ابراهيم الحجري
عرفت الشعرية العربية في المغرب تحولاً كبيراً خلال العقدين الأخيرين، ليس على مستوى القوالب أو المضامين فحسب، بل أيضا على مستوى حضور حساسيات جديدة أسس لها الدخول القوي للمرأة بوصفها طرفا شريكا في بلورة صورة العالم في المتخيل الجمعي، وأي إقصاء أو غياب لهاته الحساسية الفريدة يكون له انعكاس سلبي على اتساق التصور ككل.
لم تتميز كتابة المرأة المغربية الشعرية بنسقيتها الخطابية وانسجام دوالها بنيويا فحسب، بل اتصفت كذلك قياساً إلى نظيرتها بالمشرق وباقي البلدان العربية، بالجرأة على القول، تلك التي تجاوزت أحيانا حدود ما وصل إليه الشاعر الرجل، مؤكدة بذلك، أن لصوت المرأة على مستوى البوح والخطاب ما يبرره من اختلاف ومغايرة وخصوصية، وهي عناصر تحسم قضية عجز الذكر عن التعبير عن أسئلة المرأة مهما كان حذقه التخييلي، واقترابه من عالمها السري الذي يتأبى على الإمساك والقبض نظراً لطبيعة الجنس الأنثوي الميال إلى التكتم والخجل وصيانة العلبة السرية السوداء.
لكن كثيراً من المبدعات فتحن هذه العلبة على اللغة والعالم، وجعلنها كتاباً مفتوحاً بكل ما يتضمن من جراح منقوشة منذ ميلاد التاريخ، وبكل ما يتصف به من ميزات اختلافية تتيح الاقتراب من عالم المرأة وفهم خباياه الكامنة. في هذا السياق، تندرج تجربة الشاعرة المغربية مينة عزة الحميدي التي ولجت عالم القصيدة من بابها الواسع مسلحة بما تمتلكه ذاتها الخفيفة من مواهب فطرية في اقتناص اللحظة، وما تتمتع به من رومانسية معاصرة، وما تتشربه من تجارب شعرية راكمتها من خلال اطلاعها الواسع على التجارب الشعرية العالمية بلغات أخرى، مستفيدة، بذلك، من اشتغالها الدؤوب في حقل الترجمة. كل هذا جعل تجربتها، من خلال ديوانها الأول ‘حروف للتحايل على العدم’، متبلة بنكهات شعرية سرعان ما يتذوقها القارئ في إطار مقارنتها بما تعج به الساحة العربية من شواعر اكتسحن الساحة بفضل يسر النشر على شبكة الإنترنت وغياب الرقابة النقدية والأدبية.
وإذا كانت أغلب التجارب الشعرية النسائية تشترك في ثيمة البوح والشكوى والأنين بما يجعلها تجربة ذاتية تخص الشاعرة وحدها وقليلا ما تنخرط في أسئلة المجموعة البشرية التي تنتمي إليها، فإن الشاعرة مينة الحميدي انطلقت من الذات كمركز للمعاناة ومحور للكون تنبثق عنه الرؤية والرؤيا، لتسافر في عالم اللغة والمتخيل وأسئلة المرأة في كونيتها الأنطولوجية والأنثروبولوجية. وإذا كانت جل التجارب الشعرية النسائية في المغرب وغيره تراهن على ثيمة انتهاك التابو وتحرير الرغبات وتعرية المستور من الجسد وثقافته، فإن مينة الحميدي جعلت الجسد يعبر عن تجربته من داخل الستر، أي أنه، في إطار احتجابه المبطن ومعانقته للقيم الأخلاقية والعرفية الرصينة، لم يصل به مستوى الهيجان إلى درجة تكسير الجرة ورمي ما فيها، بمعنى أن التجربة تدعو الجسد الأنثوي إلى الصراخ في وجه العالم المزيف دون أن يكون ذلك على حساب ابتذاله وإسفافه وكرامته.
لقد تسلحت هذه التجربة، من جملة ما تسلحت به، بلغة شعرية يترقرق ماؤها، ويتدفق حسنا وبلاغة. إنها لغة تتأبى على الابتذال النثري الذي سقطت فيه القصيدة الجديدة التي راهنت على بساطة اليومي وثارت على لغة المجاز والإيحاء، لغة تتعالى عن يوميها لتومئ إشاريا إلى حقول سيميائية تشتغل في تناسق لتصنع معجما شعريا خاصا بها داخل النص، في مراعاة تامة لمستوى التركيب والاستبدال والتوالد والاشتقاق والترادف وغيرها من العمليات التحويلية التي ترتقي بالقول الشعري، وتسمو به عن لغة الكلام العادي الذي يمكن أن يقوله أي كان.
وإذا ما سعينا إلى رصد الدلالات التي تتمظهر نصيا عبر تفاعل المعجم الشعري، وعبر تداخل أنساق التراكيب المجازية وانفتاحها على المقروء والملاحظ والمعاش انفعاليا ووجدانيا، نجد المقولات التالية: البوح بما تجيش به الخواطر من مشاعر وانفعالات تصب كلها في دائرة الشكوى والأنين والعتاب والحنين بوصف الذات موضوع قهر وظلم وإقصاء.
مركزية المرأة باعتبارها محور العالم، وسيدته بامتياز لكونها الأم والأخت والمربية والحاضنة والحبيبة والعشيقة في آن واحد، مما يجعلها المرجع الأساسي الذي لا محيد للرجل من العودة إليه بشكل مستمر ودائم، ولا وجود له إطلاقا في غياب هذا الكائن. تسجيل البروفايل الشخصي للشاعرة عن طريق ورود بعض اللحظات السيرية من قبيل فاجعة رحيل الأب وما خلفه الحدث من آثار نفسية على الشاعرة، ثم رثاء مدينة الخميسات، البلدة التي ولدت فيها الشاعرة وعاشت فيها أحلى ذكريات الطفولة البريئة، دون أن أنسى حضور بعض المؤشرات على الفترة التي عاشت فيها الشاعرة في فرنسا، وما أحدثته فيها أحاسيس البعد من غربة وحنين وما إلى ذلك مما يحتاج إلى وقفة خاصة تستند إلى التحليل النفسي للأثر الأدبي وما يستضمره في طياته من أبعاد سيكولوجية تنفلت عبر اللغة من عقال الوعي، راسمة بذلك شكل العناء السري وخارطة التحولات المقلقة التي عرفتها الذات عبر المراحل العمرية تبعا لما تشغله كل قصيدة على حدة من انفعالات الذات.
تتمتع شعرية القصيدة لدى مينة الحميدي، كما يبلورها ديوان ‘حروف للتحايل على العدم ‘، بقدرة عالية على المكاشفة الصوفية لعالم الذات واللغة في تفاعلهما عبر المتخيل والوجدان. وكلما ضاقت الدنيا بالإحساس وجد الشعر للذات مخرجا عبر الاستيهام والحلم والتماهي مع الخيال الذي يمنحه الشعر، فتركض الشاعرة مثل طفلة بريئة خلف رومانسية الانفعال هاربة من جحيم اللحظة عبر براق المتعاليات المجازية التي تلوذ بها الذات. ناقد من المغرب