ما يميز العقائد الدينية عن الحقائق العلمية أن الأولى تمثل الحقائق المطلقة في منظور معتنقيها؛ في حين أن الثانية تظل نسبية الطابع، خاضعة لمبدأ التحقق الذي يساهم في زيادة درجة قربها من المطلق أو ابتعادها عنه.
العقائد الدينية لا يمكن البرهان على حقيقتها أو بطلانها بالأدوات العلمية المعهودة المعروفة؛ فهي تخص دائرة الإيمان التي تقوم على الحقائق المطلقة المقدسة في منظور المؤمنين بها. ولما كان لكل دين، أو مذهب ديني، حقائقه المطلقة، فإن السبيل الوحيد الذي يسمح بالتعايش والحوار والتفاهم والتواصل بين أتباع مختلف الأديان والمذاهب هو الاحترام المتبادل لمقدسات كل دين أو مذهب التي تظل على الرغم من التعارض الظاهر في ما بينها وجوهاً مختلفة لنزوع إنساني مستمر يتطلع نحو المطلق في سموّه وخلوده ونقائه.
والدعوة إلى احترام مقدسات الأديان الأخرى لا تتضمن بطبيعة الحال المطالبة بالأخذ بها، كما لا تعني بطبيعة الحال دحضها، بل هي دعوة إلى احترام الآخر المختلف بغض النظر عن ماهية حقائقه الإيمانية المطلقة.
ولهذا فإن الدولة التي يتبع مواطنوها أدياناً أو مذاهب مختلفة، لا بد أن تلتزم الحياد الديني على صعيد تعاملها مع سائر مواطنيها، وتكون على مسافة واحدة من الجميع، تضمن حقوقهم، وتفرض عليهم من الواجبات ما يضمن استمرارية قدرتها على أداء مهامها ووظائفها لمصلحة الجميع.
مناسبة هذا الحديث، ما شهدته السويد في الأيام الأخيرة من أعمال شغب، تمثلت في الاعتداء على رجال الشرطة وإحراق سياراتهم في العديد من المدن السويدية، وذلك في نطاق ردود الأفعال العنيفة التي كانت للتعبير عن رفض عمليات إحراق نسخ من القرآن الكريم من قبل المتطرف اليميني الدانماركي- السويدي راسموس بالودان، وهو المتطرف الذي لم يتحمله حزب «ناي بور غيرليدج»، فخرج من بين صفوفه، وأسس حزبه الخاص: «الخط المتشدد» المعادي للمسلمين والأفارقة، ولغير الغربيين عموماً. وهو يلقب نفسه بألقاب عدة من بينها: «جندي الحرية» و«نور الدانماركيين». وقد أدت أفكاره المتطرفة جداً إلى ابتعاد أخته عنه، وكذلك فعل أخوه.
وقد أثار حصول راسموس على موافقات متعددة لإحراق نسخ من القرآن في عدد من المدن السويدية، وفي أماكن تتسم بوجود كثيف للمهاجرين المسلمين، الكثير من التساؤلات حول مدى قانونية تلك الموافقات التي سُوغت تحت بند ضرورة مراعاة مبدأ حرية التعبير، هذا في حين أن القانون السويدي ينص في الوقت ذاته على ضرورة عدم الإقدام على أي تصرف يسيء إلى مكون من المكونات المجتمعية، فطالما أن هذه الخطوة تسيئ إلى مشاعر المسلمين الملتزمين، فهذا أمر كان ينبغي ألا يكون، فهدف راسموس من استعراضاته هو إثارة الناس، والإساءة إلى معتقداتهم، مقابل الحصول على الشهرة.
لقد تعرضت السويد قبل مدة لحملات مركزة من جانب المتشددين الاسلامويين الذين روجوا لزعم مفاده أن هناك حملة رسمية تستهدف أبناء المسلمين الذين يؤخذون، بناء على تلك المزاعم، من أسرهم، ويسلمون إلى أسر أخرى، أو إلى مراكز رعاية، بقصد التأثير في أفكارهم ومعتقداتهم. وقد تعرضت تلك الحملات لانتقادات من قبل رجال دين وفاعلين ضمن الجالية الإسلامية السويدية نفسها، الذين بينوا أنها حملات تتناقض مع الوقائع. فالقوانين السويدية لا تسمح أبداً بالإساءة إلى الأطفال ضمن أسرهم، وهي تسمح للسلطات الحكومية المختصة بالتدخل لدى وجود ما يثبت سوء معاملة الأطفال، أو الاعتداء عليهم باي شكل من الأشكال، واتخاذ الخطوات المناسبة.
وفي المقابل، هناك بعض الحركات والتيارات العنصرية المتطرفة التي تعلن صراحة عن توجسها من الإسلام والمسلمين، وهي تستغل بصورة شعبوية واقع انتشار الجريمة وحوادث القتل التي تشهدها تجمعات المهاجرين، لا سيما من الذين قدموا من الشرق الأوسط وأفريقيا؛ وهي ظاهرة باتت تقلق المجتمع السويدي بأسره، وتقلق حتى المهاجرين من الجنسيات والأديان المختلفة، وهناك دعوات مستمرة لمعالجتها من خلال معالجة الأسباب والنتائج، وتشديد العقوبات، والاستفادة من التقينات الجديدة من قبل الشرطة بهدف معرفة الجناة، وتطبيق القوانين الرادعة على الجناة، حتى يدرك كل من تسول له نفسه أن يتوجه إلى عالم الجريمة، اعتقاداً منه، أو منهم، أنه يحقق الربح السريع من دون بذل الجهود المضنية. فمثل هذا التفكير المرضي السائد بين بعض المهاجرين بكل أسف، يؤثر بصورة خطيرة على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم؛ ويحرمهم من الامتيازات الكبيرة التي يوفرها نظام الرخاء السويدي للجميع من دون أي تمييز، شرط أن يلتزم المرء بقوانين البلد، ويركز على التعليم، ويبحث عن مجالات الكسب المشروع.
ولكن في جميع الأحوال، لا يسمح القانون السويدي بأي تسويغ للاعتداء على جهاز الشرطة المكلف بحماية المجتمع، وتطبيق القوانين على الجميع من دون أي تمييز.
ولهذا فإن ما حصل من اعتداء على رجال الشرطة وإحراق لسيارات الشرطة، قد أساء كثيراً إلى المحتجين، وتسبب في تخفيف التركيز على الحدث الأساسي الذي يتمثل في كيفية حصول راسموس الإشكالي الذي يواجه مشكلات قانونية وشخصية في مجتمعه الأم الدانمارك، على سلسلة من الموافقات الرسمية للقيام باستعراضاته غير المقبولة، تحت شعار: حرية التعبير. فقد أساءت تلك الموافقات والاستعراضات إلى مشاعر الآخرين، وتسببت في فوضى عارمة، كانت السويد بغنى عنها خاصة في ظروف وتبعات الحرب الروسية على أوكرانيا.
فقد كان بامكان راسموس كتابة آرائه حول الإسلام والمسلمين، ونشرها، وهو يفعل ذلك عبر قناته على يوتيوب وذلك أسوة بالدراسات النقدية الموجودة حول المسيحية واليهودية والأديان الأخرى. لتكون بعد ذلك موضوعاً للنقد من قبل الذين لا يشاركونه توجهاته واستنتاجاته.
ولكن أن يقوم باستعراض بائس، يقدم من خلاله على إحراق الكتاب المقدس لدى المسلمين، فهذا استهتار بالمشاعر، وتأجييج مقصود لردود الأفعال العنيفة التي كان من المفروض أن تكون الشرطة على دراية بأبعادها قبل منح الرخصة لراسموس، وهو الذي يواجه صعوبة أو استحالة الحصول عليها في الدانمارك.
لم يعد سراً أن التطرف اليميني العنصري في المجتمعات الغربية، وهو بالمناسبة محدود الأثر والشعبية، يستمد القوة والنسغ من التطرف الإسلاموي المتشدد، الذي هو الآخر محدود الأثر والشعبية. ولكن المشكلة أن لجوء الطرفين إلى إثارة المشاعر والهيجانات من خلال الإقدام على خطوات تصعيدية إشكالية عنيفة مبالغ فيها، يؤدي إلى تسميم الأجواء العامة، ويدفع بالمعتدلين من مختلف الاتجاهات إلى الحيرة والارتباك، وحتى إلى التعاطف مع هذا الطرف أو ذاك.
مشكلة ارتفاع نسبة جرائم القتل والإتجار بالمخدرات باتت منذ عدة سنوات مشكلة حقيقية ترهق كاهل المجتمع السويدي، وتستنزف الكثير من امكانيات وطاقات الدولة ومواردها. وهذا ما يستغله المتطرفون وأصحاب النزعات العنصرية، فيركزون في حملاتهم بصورة مباشرة وغير مباشرة على المسلمين؛ ويحذرون من تزايد أعدادهم، وإصرارهم على عدم احترام قوانين البلد.
الموضوع برمته يحتاج إلى معالجة جادة يتعاون الجميع لإنجازها، معالجة تبدأ من البيت والمدرسة، ومن خلال منظمات المجتمع المدني، والأحزاب، ويشارك فيها بناة الرأي العام ومراكز البحث؛ وكل ذلك بقيادة البرلمان والحكومة من خلال سن القوانين ووضع الخطط التي من شأنها الحد من الجريمة، وتعزيز الاندماج، وتوفير المزيد من فرص التعليم والعمل أمام الشباب في أوساط المهاجرين.
ولكن من الجانب الآخر، لا بد أن يلتزم المهاجرون، خاصة من القادمين حديثاً، باحترام قوانين البلد التي تضبط العلاقة بين الدولة والمواطنين، وبين المواطنين أنفسهم. وهي قوانين تحترم الخصوصيات، وتقر بالحقوق على مستوى الأفراد والجماعات، لا سيما حق التعبير عن الرأي الذي يعد حقاً مقدساً مكفولاً للجميع شرط ألا يستخدم في ميدان توجيه الحقد أو الكراهية نحو الآخرين على مستوى الأفراد والجماعات.
كما أن التفاعل الإيجابي مع الحياة السياسية في السويد يساعد هو الآخر على تحقيق الاندماج المتوازن الذي يجنب المجتمع الصدامات بأشكالها المختلفة، ويفتح الطريق أمام أبناء وبنات المهاجرين ليساهموا في بناء وتطوير المجتمع السويدي، وكل ذلك يساهم في تعزيز الأواصر البناءة بين مجتمعهم الجديد ومجتمعاتهم الأم.
الانتخابات البرلمانية السويدية ستكون في شهر أيلول/سبتمبر المقبل، والحسابات الانتخابية تتأثر عادة بتوجهات وأمزجة الناس. والغالبية الساحقة من السويديين ليست مناصرة للتوجهات العنصرية، ولكن التصرفات الضارة من جانب مجموعة محدودة العدد من المهاجرين، واستغلالها من قبل المتطرفين، يؤدي إلى تفاقم الظاهرة العنصرية، واتساع دائرة تأثيرها. ولهذا لا بد من تغيير هذه الصورة، وذلك يكون أولاً عبر احترام قوانين البلد، والالتزام بالواجبات الأساسية التي ينبغي أن يلتزم بها كل مواطن، وذلك مقابل الحصول على الحقوق من دون أي تمييز.
*كاتب وأكاديمي سوري