بغداد ـ «القدس العربي»: يتابع العراقيون والمراقبون والمجتمع الدولي بقلق، محاولات تقييد حقوق الإنسان في حرية الرأي والتعبير وانتقاد السلبيات، في اعقاب إجراءات قانونية تم اتخاذها في الأيام القليلة الماضية، ضد إعلاميين ووسائل إعلام وسياسيين، بهدف إسكاتهم عن تشخيص مظاهر الفساد والفاسدين وانتقاد الحكومة.
فقد تفاعل الرأي العام والمعنيون بحرية الصحافة، بتطورات قضية صدور قرار قضائي بحبس الإعلامي ملا طلال والممثل المعروف أياد الطائي، بسبب مشهد تمثيلي تم بثه عبر قناة محلية انتقد فيه وجود الفساد في المؤسسة العسكرية، فيما أصدرت هيئة الإعلام الحكومية قرارا بوقف البرنامج الذي عرض تلك التمثيلية.
ونظم ناشطون وإعلاميون، وقفة احتجاج واعتصام أمام محكمة الكرخ في بغداد تحت شعار «رفض محاولات تكميم الأفواه» واستخدام القانون لإسكات المعارضين ومنتقدي الفساد المستشري في كل جوانب الأجهزة الحكومية، باعتراف الجميع. ورفع المعتصمون لافتات كتبت عليها عبارات مساندة منها «لا لتكميم الأفواه» و«نطالب المحكمة بإنصاف الحق بحق المتهمين المذكورين».
وكان القضاء العراقي، أصدر مذكرتي قبض وتحري بحق مقدم البرامج أحمد الملا طلال والفنان الطائي على خلفية بث محتوى كشفا فيه عن جوانب من الفساد في المنظومة العسكرية، واعتبرته وزارة الدفاع «إساءة للقيادات العسكرية وتحريضا على العنف» حيث صدرت المذكرتان وفق المادة (226) من قانون العقوبات، التي تصل عقوبتها إلى السجن 7 سنوات.
وجاء صدور المذكرتين بالتزامن مع قرار هيئة الإعلام والاتصالات (الحكومية) بايقاف البرنامج «مع الملا طلال» الذي يعرض من على شاشة قناة «يو تي في» المحلية.
وقد أثارت هذه القضية ردود أفعال غاضبة منها رفض «جمعية الدفاع عن حرية الصحافة» هذه الإجراءات التي تتعارض مع حرية الرأي، مشيرة إلى إعمام مجلس القضاء الأعلى الصادر في اب/اغسطس 2020 الذي نص على «التعامل بدقة في الشكاوى التي ترفع ضد الصحافيين، وعدم الاستعجال في إصدار مذكرات القبض بحق الصحافيين».
وأعربت الجمعية عن كامل تضامنها مع الإعلامي، ووصفت ما يتعرض له بعد إيقاف برنامجه وإصدار المذكرة بحقه، بانه إجراء تعسفي يتنافى مع روح وجوهر ومبادئ الدستور والنظام الديمقراطي، داعية رئيس الوزراء إلى الخروج من صمته إزاء الانتهاكات التي يتعرض لها الصحافيون، لمجرد كشفهم الحقائق إلى الرأي العام، والإيفاء بوعوده لحماية حرية الصحافة والفضاء الإعلامي التي أطلقها في الأيام الأولى لتنصيبه. وناشدت الجمعية المنظمات الأممية والدولية المعنية بحرية العمل الصحافي وحقوق الإنسان إلى تأشير مخالفات الحكومة العراقية بحق الصحافيين، والضغط على الحكومة لدفعها للالتزام بالمواثيق والمعاهدات الدولية التي ألزمت نفسها بها، ومنها حماية حرية التعبير والصحافة.
نقابة الفنانين العراقيين، أعربت بدورها عن «قلقها وغضبها الكبيرين مما يحدث من محاولات تضييق على الفن والإعلام العراقيين في الأسبوعين المنصرمين».
وأصدرت النقابة بياناً، ذكرت فيه أن محاولات التضييق تدخل «في نسق سيء يمتدّ إلى إرث الديكتاتورية الظالمة من جهة، وينهي الثمرة الوحيدة لسقوط النظام السابق: أي حرية التعبير، أو بمعنى أدق: ما تبقّى منها» مؤكدة أن «ما حدث مع الزميلين الفنان أياد الطائي والإعلامي أحمد ملا طلال، وما سبق هذا، وما تلاه وسيأتي، هو ترسيخ للديكتاتورية والقمع وإسكات جميع الأصوات».
وأضافت أن «الاستهداف الممنهج لكل رأي يشير إلى فساد أو فوضى، يصنع من العراق بيئةً مسمومة للفنان والصحافي، خصوصا وأنهم يتحدثون عن ظواهر يعرفها أي مواطن اعتيادي في الشارع».
وشددت على ان «مَن يحاول أن يصنع من القانون مطرقة ضد الفنان، في وقت يُسحق القانون بكرة وعشيّا من أجل المسؤولين وأبنائهم، الذين يتحدثون عن فسادهم أمام رؤوس الأشهاد، فإن الفنان سيستخدم كل ما يملك، من مسرح وسينما ودراما ووسائل تواصل اجتماعي، لإدانة الزمرة الحاكمة والنظام السياسي السيء».
تناقض قانون العقوبات مع الدستور
وقد أثارت قضية ملا طلال، دعوات رجال القانون والناشطون، إلى الحكومة والبرلمان والقضاء، من أجل حل التناقضات بين الدستور وقوانين العقوبات، بما يخص حق التعبير عن الرأي وحرية الإعلام، مشيرين إلى استخدام مواد في قانون العقوبات العراقي ومنها المادة 226 بما يتعارض مع حرية الرأي والتعبير التي كفلها الدستور، فيما شدد خبراء قانونيون، على ضرورة تعديل بعض المواد في قانون العقوبات من قبل البرلمان، بسبب استغلالها من قبل بعض الجهات السياسية. وتشير المادة 226 التي غالبا ما يتم عبرها إصدار مذكرات إلقاء قبض بحق إعلاميين وسياسيين، إلى «يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات أو بالحبس أو الغرامة من أهان بإحدى طرق العلانية مجلس الأمة أو الحكومة أو المحاكم أو القوات المسلحة أو غير ذلك من الهيئات النظامية أو السلطات العامة أو المصالح أو الدوائر الرسمية أو شبه الرسمية». وسبق ان أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» النيابية أرشد الصالحي، إن: «اللجنة تؤكد تمسكها بالمبادئ الدستورية في التعبير عن الرأي، وإن على الجهات الأمنية عدم إلقاء القبض على أي شخص من دون مذكرة قضائية» داعيا الحكومة إلى احترام مبادئ حقوق الإنسان مع كل مواطن عراقي، طبقا للقوانين المرعية.
التسقيط السياسي
في صورة أخرى لتعامل بعض الأحزاب، مع الرأي المعارض، كشفت رئيسة كتلة الجيل الجديد في البرلمان، النائبة سروة عبد الواحد، عن تعرض كتلتها النيابية المعارضة، لـ«حملة تسقيطية» متهمة رئيس الجمهورية والحزبين الكرديين الرئيسيين وكتلة الإطار بالوقوف وراها.
وكتبت عبد الواحد في تدوينة على «تويتر» أن «رئيس الجمهورية لديه جيش إلكتروني وكذلك سلطة إقليم كردستان بشقيها حزبي الاتحاد والديمقراطي ومرتزقتهما وبعض الإطاريين». وأضافت أن «كل هؤلاء منذ السبت الماضي بدأوا بحملات تسقيطية» مشددة «والله كل جيوشكم لن يؤثروا على جمهورنا بحجم جناح بعوضة، لذا أنصحكم بعدم انفاق أموالكم على أشياء تافهة واخدموا أهلكم لعلكم تفلحون».
وفي هذا السياق، أطلق القضاء العراقي، سراح السياسي السني البارز رافع العيساوي، المتهم بقضايا فساد وإرهاب، وذلك عقب سنوات من الملاحقة القانونية التي أجبرته على البقاء خارج العراق.
ويعد العيساوي من أكثر الشخصيات السياسية السنية تأثيرا في محافظة الأنبار، وسبق له ان شغل عدة مناصب رفيعة منها منصب نائب رئيس الوزراء ووزير المالية، قبل أن يقدم استقالته احتجاجاً على سياسات رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، لتلاحقه بعد ذلك، تهم بالإرهاب والفساد وصفها بـ«الكيدية». وفي عام 2020 أسقطت عن العيساوي تهم الإرهاب، والآن تم إسقاط تهم الفساد عنه.
ولا شك ان هذا الإجراء أثار مجددا تكهنات بخصوص استخدام القانون في صراع الكتل والأحزاب، ولإبعاد الخصوم، حيث علق زعيم ائتلاف الوطنية أياد علاوي، على قضية العيساوي بعد تبرئته، في تغريدة على «تويتر» قائلا: «ابارك لاخي الدكتور انصافه وتبرئته من قبل القضاء، وآمل بمراجعة حقيقية لآلاف الأبرياء القابعين خلف السجون منذ سنوات بتهم كيدية».
تقييد البرامج التلفزيونية
ومن جهة أخرى، لم تقتصر محاولات تقييد الرأي على الأشخاص فحسب، بل امتد إلى الأعمال الدرامية الرمضانية، حيث أصدر ديوان الوقف الشيعي، بيانا ادعى فيه ان مسلسل «وطن» الذي تبثه قناة «يو تي في» فيه إساءة متعمدة للمقدسات الدينية من خلال تصوير رجل دين شيعي يبرر الجريمة بآية قرآنية، مدعيا ان المسلسل احتوى الإساءة للحوزة العلمية ورجالاتها، ولعموم أتباع مذهب أهل البيت (ع) في العراق. وهدد الديوان انه سيتخذ مجموعة من الخطوات في سياق الرفض الجاد لهذه الممارسات، ويحتفظ بحقه بالمسائلة القانونية والقضائية للقناة التي بثت هذا العمل والجهات ذات العلاقة والمسؤولية في عملية إنتاجه ورعايته وبثه. وعقب ذلك وجهت هيئة الإعلام غنذارا إلى القناة بسبب البرنامج المذكور وطالبتها بالاعتذار من الجهة المعترضة.
وليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها وسائل الإعلام العراقية إلى انتقادات بسبب موقف أو رأي، حيث سبق ان هوجمت عدة قنوات منها «ان آر تي» و«دجلة» واحرق بعضها من قبل جماعات تابعة لأحزاب متنفذة من دون ان تتدخل القوات الأمنية لمنعها.
وازاء تصاعد أشكال قمع حرية الرأي، دعت «جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق» الصحافيين وأصحاب الرأي كافة، إلى «المشاركة في الحملة الإعلامية، الساعية إلى الضغط على المشرع العراقي لمعالجة المواد القانونية البالية، وإعادة إنشاء محكمة النشر والإعلام، بالنظر إلى حساسية القضايا المرفوعة ضد أصحاب الرأي، والتوصيات الدولية للعراق، التي تضمنت إنشاء محكمة الإعلام والنشر».
يشار إلى ان مجلس القضاء الأعلى في العراق قرر في 12 تموز/يوليو 2010 تشكيل محكمة مختصة بقضايا النشر والإعلام ، تتولى النظر في الشكاوى والدعاوى المتعلقة بالإعلام والنشر في جانبيها المدني والجزائي، إلا ان مجلس القضاء عاد وألغى محكمة النشر والإعلام، في نيسان/ابريل عام 2017 بحجة عدم وجود قانون لها، من دون ان يسعى المشرع العراقي لإيجاد قانون يعالج هذه القضية، ويحمي حرية العمل الصحافي.
وفي سياق المواقف الدولية ازاء انتهاكات حقوق الإنسان في العراق، رصد تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الذي قدمته للكونغرس في نيسان/ابريل الحالي، وجود انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في العراق، متهما أجهزة الدولة العراقية «بالقتل غير القانوني أو التعسفي».
وأشار التقرير إلى فرض قيود خطيرة على حرية التعبير ووسائل الإعلام، وتهديد الصحافيين، إلى جانب قيود خطيرة على حرية الإنترنت وتكوين الجمعيات، مشيرا إلى وجود قيود على حرية حركة المرأة، والإعادة القسرية للنازحين داخليا إلى مواقع واجهوا فيها تهديدا لحياتهم، كما ذكر التقرير «إن الانتهاكات الجسيمة في العراق تضمنت تقارير موثوقة عن التعذيب في مراكز الاحتجاز التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، كما وثق التقرير حالات التجنيد أو الاستخدام غير القانوني للأطفال».
ويبدو واضحا ان تصاعد القمع والتجاوزات على حقوق الإنسان وخاصة حرية الرأي وحرية الصحافة في العراق، وبشكل ممنهج، يدل على وجود إرادة سياسية لدى القوى المتنفذة، لاستخدام كل الوسائل والأدوات القانونية والحكومية والسياسية وغيرها، لإسكات الأصوات المعارضة إضافة إلى الضغط على الخصوم السياسيين وابتزازهم.