجريمة التي وجهت لطالبان كانت حماية قادة القاعدة وتوفير ملاذ آمن لتدريب عناصرها ومخططاتها. وهذه بلاشك كانت الحقيقة، ولكن مهما كان التعامل مع حكومة طالبان صعباً، فانه لم يكن مستحيلاً، وكان من الممكن بشيء من الصبر والضغط ان يفك الارتباط بين طالبان والقاعدة. بدلاً من ذلك، تصرفت الادارة الامريكية علي أساس ان حكومة طالبان ليست أكثر من مجموعة خارجة عن القانون، لا جذور ولا اعتبار لها وسط الشعب الأفغاني. ولتوكيد هذه الرؤية، تسابقت محطات التلفزة العالمية، ما ان سقطت حكومة طالبان في كابول، علي اظهار مشاهد شبان أفغان يسارعون الي حلق لحاهم، تحرراً من القيود الطالبانية. طالبان بالطبع لم تكن ظاهرة منبتة، وقد مثلت حالة التقاء فريدة بين تقاليد وقيم اسلامية ومحلية من ناحية، والعصبية البشتونية من ناحية أخري. وكان من الواضح ان اسقاط طالبان سيدخل أفغانستان في حلقة جديدة من العنف الطويل والمنهك، بغض النظر عن وجود القاعدة أو عدم وجودها. وهذا ما حدث بالفعل، لاسيما ان الادارة الامريكية وحلفاءها الأفغان لم يبذلوا جهداً يذكر لاحتواء طالبان وأنصارها، بل تصرفوا كمنتصرين منتقمين، وسرعان ما أعادوا تقسيم البلاد بين أمراء الحرب، الذين يصعب تبرئة أكثرهم من جرائم اللصوصية والاختلاس وتهريب المخدرات والقتل. عاد قادة طالبان الي مناطقهم الاصلية، احتموا بالناس والجبال، أعادوا تنظيم صفوفهم، وشيئاً فشيئاً، وفرت لهم أخطاء المحتلين وغربتهم عن تقاليد البلاد، وجرائم الحكام الجدد، والنزعة الأفغانية الرافضة للسيطرة الأجنبية، المناخ الملائم للصعود المسلح والسيطرة علي مناطق واسعة من البلاد.الأمر في حلقة الحرب الثانية أكثر بساطة، فغزو العراق لم يكن له من مبرر ولا مسوغ، لا علي صعيد الحرب علي الارهاب ولا علي صعيد القانون الدولي. كان غزو العراق تجلياً واضحاً ليس للنزعة الامبراطورية وحسب، بل وللغرور الامبراطوري أيضاً. أريد بغزو واحد من أكبر بلاد العرب والمسلمين وأكثرها ارتباطاً بتاريخهم فرض احساس غير قابل للشك بالهزيمة في كل المجال العربي ـ الاسلامي. وساهم الغرور الامبراطوري في تأسيس قناعة بأن العراقيين سيرحبون بالغزاة ويمطرونهم بالزهور. والي جانب تصور العراق قاعدة لتغيير خارطة المنطقة الثقافية والسياسية، وضع بالتفاهم مع حفنة من الحلفاء العراقيين مشروع لمحو الدولة العراقية واعادة بنائها من جديد، ولاعادة رسم جغرافية العراق علي أسس عرقية وطائفية. ولكن عراق ما بعد الاحتلال كذب كل توقع وتخطيط. بدلاً من الترحيب بالاحتلال الأجنبي، انفجر العراق، منطقة بعد الأخري ضد الاحتلال، وسرعان ما تحولت شوارع مدنه الي ساحة للموت المدبر والعشوائي علي السواء. البلد الذي خطط له ان يكون نموذجاً يحتذي، تجزأ الي مناطق صراع بين القوي السياسية الحليفة للاحتلال، الصراع علي النفوذ والثروة وحصص النفط المهرب. أما مفاتيح جنة الديمقراطية التي وعد بها العراقيون فقد سلمت لحفنة من السياسيين البؤساء الذين لا يعرفون من العراق الا البقعة الصغيرة المحصنة المعروفة بالمنطقة الخضراء، والذين تسكنهم أوهام الحكم والسيطرة لا هموم خدمة الشعب وازدهاره. وما بين سياسة قهر السنة وهزيمتهم، الي محاولة استرضائهم واستيعابهم في جسم الحكم والدولة الجديدة، تشظي العراق الي طوائف واثنيات ومصالح وولاءات حزبية وقبلية وسياسية ودينية، ولم يعد لجسم الدولة والحكم من وجود ملموس. في عراق الاحتلال، ليس ثمة من يعرف من هو المسؤول فعلاً عن هذا العراق الجديد.ولم تقتصر الحرب علي أفغانستان والعراق، فبالرغم من ان لا الولايات المتحدة ولا أي من الدول الغربية تعتبر طرفاً فعلياً في الصراع الدائرة علي فلسطين، فليس من الممكن اخراج العامل الامريكي من هذا الصراع. علي مدي السنوات الخمس الماضية، لم تعد للولايات المتحدة سياسة تجاه المسألة الفلسطينية سوي السياسة الاسرائيلية نفسها، وقد تمتعت حكومة أرييل شارون بكل دعم أمريكي ممكن لايقاع أكبر الاذي بالفلسطينيين وهزيمتهم وتركيعهم. وبينما سلمت مقاليد الأمور في كابول وبغداد لقوي مسلحة حليفة للولايات المتحدة، وضعت قوي المقاومة الفلسطينية، التي لم تمارس سوي حقها في مقاومة الاحتلال، علي قوائم الارهاب. حتي الديمقراطية الفلسطينية لا سبيل لقبولها. فبعد الحاح أمريكي كبير علي عقد الانتخابات، دفعت الادارة الامريكية باتجاه فرض حصار دولي محكم علي الحكومة الفلسطينية الجديدة، لا يستهدف وزراء حماس وحسب، بل يستهدف كل الفلسطينيين في الضفة والقطاع. في كل من هذه المناطق لا يمكن القول ان الولايات المتحدة وسياساتها قد حققت انتصاراً ملموساً. ولكن الادارة الامريكية لا تتحدث الا بلغة الانتصار، بالرغم من ان أحداً لا يتوقع انتصاراً قريباً، لا في أفغانستان ولا في العراق، ولا في فلسطين. وفي المقابل، لا يبدو ان بامكان طالبان أو قوي المقاومة العراقية انزال هزيمة قاطعة بالوجود العسكري الامريكي. الولايات المتحدة هي دولة عظمي، تتمتع بامكانيات بشرية ومادية لم تتوفر من قبل لقوة واحدة علي المسرح الدولي، وباستطاعتها، ان أرادت، مواصلة طريق الحرب لسنوات عديدة قادمة. ولكن النتائج لن تكون في صالح السياسة الامريكية، ولن تؤدي الي المحافظة علي النفوذ والمصالح الامريكية. المشكلة الرئيسية التي ينبغي علي الادارة الامريكية ملاحظتها ان الحرب في هذه المناطق الثلاث، وفي ايران ان تعرضت هي الأخري للهجوم الامريكي، لم تعد حرباً ضد أنظمة أو قوي سياسية مسلحة، هذه حرب ضد الشعوب، أو قطاعات كبيرة منها. وليس ثمة حرب ضد الشعب استطاع المحتل تحقيق الانتصار فيها. انتصارات المحتلين الأجانب علي الشعوب انتهت منذ زمن بعيد. وان لم تستطع مقاومة الشعوب المحتلة ايقاع الهزيمة بقوي عسكرية كبري، فان عواقب الصراع سرعان ما تؤدي الي انسحاب المحتلين. حروب الاحتلال هي دائماً حروب باهظة التكاليف، بشرياً ومادياً وسياسيا وأخلاقياً. في الحروب الحديثة، لا يستطيع طرف، بلغ ما بلغ من القدرة التقنية، تجنب ايقاع خسائر في أوساط غير المحاربين، أو بالمنشآت المدنية. أما في حروب الاحتلال القاسية، فان هذه الخسائر تصبح أوسع نطاقاً واطول مدي. اضافة الي ذلك، فان خسائر المحتل نفسه سرعان ما تولد توجهاً يصعب كبحه للانتقام، مما يضاعف من التكلفة الأخلاقية للحرب. من أبو غريب الي باكتيا، ومن شاطئ غزة الي الاسحاقي وحديثة، ثمة أدلة متزايدة علي قذارة هذه الحرب وعلي ما تعنيه من موت وفقدان وتحلل أخلاقي للمحتل ولمن هم تحت الاحتلال. هذه حرب ليس لها من نهاية مشرفة ولا مؤكدة، ما هو مؤكد ان الهوة الفاصلة بين شعوب المنطقة والولايات المتحدة تزداد اتساعاً، وأن كراهية هذه الشعوب للسياسة الأمريكية بلغت مستويات لم تعرف ولم تسجل من قبل. وان كان للولايات المتحدة من مصالح في هذه المنطقة من العالم، مصالح استراتيجية واقتصادية، فلم يعد من الممكن التنبؤ بمستقبل هذه المصالح، ليس بسبب نشاطات القاعدة، التي هي نشاطات هامشية علي أية حال، بل بسبب هوة الكراهية المتسعة بين الشعوب العربية والاسلامية والسياسة الامريكية. ليس هذا وحسب، بل ان المنطقة، وربما العالم ككل، يتحرك سريعاً نحو وضع من التدافع والتنافس بين قواه الرئيسية لم يكن من الممكن توقعه في مطلع التسعينات، عندما وضعت الحرب الباردة أوزارها. فروسيا وصين اليوم أكثر توكيداً علي مصالحهما الاستراتيجية مما كانا قبل عقد من الزمان، وأكثر قدرة علي الدفاع عن هذه المصالح مما كانتا من قبل. ولا يجب ان يكون هناك من شك في ان التورط الامريكي والغربي المتزايد في حروب تمس حياة ومستقبل واستقرار الملايين من العرب والمسلمين سيفتح مجالاً واسعاً للتنافس والتأثير علي المصالح الامريكية والغربية في المنطقة. 9